نبليات .. حكايا حمدو ـ 4
أولو شرط إيخرو رضا …
كان حمدو يشترط على حاله شرطا مسبقا إذا اضطرته ظروف الحياة أن يذهب إلى حلب ..
فيقول مخاطبا نفسَه الأمارة بالسوء :
يا نفسي .. بكرا أنا لازم أروح لحلب ، وهونيك بباب جنين وبباب انطاكي في كتير أكل وشرب وشهوني وعلاك مصدي ..
في كباب مبهّر اللي ريحتو بتشق الراس ، وفي كبب مقلي ومشوي ومحشي باللحم والسنوبر والفستق الحلبي ، وفي معلاق وسودا مشوي ، وفي كمان مبرومي وسوارة الست ونمورة وأم النارين وشعيبيات وبقج ، وغيرو وغيراتو …
فيا نفسي .. الزمي حدودك ولا تتشهوني ولاتتطلبي ولا تغاري من غيرك ولا تنقي ، ولا تقيسي حالك بحال غيرك .. الدنيا مقامات والناس مقامات والأكل والشرب واللبس كلو مقامات ,, ولوما كان هيك كنت تجوزت غير هالمشحورة كحلا اللي لا بتهش ولا بتنش .. بقا يا نفسي ، الله يخليك ، اصبري عليّ ولا تزيدي عزابي عزاب ، ولا تزيدي ناري نار .. اللي فيني مكفيني ..
بعرفك مشهوني ودناقا ، بتحبي اللقمي الطيبي ، والمي البيردي في كاس بللور عرقان ، قدام دولاب الهوى اللي بيرد الروح .. بس اش أسويلك ؟؟!! العين بصيرا والإيد قصيرا ..
وأولو أهونو ..
لكِ ـ يا نفسي الأمارا بالسوء ـ فرنك واحد ما لك غيرو .. لا تطولي ولا تقصري وكوني قنوعا شكورا ، واقنعي باللي قسملك هو القسام العظيم .. إي فرنك بأدّيك أكل ..
بشتريلك فيه رغيفين من خبز حلب الأبيض ، بأدّمن عا ريحة الكباب والسودا .. وكفاها المولى ..
وبيضلوا أحسن من كعكات كحلا المشحورات ..
والشرب ، بشربك م الحنفي اللي ببوز باب جنين وبخسّل وجي وراسي منا مشان تتبوردي .. وهيك بتكوني ما في منك .. لا بتعزبيني ولا بتمرمريني ولا بتخليني أسيوي شي الله ما رادو ..
وبعدين ، اللي أولو شرط ، إيخرو رضا .. مو تجي هونيك تقوليلي كاني ماني !! لا تطولي ولا تقصري ، ما في لا كاني ولا ماني ..
هو فرنك واحد ما لكِ غيرو .. وأصلا ما معي غيرو .. بقا كنّي واعقلي والزمي حدك وخليني أمشي الحيط الحيط وأقول : يا رب السترا .. واوعديني ما تخالفيني ولا تجوري علي بطلبات ماني قدا ..
انتهى حمدو من تلقين نفسه الشرط الذي يجب أن لا تنساه ، وهولا يكل ولا يمل من ترديده كلما اضطر لمغادرة الضيعة ..
كان الوقت أول الليل ، فيجب أن يرتاح ويريح بدنو وبدن حمارو ,, وكانت الغرفة حوله مظلمة كالقبر ، ( لأن كحلا أخذت الشعالي معها إلى الطهارا ) ..
فصاح بها :
ما خلصتِ ؟؟ ريتا سَراجا في مصارينك .. اطفي الشعالي بقا ، بدنا نندفس ، عنا سَفرا بكير ، وصار نص الليل ولسّا ما انلهدْتِ ..
غمغمتْ كحلا قبل أن تدخل :
تقبر الإني والصحاب .. اشبك تسودنت ؟؟
ولما دخلت ، حطت الشعالي فوق التفي ونفخت ع الفتيل .. فانطفا ..
كان حمدو يرى أن إشعال فتيل الشعالي ( بطعمي وبلا طعمي ، بعزقا ما بيحسن يتحملا أو يسكت عنا ) ..
المهم :
من جهجهة الضو ، ركب حمدو طريق حلب ، وصار يسعسع هو وحمارو ، مقتبل من تحت السجرا عا نغيولي وهو رايح ..
وصل قبل الظهر لخان حنيف ، ربط الحمار ، وراح عا فرن الوراقة ، اشترى رغيفين خبز حلبي أبيض م التلج ، ورجع لباب جنين .. استل من عبّو كعكي من خبز أولت امبيرحا ، دَمَجَا بالرغيف السخن ، وشرّق في باب جنين ، يتنشق ريحة المشاوي والمقالي ، يأدم لقمتو عليّا ..
ووقت اللي خلص أول رغيف ، كان مرق من الطرف الشرقي .. دوّر ورجع يأدم الرغيف التاني في التغريبي ..
كان الهوا عميلعب لعب بالدخيخين اللي عمتضهج تحت ضو الشمس الميرق من فتحات السقف وشقوقو وخراقاتو ، وهو عمبقض وبيتنشق تا طلع م الطرف الغربي .. شرب م الحنفي وخسّل وجو وراسو ، وتبورد ، وصار ينشف باللفاحة ، ويحكي مع حالو بصوت مسموع ، كأنو جاب الديب من ديلو :
شفتي شلون وفيت بوعدي ؟؟ أنا بحكي وبفعل .. اللي صارلك ما صار لحدا .. اضحكي بعبّك .. وإنتي صار لازم توفي بوعدِك كمان ، وتصبري عليّ وما تطولي لسينك وما تتشهوني أكتر من هيك ..
وقبل ما يشيل اللفاحا عن وجو ، سمع صوت مرا :
يا عالم .. يا هووو .. تاعوا اسمعوا هالابن الكلب اش عميحكي معي ..
وشدت اللفاحا عن وجو ، وبلشت فيه مسبّي وشتايم ، وكملوا الناس عليه بالضرب والتنحير ، ووقف هو مبلوس لا من تمّو ولا من كمّو .. ولولا ولاد الحلال اللي رأفو بختيرتو كان راح فيها .. ومن يوما تاب حمدو عن نزلة حلب وما عاد داس برا الضيعة ..











