Yahoo!

إنها دمشق

مايو 20th, 2011 كتبها y m نشر في , تجربة حياة, مقهى البث المباشر, منقول

 إنها دمشق

 

 أعترف ، وأعتذر من الإخوة القراء سلفا ..

لقد تهيبت تقديم هذا النص المنقول ..

لذا ، أدعه بين أيديكم ، وأنسحب بهدوء ، ولكم أن تقولوا ما تشاؤون ..

 

منقووووووووووول

 

 إنها دمشق : ( كما يصفها الشاعر والأديب العراقي مظفر النواب ) ، شقيقة بغداد اللدودة ، ومصيدة بيروت ، حسد القاهرة ، وحلم عمّان ، ضمير مكة ، غيرة قرطبة ، مقلة القدس ، مِغناج المدن وعكاز تاريخ لخليفة هرم ..

  إنها دمشق .. امرأة بسبعة مستحيلات ، وخمسة أسماء وعشرة ألقاب .. مثوى ألف وليّ ، ومدرسة عشرين نبي ، وفكرة خمسة عشر إله خرافي لحضارات شنقت نفسها على أبوابها ..

 إنها دمشق الأقدم والأيتم ، ملتقى الحلم ونهايته ، بداية الفتح وقوافله ، شرود القصيدة ومصيدة الشعراء .

من على شرفتها أطلّ هشام ليغازل غيمة أموية عابرة ، " أنى تهطلي خيرك لي " بعد أن فرغ من إرواء غوطتها بالدم ، ومنها طار صقر قريش حالمًا ، ليدفن تحت بلاطة في جبال البرينيه .

 إنها دمشق التي تحمّلت الجميع ، متقاعسين وحالمين ، صغارَ كسَبةٍ وثوريين ، عابرين ومقيمين ، مدمني عَضِّها ، مقلمي أظفارها ، وخائبين وملوثين ، طهرانين وشهوانيين ….

 رَضَّعَتْ حتى جفَّ بردى ، فسارعت بدمها .. بشجرها وظلالها ، ولما نفقت الغوطة ، أسلمت قاسيونها (شامتها الأثيرة) يلعقونه .. يتسلقونه .. يطلون منه على جسدها ، ويَدْعُون كل السفلة ليأخذوا حصتهم من براءتها ، حتى باتت هذه مهنة من يحبها ومن لا يقوى على ذلك ..

 لكنها دمشق تعود فتيَّةً كلما شُرِقَ نقيُّ عظامها ..

 

 إنها دمشق أيها العرب العاربة والمستعربة ، قِبلة سيّاحكم ، ومحط مطيّكم ، تمنح لقب الشيخ لكل من لبس صندلا واعتمر دشداشة ولا تعترف إلا بشيخها محي الدين بن عربي ، هو من لم تتسع له الأرض ، حضنته دمشق تحت ثديها وألبسته حيًّا من أحيائها فغنى لها : " كل ما لا يؤنث لا يعول عليه " ..

 

 إنها دمشق لا تعبأ بإثنين ..

الجلادون والضحايا ، تؤرشفهم وتعيدهم بعد لأيٍ على شكل منمنماتٍ تزيّن بها جدرانها ، أو أخباراً في صفحات كتبها ، فيتململ ابن عساكر قليلا ، يغسل يديه ويتوضأ لوجه الله ويشرع بتغطيس الريشة في المحبرة ، لا ليكتب ، بل ليمرّر الحبرَ على حروف دمشق المنجمة في كتابها ..

دمشق التي تتقن كل اللغات ولا أحد يفهم عليها إلا الله جل شأنه وملائكة عرشه ..

دمرَّ هولاكو بغداد وصار مسلماً في دمشق ، حرر صلاح الدين القدس وطاب موتاً في دمشق ، قدّم لها الحسين بن علي ويوحنا المعمدان وجعفر البرمكي رؤوسَهم كي ترضى دمشق ..

وما بين قبر زينب وقبر يزيد خمس فراسخ ودفلى على طريقة دمشق ..

 إنها دمشق لا تحب أحداً ، ولا تعبأ بكارهيها ، متغاوية ووقحة تركت عشاقها خارجاً بقسوة نادرة كي لا ينسفح الكثير من دمهم ، وتتفرغ للغرباء الذين ظنوا أنفسهم أسيادها ليستفيقوا فجأة وإذ بهم عالقين تحت أظافرها ..

 

لديها من الغبار ما يكفي لتقصّي أثر من سرقها فتحيله متذرذراً على جسدها .

المزيد


معركة ستنفجر هذا الأسبوع في القاهرة ولن تهدأ قبل فترة ..

ديسمبر 2nd, 2010 كتبها y m نشر في , مقهى البث المباشر, منقول

 

 

  

 تحت هذا العنوان ، نشرت مجلة روز اليوسف المصرية ، وقائع هذه المعركة التي دارت بين الشاعر نزار قباني ، والروائي نجيب محفوظ ، الذي بدأ الجولة الأولى من المعركة ، بالهجوم على المضمون السياسي لقصيدة نزار قباني " المهرولون " ، فدافع الشاعر عن نفسه وشعره وفكره السياسي ، مقارعا خصمه الروائي ، بالأسلحة والذخائر اللفظية المناسبة ، تلميذ " المدرسة الساداتية " ، الموسوم بطفح جلدي اسمه " كامب ديفيد " ..

 

 والمعركة ، بجبهتيها " الساداتية " ، و " الناصرية " ، هي مضمون :

" حوار الأسبوع بين الروائي والشاعر " ..

 

  تضمَّنت الجبهة الأولى : حوارا مع الروائي الكاتب الكبير نجيب محفوظ ، منقولا عن جريدة الحياة اللندنية ، يتحدث فيه عن قصيدة الشاعر نزار قباني التي نشرها قبل ذلك بقليل ، بعنوان (( المهرولون )) ، وذلك بعد توقيع السلطة الفلسطينية ـ وقتذاك ـ اتفاقيات أوسلو مع العدو الصهيوني عام 1995، والتي أدان فيها هرولة وتهافت بعض الأنظمة العربية ، على مفاوضات استسلامية مجانية ومسدودة الأفق ، مع العدو الصهيوني ..

وتضمنت الجبهة الثانية ، ردُّ الشاعر نزار قباني ، على حديث الروائي نجيب محفوظ ..

ويميز فيه ، بين نظرة الشاعر والروائي ، للقصيدة نفسها ، وللشعر العربي عامة ..

والخلط بين " الشعري " و " السياسي " الذي وقع فيه الروائي الكبير ..

كما يميز بين الخطاب الروائي ، والخطاب الشعري ، في تعاطيهما للموضوعات السياسات الساخنة ..

 

ملاحظة : قصيدة الشاعر نزار قباني " المهرولون " منشورة في نهاية هذا المقال ..

 

والحواران منقولان عن مجلة روز اليوسف في عددها رقم 3514 ـ تاريخ 16/10/1995 ، تحت عنوان :

 

حوار الأسبوع

بين الشاعر والروائي

 

أولا :

الروائي نجيب محفوظ :

 

وصف نجيب محفوظ قصيدة نزار قباني " المهرولون " ، بأنها قصيدة قوية جدا ، وقنابل تفرقع في عملية السلام ، من دون أن تقدم بديلا عنها ..

وأضاف في تصريح لجريدة الحياة الصادرة في لندن ، بعد أن نشرت القصيدة :

لقد أعجبتني رغم اختلافي السياسي معها .. إنني لا أنفي إعجابي بها ، ومن يشارك نزار قباني موقفه ، سيجد فيها تعبيرا قويا عن هذا الموقف ، لكنه موقف يبدو أضعف من القصيدة بكثير ، قصيدة قوية ، وموقف ضعيف ..

وأبدى محفوظ تقديره لما حوته القصيدة ضمنا ، من نداء للعرب ، بأن يهبوا .. واعتبر ذلك أملا نتطلع إليه جميعا .. لكنه رأى أن هذا لا يكفي من دون طرح بديل لما يجري في عملية السلام ، وأعرب عن عدم اقتناعه بأن يكون البديل هو أن نوقف هذه العملية ، ونقعد ساكتين ، ملاحظا أن نزار قباني لم يقل إنه مع الحرب ، ولم يقدم أي بديل ..

قال : " نعم ، في مثل هذه المواقف ، لا بد أن يقدم البديل .. لا يكفي أن يهاجمهم ، لأنهم يهرولون ويلهثون ، ويقبِّلون حذاءَ القتلة ، ويفرِّطون في كل شيء .. فالأهم هو أن يقول لهم ماذا يفعلون .. وقال : " أعرف هناك منْ يرفضون السلام ، فيما لا ينادون بالحرب ، ولا يقدمون خيارا ثالثا .. فماذا يفعل هؤلاء المتهَمون بأنهم يهرولون ؟؟ هل يجلسون ساكنين بلا فعل ؟؟!! وإذا كان البديل هو الانتظار السلبي ، فإن الطرف الآخر لا ينتظر أحدا ، وإنما يمضي في ابتلاع الأرض ..

وقال : " لا يوجد سلام بغير تفاوض .. وما دام خيار الحرب غير وارد ، فلا مبرر لهذا الهجوم على المفاوضين العرب الواقعيين والعمليين ..

وأضاف : " إنهم يريدون الوصول إلى حل ، ولو كان بإمكانهم الحصول على ما هو أفضل ، مما أتوْا به .. ما كانوا قد فرّطوا، إنهم يفاوضون في ظروف صعبة ، وموقفهم في المفاوضات انعكاس للوضع العربي العام ..

وتمنى نجيب محفوظ لو كان الوضع العربي الراهن أقوى مما هو عليه ، وقال : " في هذه الحالة ، فإن نتائج المفاوضات تختلف .. لكن من أين نأتي بوضع عربي أفضل الآن ؟؟ وليس من مصلحتنا التوقف ..

لأن الطرف الآخر لن ينتظر ، فلسنا في مباراة للكرة ، حتى نحصل على استراحة ثم نعاود اللعب من جديد .. فإذا أخذنا استراحة ، سيباغتنا الطرف الآخر بتسجيل أهداف في مرمانا ..

وذكر نجيب محفوظ بمبادرة الرئيس المصري الراحل " أنور السادات " في آخر عقد السبعينيات ، والتي كان رحّب بها في حينها على رغم رفض معظم المثقفين المصريين والعرب عموما لها ..

وأضاف : " قل في السادات ما شئت ، لكنه أخذ المبادرة واستعاد الأرض المصرية المحتلة ، ورفع علم فلسطين في مواجهة إسرائيل ، وقال للفلسطينيين : تعالوا .. لكن : " ماجوش وما حاربوش " .. وكانت الشروط المطروحة عليهم آنذاك أفضل منها الآن عشر مرات .. فقد قبلت إسرائيل وقتها بالحكم الذاتي ، إلى جانب إعادة سيناء لمصر " ..

لكنه رأى أن هذا لا يبرر الهجوم على القيادة الفلسطينية الآن  ، عندما أدركت أنه لا بديل عن التفاوض ، ولا الهجوم على القادة العرب الذين يساندونها ..

وقال : " إنهم يسعوْن لحل المشكلة بقدر ما يستطيعون ، وفي حدود ما تسمح به ظروف الواقع ، ولا جدوى من أن نشبعهم تقريعا ، ونقول لهم أضعتم الحياء .. أضعتم غرناطة وإشبيلية وأنطاكية .. وفرّطتم في كل شيء ..

وأوضح أن هؤلاء الموصوفين بالمهرولين يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه ، لأننا أخصائيون في إضاعة الفرص ..

ومع ذلك كرر محفوظ إعجابه بالقصيدة ، باعتبارها تعبيرا عن موقف صادق يحترمه على الرغم من اختلافه معه ..

وقال : " إن نزار قباني مخلص في موقفه ، ولا يقول هذا الكلام تزييفا .. إنه رأيه  ، وهو مقتنع به ، وله كل الحق في ذلك ، وهناك من يؤيدون هذا الرأي في كل البلاد العربية ، ومن يرفضون السلام على طول الخط حتى إذا حققنا منه مكسبا .. وهذا حقهم " ..

 

ثانيا :

الشاعر نزار قباني :

 

ـ 1 ـ

 

الأستاذ نجيب محفوظ ، إنسانٌ رقيقٌ كنسمة الصيف ، وحريريٌّ في صياغة كلماته ، ورسوليٌّ في سلوكه على الورق ، وسلوكه في الحياة .. إنه رجل اللاعنف الذي يمسك العصا من منتصفها  .. ولا يسمح لنفسه بأن يجرح حمامة .. أو يدوس على نملة .. أو يغامر .. أو يسافر .. أو يغادر زاويته التاريخية في حي سيدنا الحسين ..

هو رجل السلام والسلامة .. ولا يُعرَف عنه ، أنه تشاجر ذات يوم مع أحد .. أو تعارك مع رجل بوليس .. أو وقف في وجه حاكم .. أو أمير .. أو صاحب سلطة .. إ،ه دائما يلبس قفازات الحرير في خطابه الاجتماعي ، والسياسي ، ويتصرف ( كحكومة الظل ) في النظام البريطاني ..

هذا الموقف السكوني الكلاسيكي ، في طبيعة أستاذنا الكبير ، هو الذي جعله ينتفض كعصفور ، عندما قرأ قصيدتي الأخيرة " المهرولون " ..

فهو لم يتعوّد خلال تاريخه الطويل ، على قراءة القصائد المجنونة التي تفرش عباءتها على الأرض .. وتصرخ كالقطط المتوحشة في ليل الانحطاط العربي .. غير مكترثة بالفضيحة ، وبما يقوله الناس عن ظهورها في الشارع عارية .. أو نصف عارية .

 

ـ 2 ـ

 

فليعذرني عميد الرواية العربية ، إذا جرحت عذريته الثقافية ، وكسرت عاداته اليومية ، وقلبت فنجان القهوة عن الطاولة التي يجلس عليها مع أصدقائه ..

فالقصيدة ليس لها عادات يومية تحكمها .. أو نظام روتيني تخضع له ..

إنها امرأة عصبية .. وشرسة .. تقول ما تريده بأظافرها .. وأسنانها .. القصيدة ذئب متحفز ليلا ونهارا .. ومواجهة بالسلاح الأبيض مع كل اللصوص .. والمرتزقة .. وقراصنة السياسة .. وتجار الهيكل ..

 

ـ 3 ـ

 

أستاذنا نجيب محفوظ قمة روائية لا يجادل فيها أحد ، لكن نظرته إلى الشعر ، نظرة ساذجة ، وملتبسة ، تحتاج إلى بعض التصحيح ..

ففي تعليقه على قصيدتي ، خلط الروائي الكبير خلطا عجيبا بين الشعري والسياسي ، بين القصيدة وبين الموقف ، فامتدح القصيدة جماليا ، وهجاها أيديولوجيا ..

إنني لا أناقش الأستاذ نجيب محفوظ في عقيدته وقناعاته السياسية ، ولكني أقول له : إن الشعر دولة ليبرالية ، لا سلطان فيها إلا للجمال ، والعدالة ، والحرية .. وليس من وظيفة للشعر سوى أن يكون شعرا .. وأن يكون صادقا مع الناس ، ومع نفسه .. ومع الحقيقة ..

 

ـ 4 ـ

هذا هو موقف الشعر العربي مما يجري على المسرح العربي ..

فإذا كان الأستاذ نجيب محفوظ يرى موقفي ( ضعيفا ) ، ويطالبني أن أصفق لمسرحية اللامعقول التي يعرضونها علينا بقوة السلاح ، وقوة الدولار ، فإنني أعتذر عن هذه المهمة المستحيلة ..

ربما كنت في قصيدتي حادا ، جارحا ، ومتوحش الكلمات .. وربما جرحت عذرية كاتبنا الكبير ، وكسرت زجاج نفيه الشفافة ..

ولكن ماذا أفعل ، إذا كان قدره أن يكون من ( حزب الحمائم ) .. وقدري أن أكون من ( حزب الصقور ) ؟!

ماذا أفعل إذا كانت الرواية عنده جلسة ثقافية هادئة في ( مقهى الفيشاوي ) .. وكانت القصيدة عندي ، هجمة انتحارية على القبح والانحطاط ، والظلام ، والتلوث السياسي والقومي ؟

 

ـ 5 ـ

 

ربما كان الخطاب الروائي يختلف في طبيعته ، وأدواته ، وتقنيته ، عن الخطاب الشعري .. فالروائي يجمع عناصر روايته ، ويرتبها ، ويدرس سيكولوجية أبطاله ، كما يفعل الأكاديميون والباحثون الذين يشتغلون في مختبراتهم بعقل بارد ، دون أن يشعروا بضغط الزمن عليهم ..

أما الشاعر ، فهو يشتغل بمادة سريعة الانفجار ، لا يمكنه أن يؤجل التعامل معها إلى فترات طويلة ، وإلا انفجرت بين يديه .

الشعر ، برق لا عمر له ..

أما الرواية ، فورشة تفتح أبوابها لمدة 24 ساعة ..

 

ـ 6 ـ

 

ولأن الشعر يتصرف بطفولة وتلقائية ، لا يمكننا أن نطلب منه أن يكون حكيما ، أو واعظا ، أو خطيبا ، أو معلم مدرسة ..

ليس من وظيفة القصيدة أن تقترح الحلول ، وتجد البدائل ، وتكتب الروشيتات للمرضى والمعاقين ..

والشعراء ليسوا جنرالات .. ولا يعطون التعليمات من غرفة العمليات ، ولا يعلنون الحرب ، ولا يوقفونها ، ولو كان مسموحا للشعراء أن يكونوا في مركز اتخاذ القرار لما امتلأ العالم بالمجازر العرقية والعنصرية ، ولما حوَّلت قنبلة هيروشيما 250 ألف ياباني في ثانية واحدة إلى شوربة بشرية تتبخر ..

 

ـ 7 ـ

 

والذي يدعو إلى الدهشة في كلام الأستاذ نجيب محفوظ ، هو مطالبتي بتقديم بديل لعملية السلام المتعثرة ، كأنني السكرتير العام للأمم المتحدة ، أو عضو دائم من أعضاء مجلس الأمن ، أو كأنني المسؤول عن صياغة النظام العالمي الجديد !!

إن مطالبة الشاعر بتقديم البدائل تعطيه سلطة تتجاوز سلطته البشرية ، وتجعله مركزا من مراكز القوى ، وشريكا في اتخاذ القرار السياسي ..

وهذا يدخل في باب المحرمات في أنظمتنا السياسية الأوتوقراطية التي لا مكان فيها للشريك الآخر ، أو للفكر الآخر .. أو للرأي الآخر .

 

ـ 8 ـ

 

الشاعر في بلادنا هو ( صفارة إنذار ) تنطلق في ساعات الخطر .. وتطلب من الناس أن ينزلوا إلى الملاجئ .. ويلبسوا الأقنعة الواقية من الخوف .. والقمع .. والديكتاتورية !!

الشاعر في تاريخنا هو ( زرقاء اليمامة ) التي حذرتْ قومَها من الخطر الذي يقترب من خِيامهم ، ولأخبرتهم بتفاصيل رؤيتها ، ولكنهم لم يصدقوها .

 

ـ 9 ـ

 

ولو أن الرئيس أنور السادات قرأ قصيدة شاعر مصر الرائي والمستكشف ( أمل دنقل ) (( لا تصالح )) لما دخلنا في ذلك النفق المظلم الذي لا نزال نتخبط فيه إلى اليوم .

لقد قدَّمَ الشاعر أمل دنقل إذن للرئيس المصري نبوءته ، واجتهد اجتهاده الشعري والقومي .. ولكن صوته ضاع في ضجيج محركات الطائرة الرئاسية (( طائرة السادات )) المسافرة إلى القدس .

هذه هي محنة القصيدة التي لا يريد أحدٌ سماع شهادتها .. ولو قدّمَتْ ألف دليل ، وألف بديل .

فهل يتذكر أستاذنا الكبير ضراعة أمل دنقل للرئيس أنور السادات كي ( لا يصالح ) ؟!

ولكن صرخة الشاعر تناثرت فوق مياه النيل .. ومات أمل دنقل على سرير مرضه .. مُحبَطا .. ويائسًا .. ومقهورًا .

 

ـ 10 ـ

 

لا يحق للأستاذ نجيب محفوظ أن يعين نفسه قاضيا ، ويصدر حكما مستعجلا على قصيدة .. تتعارض مع خطه السياسي .

فما يعتبره هو ( موقفا ضعيفا ) .. أعتبره أنا موقفا شجاعا .

وما اعتبره أنا موقفا انبطاحيا .. يعتبره هو موقفا واقعيا .. وبراغماتيا .

وهذا يستدعي العودة قليلا إلى أواخر السبعينيات حين هبطت طائرة الرئيس السادات في مطار بن غوريون في تل أبيب .. وتقدّم فاتحا ذراعيه لكل الجنرالات الذين أهرقوا دم مصر وداسوا ترابها .

وابتداء من هذه اللحظة التي جعلت التاريخ يقف على رأسه .. ظهر طفح ثقافي على جلد بعض المثقفين المصريين اسمه ( كامب ديفيد ) .. وكان أستاذنا نجيب محفوظ أحد المبدعين الكبار الذين ظهرت على كتاباتهم أعراض هذا الطفح .

كان الأستاذ نجيب محفوظ معجَبا بعبقرية أنور السادات ، ومقتنعا بكراماته ، ونبوءاته ، ورؤيته الرسولية للمستقبل .

لذلك فإنني أعتبر تعليقه على قصيدتي نوعا من ( عودة الروح ) لعصر السادات ، وفكره ن ونهجه السياسي .

 

 ـ 11 ـ

 

وعلى ضوء ما تقدَّمَ ، فإن المسافة الأيديولوجية التي تفصلني عن الأستاذ نجيب محفوظ لا يمكن ردمها .

فهو تلميذ المدرسة الساداتية التي كانت تريد نصرا سينمائيا .. وتلفزيزنيا .. واستعراضيا ، ولو كان هذا النصر على حساب تاريخ مصر العربي ، وبطولات الجيش المصري الخرافية في حرب أكتوبر .

وأنا تلميذ المدرسة الناصرية بكل عنفوانها .. وجنونها .. واقتحاماتها القومية .. وانتصاراتها .. وهزائمها .. وأعراسها .. وأحزانها ..

إنهما موقفان منفرجان .. ونقطتان لا تلتقيان أبدا ..

فأصابع الأستاذ نجيب منقوعة في الماء ..

وأصابعي تتقلب فوق النار ..

ولكنني لا أصرخ .

 

ـ 12 ـ

 

لا يمكنني كشاعر أن أكون ضد السلام .

فالشاعر بطبيعة تفكيره النفسي والقومي والإنساني عضو مؤسس في حزب السلام ، إذ لا شعر يُكتب في ظل الموت ، والإبادة ، والخراب .

لكن ما يطرحونه علينا ليس سلاما .. بل ( مصّاصة من الكاوتشوك ) ، لا حليب فيها .. وزجاجة من النبيذ لا قعر لها .. ورسالة حب مكتوبة بالحبر السري .

ما يعرضونه علينا يأخذ ما فوقنا .. وما تحتنا .. ويتركنا على الحصيرة .. فالمستعمرات في خاصرتنا .. والمسجونون في سجونهم .. والمنفيون في منافيهم .. وانتقال المواطنين من أرض فلسطينية إلى أرض فلسطينية تحت رحمتهم .. والخليل مؤجلة .. والقدس مؤجلة .. وحريتنا .. وأعمارنا .. وأحلامنا .. كلها مؤجلة ..

فماذا بقي لنا من فلسطين في ظل هذا السلام البائس ؟ إذا كان أنبياؤنا ممنوعين من قراءة كتبهم المقدسة . وشعراؤنا ممنوعين من تلاوة شعرهم على أرض فلسطين .. وفلاحونا ممنوعين من الاقتراب من شجرة برتقال كانوا زرعوها قبل خمسين عاما .

 

ـ 13 ـ

 

ماذا بقي من فلسطين ؟!

إذا كان محمود درويش يقول في أول حوار أجري معه في غزة : ( بأنه عاد ولم يعد .. ووصل ولم يصل .. وأن منفاه لم ينته بعد .. وأن على بلاغة اللغة أن تتواضع قليلا أمام هذا البؤس !! ) .

 

ـ 14 ـ

 

هذه أحاسيس أمام الصلح الكاريكاتوري ، الذي يبشر به الأستاذ نجيب محفوظ ، ويدعونا إلى القبض عليه قبل أن يفلت من يدنا !!

وأنا لا أعتقد أننا سوف نخسر كثيرا ، إذا قاومنا هذا الصلح المعبّأ بكل إمكانيات الحرب .

وما دمنا لن نأخذ شيئا من إسرائيل ، لا بالحق ولا بالباطل ، لأنها مصممة على أن تصالحنا وتستعمرنا في الوقت ذاته ، فماذا نخسر إذا كسرنا الدف وتوقفنا عن الغناء ؟!

إن إسرائيل غير مبتهجة أساسا لمشروع سلام مع العرب إلا بشروطها هي .. وضمن مشروعها التوراتي القائم على ( إسرائيل كبرى ) تبتلع فيه كل غصن أخضر من النيل إلى الفرات .

وأريد أن أذكر أديبنا الكبير أن إسرائيل غير سعيدة بصلحها مع مصر ، وهي نادمة كثيرا على إعادة سيناء إلى السيادة المصرية ، لأن معدة إسرائيل لم تتعوّد على إرجاع أي طعام دخل إليها ..ولذلك فهي تسمي سلامها مع مصر ( سلاما باردا ) ..

فشكرا للرئيس العظيم جمال عبد الناصر الذي زرع في جسد الشعب المصري هذه المناعة القومية النادرة .

 

ـ 15 ـ

 

…. وبعد ..

فشكرا لأستاذنا الروائي الكبير الذي قرأ قصيدتي ( المهرولون ) فأعجبته شعريا .. ولم تعجبه أيديولوجيا .. وموقفا .

وإذا كان هذا الخطاب الشعري قد هز أعماقه ، فهذا دليل على أن حساسيته الشعرية لا تزال بخير .. وقلبه الكبير لا يزال يفرح بالتماع البروق ، وسقوط الأمطار .

أما مواقفنا الأيديولوجية المتصادمة في قضية السلام ، فهي بسيطة ، وهامشية ، ولا تفسد للود قضية .

هو له رؤيته واجتهاده ، وأنا لي رؤيتي واجتهادي .

هو يرى خشبة المسرح بعين الروائي المهتم بالأضواء ، والديكور ، وحركة الممثلين ، وأنا أرى المسرح بعين الشاعر الذي يريد أن يعرف ما يجري خلف الكواليس .. ومن يدير الحوار .. ومن هو كاتب السيناريو .. وماذا يجري بين صفوف المتفرجين الذين يشعرون بالإحباط والخديعة ، وبأن التمثيلية كلها ( أونطة بأونطة ) .

هو على يقين بأن الرواية حقيقية .

المزيد


مارسيل خليفة .. نشيد وطني لا يُسمَعُ إلا وقوفا

نوفمبر 22nd, 2010 كتبها y m نشر في , مقهى البث المباشر, منقول

 ـ هناك أشخاص تلتقي بهم كل يوم ، وتتبادل معهم التحية ، وتشرب قهوتك معهم ، أو بحضورهم ، لكن ، سرعان ما تتراجع صورُهم من ذاكرتك ، وتختفي ، فتنسى وجوهَهم وأسماءَهم ولون قمصانهم ، فور مغادرتك المكان الذي جمعكم ..

ـ وهناك أشخاص ، صُودِفَ أن التقيت بهم مرة أو مرتين متباعدتين ، لكنهم يتركون في أعماقك انطباعا محببا ، يدفعك للبحث عنهم ، أو لمحاولة اللقاء بهم من جديد ..

ـ وهناك أشخاص لم تلتق بهم وجها لوجه .. لكنكَ سمعتَ بهم ، أو شاهدتهم عبر وسائل الإعلام ..

فأنت تعرفهم ، وهم لا يعرفونك .. أنت تتمنى لقاءهم ، أو الاستماع إليهم ، أو الجلوس معهم .. وهم في عالمهم ، لا يستطيعون مجاراة رغباتك ، ولا رغبات غيرك .. لكن ذلك لا يغير من حقيقة هذه الرغبات التي تملكها ..

فنحن دائما ، معتادون على أن نفتش عن أعذار مخففـِّة لمن نحب ، كي نبقى على حبنا لهم ..  

وحتى هذه المجموعة التي تعرفها ، ولا تعرفك ، هناك منهم ، منْ لا تريد أن تراهم ، ولو فرضوا أنفسهم عليك ، في الشاشات ، أو غيرها ..

فيكون منهم من تنطبق عليه الحالتان الأوليان ..

أما مع مارسيل خليفة ، فالحال مختلف جدا ، باختلافه الكلي عن كثير من مشاهير جيله ، الذين نعرفهم ولا يعرفوننا .. فهو ـ وبكل تأكيد ـ ممن نتمنى لقاءهم ، والجلوس معهم ، والاستماع إلى فنهم وإبداعهم ..

صحيح ، هو لا يعرفنا ، لكنه يحس بنا تماما ، كما نحس نحن بألحانه .. وهو لم يرَنا ، لكننا رأينا أنفسَنا وهمومَنا وأمانينا وأحلامَنا في ألحانه وأناشيده ..

عرفنا من فنـِّه ، طعمًا آخر لحبِّ الأرض والأم والحبيبة ..

تعلمنا منه ، كيف يكون حبُّ الحق والخير والإنسان ..

وكيف تكون الكلمة واللحن أقوى من السيف والمدفع ..

عشقنا ثنائيته مع الشاعر المرحوم محمود درويش .. أحببناهما معا .. وأخذنا عنهما قوانين الصداقة والانسجام الفكري الذي تخلـَّق بيننا في هنيهة من الفرح المجبول بكل أزهار أرض محمود درويش المحتلة ، وأنغام مارسيل الشجية ..

بداية معرفتي بفن مارسيل ، كانت بُعيْدَ الغزو الصهيوني لجنوب لبنان ، واحتلال بيروت عام 1982 ..

سمعته أول مرة من شريط قدمته لي صديقة عزيزة ، مع شريط آخر لأحمد قعبور " أناديكم " ، فيما كانت تغالب دمعَها وهي تروي لي ما شاهدته على التلفاز ، مما كان يفعله الصهاينة في لبنان ..

 

وفي عام 1988 ، استضفتُ صديقي ، وأستاذه البلغاري المشرفَ على أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه ..

وخلال مراسم الضيافة ، كنا نستمع لمارسيل ، فتوقف الأستاذ الضيف عن الطعام ، وطلب من تلميذه أن يترجم له كلمات الأغنية التي نسمعها .. وفور أن انتهى صديقي من ترجمة المقطع الأول :

منتصب القامة أمشي     مرفوع الهامة أمشي

في كفي قصفة زيتون      وعلى كتفي نعشي

وأنا أمشي وأنا أمشي وأنا أمشي

 

نهض الأستاذ الضيف ، وطلب منا الوقوف وهو يقول :

هذه الأغنية كالنشيد الوطني .. يجب ألا تـُسمَعَ إلا وقوفا ..

وبقينا واقفين ، والدهشة تملأ وجوهنا وعيوننا ، حتى انتهت الأغنية ..

وقبل الوداع ، رجاني ، عبر ترجمة صديقي ، أن أؤمن له نسخة من هذا الشريط .. تعبيرا عن إعجابه الشديد به ، ورغبة منه باقتنائه ..

 

سأكتفي بهذا القدر من الحديث الخاص عن الفنان مارسيل خليفة .. لأن أي كلام آخر مني عن فنه ، أو عطائه وإبداعه في الموسيقا والتأليف الموسيقي ، لن يضيف جديدا لهذه القامة السامقة ، لاسيما أنني من ضعيفي الثقافة الموسيقية ـ كما يقول مارسيل في الحوار ، وهو صحيح ـ  وأنني مجرد مستمع لفنه ، معجب بأدائه وبحسن اختياره للأشعار التي يترنم بها ، فأعيشها معه حرفا حرفا .. تأسرني جمالياتها ، وشفافيتها ، ودلالاتها ..

وبالطبع ، تهزني أنغامها ، فأطرب لها حينا ، وأتألم لأوجاعها وأنـّاتِها أحيانا أخرى ..

لكنه يبقى مارسيل خليفة .. لحنا ، ومعنًى ، وأداء ، وثقافة ، وحضورا كبيرا ، في المشهدين : الفني ، والثقافي ..

 

وبقي أن أشكر الصديقة التي أرسلت لي حديث مارسيل هذا ، وجعلتني أستعيد معه ما كتبتُ آنفا ، فهي ممن يعرفون عشقي لفنه ، واهتمامي به .. ومع أن إيميلها يخلو من الإشارة إلى مصدر الحوار ، أو اسم الشخص الذي أجراه .. إلا أني عثرت على الحوار منشورا على الشبكة العنكبوتية ، لكنه ليس على هذه الصورة ، وثمة فرق كبير بينهما ، مما أكد لي ما ورد في مقدمة الحوار أدناه ..  

كما لابد من التنويه ، إلى أنني اضطررت للتدخل  ـ سلميا ـ في التنسيق الشكلي للحوار حتى اتخذ الشكل الذي هو عليه أدناه ، دون أي تصرف في المضمون ..

  منقوووووووووووووول

 

مارسيل خليفة

 

أريد قليلا من الأوكسجين ، لأكتشف غموض الآفاق ..

 

قريبا من الموسيقى كنا نجتاز الشوارع الضيقة لحارات دمشق القديمة من دهليز إلى دهليز , ومن حارة إلى حارة , رائق الخاطر ، وفي متاهة عذبة لأزقة لا متناهية سلكت مع الرجل طريقنا وكأننا جزء من صمت العلامة , وكأن الخطوة هي مفتاح الصول لأمكنة تحولت فجأة إلى أزمنة مموسقة .. وبينما كان مارسيل خليفة بخطاه الخفيفة الميلودية يبتعد عابرًا متاهة الأحياء الشامية العتيقة كموشح خالص من الحنين ، كنت أهمُّ بسؤاله عند التوقف أمام حانوت الفواكه المجففة , أو حتى أثناء تأديته السلام لأحباء كانوا يبزغون عند مطلع كل شارع جديد , كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة مساء , عند مفرق حي باب توما ، توقف خليفة عند بائع للأعواد , تأمَّل أحدها , وكأنه يتذكر عودَه الأول الذي ابتاعه له أبوه من سوق الحميدية .. لم يخالجني الشك أننا كنا نتحدث طوال الطريق المفضي إلى أسئلة لم تخطر على بالي أثناء بدء الحوار , إذ كانت الأسئلة تتفرع كما حارات دمشق , و تنداح كمياه ترتاح في سريرها النهري ..

وكان عمله الجديد ( الكونشيرتو العربي ) مع الفرقة القطرية الفلهارمونية فاتحة السؤال , في حوار طويل , للأسف فقد تعرَّضَ للحذف والتشويه , في منبر آخر , وهاهنا النسخة الكاملة منه , بناءً على رغبة هذا الموسيقي المحترف :

 

س :  استطعتَ لأول مرة أن تقدم مقترحا موسيقيا غاية في الجدة من حيث كتابة المقامات العربية ضمن القالب السيمفوني , هل يندرج ذلك ضمن مشروعك الجديد بالبحث عن صيغة حوار مع الآخر ؟

هل تحتمل الموسيقا برأيك مفهوم الأنا الآخر؟

 

   بالنسبة للكونشيرتو العربي ، ما كتبته من روحانية الشرق القديم ، من ميراث بيزنطة بدفقه الكنسي , من لمسات موسيقا فارس السحرية ، من حزن العراق القديم المودع في المقام , من إيقاع الصحراء العربية ، من طرب البشاف والسماعيات واللونغات التركية , من الغناء الجبلي والدور المصري والقدّ الحلبي ، ومن زخرف الأداء المغاربي , ومن نسمة الفردوس الأندلسي ..

في الكونشيرتو العربي عندما لعبناه في السكالا دي ميلانو بإيطاليا ومسرح الشان اليزيه في باريس وأوبرا الكندي سنتر في واشنطن والرويال البيرت هول في لندن بقيادة المايسترو العالمي لورين مازيل ، لم يحلَّ ضيفا غريبا على هذه القاعات , والتي ـ وللمرة الأولى ـ تستقبل عملا سيمفونيا بمرافقة الآلات الموسيقية العربية والمقامات العربية التي تعتمد على ربع الصوت مثل الراست والسيكاه والبياتي وراحة الأرواح وغيرها , وأيضا الإيقاعات العربية : كالمصمودي والوحدة والمخمس العربي والدور الهندي وغيرها من الأصول الستة عشر , أتى هذا العمل مشاركا في التعبير الإنساني من مادة محلية , من موروث نصونه من التلف والابتذال , ونستخرج الدفين من كنوزه التعبيرية , نص يزج بالشرق ومفاتنه في الموسيقا العالمية , زمن موسيقي متعدد وممتنع عن التنميط أو عن التعيين النهائي , إنه حوار لا ينقطع بين الأنا والأنا , وبين الأنا والآخر , مع المشترك والمختلف والبحث عن غنى التجربة الموسيقية الإنسانية و تنوعها , وفتح قابلية التأثر التي تحتاج إليها الموسيقا لتجديد أسلوبيتها عن طريق الإصغاء إلى تجارب الآخرين ..

وغني عن القول : إن لكل لغة موسيقية شرقية أم غربية نظامها وتركيبها الإيقاعي والنغمي والمقامي ..

 

وكل ذلك وضعني أمام مسؤولية كبيرة لتصوير ضوء المعنى , فمصدر الموسيقا واحد هو : هويتنا الإنسانية ..

 من هنا ، العالمية ، لم تكن منذ البداية إلا محلية وفي هذا السياق المتعدد اللغات الفنية والمناطق ودرجات التطور التاريخي تتوحد التجربة الإنسانية وتتحقق عالميتها الخاصة بها , وذلك بإسهام كل محلية موسيقية في صوغ ما نسميه الموسيقا العالمية .

 

س : يبدو أن هناك تطويرًا تجريه دومًا على أدواتك الفنية , مَن المستمع الذي تسعى إليه اليوم عبر مقطوعاتك الجديدة؟

 

أسعى إلى تطوير أدواتي الفنية رغم السهام الموجهة بعناية فائقة , وسأظل أكتب حياتي كما أعيشها وكما أراها ، وسأدون أحلامي بالحرية , وسأصر على أن أكون كما أريد لا كما يريدون , ولن أنتبه إلى الغبار الذي تثيره العربات الفارغة ، لأنني واثق من صواب قلب الحب ..

كتابة الموسيقا بلا مستمع لا تحقق معنى , المستمع هو الذي يمنح العمل الموسيقي حياته المتجددة .. وأدرك جيدا أن هناك صورًا نمطية يتوقع البعض أن تكون مخلصة , وفيّة في مرآته ، وخاصة لأي فنان ملتزم بقضاياه العربية , ولكن في أعمالي منذ البداية حملت ذاتا فردية , وبحثت عن إنسانية الإنسان المقهور والمسلوب والمحاصَر, عن الحياة الشخصية وهذا هو مجال المؤلف الموسيقي , أعرف بأن الموسيقي العربي مطالب بالتماهي مع هويته المحاصرة والمسلوبة في الوطن الكبير وفي العالم , لذا عانيت كثيرًا خلال تجوالي الدائم وتداخل الحرية مع سؤال الموسيقا في توتر عال ..

 

س : لكن ما هو هذا الشيء , الذي ينتفض دائما في مؤلفاتك , مَن هو هذا الطائر الصوتي الخارق الذي ينظم لك كل هذه الموسيقا ؟ وما الفارق الجوهري بينه وبين الفنون الأخرى ؟

 

الفارق في الموسيقا : هو عدم إمكانية تكرارها , الصوت سريع الزوال , يمرّ ولا تستطيع أن تستعيده عندما تشاء , ليس كاللوحة تراها ، والكتاب تفتحه , تختلف الموسيقا عن الكلمة المكتوبة ، لأن الموسيقا تولد فقط عندما يتم إصدار الصوت , الموسيقا موجودة في مخيلة المؤلف تابعة لقانون الفيزياء , يتخيلها المؤلف في عقله ، يستخدم التدوين الموسيقي بتلك النقاط السود على ورقة النوتة البيضاء المسطرة ..

والموسيقا تولد فقط عندما تعزف , إذ لا يمكن تكرار الأداء بأي شكل من الأشكال حتى لو تم تسجيله على شريط سيكون مختلفا , ولن يكون الشيء ذاته , فعندما نكرر المقطوعة في كل مرة يكون الأداء مختلفا , وعندما تنتهي المقطوعة يختفي الصوت ..

 

س : إذا ، أين تختفي الموسيقا ؟ وهل بإمكاننا استرداد الصوت كزمن انقضى ولم يعد موجودا ؟

 

من الناحية الفيزيائية ، الموسيقا تختفي , تنتهي , وسيمكننا أن نسترد الصوت بإعادة العزف , لكن لن تكون هي ذاتها , لن يكون الصوت ذاته , سيكون النهر ذاته بمياه مختلفة , وهذا ما يعطي الموسيقا ذلك الإحساس بالأزلية , إنه في الوهم , عامل خلق الوهم بالموسيقا والصوت , أعتقد أن الثقافة الموسيقية ضعيفة جدا ، بل مفقودة فعليا , ومن المهم إيقاظ وعي الناس ..

 كيف تمت كتابة المقطوعة وما الذي ألهَمَ المؤلفَ لكتابتها ؟؟ لماذا يحتوي الصوت على كل هذه العاطفة وكيف نستمع ؟؟

الموسيقا هي الأقل معرفة من قبل الناس ..

في الثقافة العامة يهتم الإنسان المثقف بالفلسفة والأدب ، ويعرف الكثير في السينما والرسم , والنحت والمسرح , لكنه قد لا يعرف شيئا عن الموسيقا .. هناك أنواع من الجهل المتعلق بالموسيقا , ولهذا نرى مستمعين محافظين للغاية لا يريدون موسيقا جديدة , يريدون فقط ما علق في ذهنهم من قوالب الماضي أكثر مما يريدون الجديد ..

 قليل من الناس الذين يعرفون الموسيقا وقد جعلوها جزءا من حياتهم , علينا أن نخلق سُبُلا للاستمتاع وجعل الموسيقا سهلة المنال ..

 

س : هل يندرج هذا الكلام ضمن تقليعة إيجاد مريدين جدد لموسيقا مارسيل خليفة ؟

 

بالنسبة لي لم أرغب في أن يكون لي أتباعٌ في العزف والغناء والتدريب والكتابة , فيما هناك أشخاص يطمحون جدا لتربية أتباع لهم , أحب أن يعلن الشخص عن استقلاليته وأن يسلك طريقه الخاص .. مثال على ذلك بشار ورامي ..

لا أحبُّ طريقة محددة حتى لو كنتُ مَن استنبطها , تمارين ومقطوعات كثيرة كتبتها وطبعتها للآلات الموسيقية العربية لطلاب المعاهد الموسيقية حاولت جاهدا أن أوقظ فضول الطلاب وأن أعطي الوسيلة التي تساعد على تطوير الفضول , لم أحب العزف الميكانيكي , ولا أحب الذي يعزف المُدَوَّنَ بشكل مثالي ودون أي نوع من الذاتية , أكتب متحررا من كل شيء , وعندما يصبح لديك ما تقوله حقيقة , سوف تثير ـ بالتأكيد ـ الإعجابَ لدى البعض والرفضَ لدى البعض الآخر.

 

س : أفهم من كلامك أن ثمة حدودًا بين ما تكتبه على الورق وما يقوم عازفو الأوركسترا بأدائه على المسرح؟

 

إذا نظرنا إلى أوركسترا تحتل خشبة المسرح لا نستطيع إعطاء اسم لأي نوع من وجوه العازفين على الرغم من أن الجميع يستحق التقدير والإعجاب بالدرجة نفسها كما كل العازفين البارعين الذين فضلوا المجد الفردي على الذوبان الرائع في الأوركسترا ..

العازفون يرسمون بآلاتهم الموسيقية الألوان المحددة من المؤلف , الأوركسترا لوحة تتضمن كل ما يؤلف اللوحة من خليط الألوان , ومن ريشة الفنان ومن ذلك الانفعال الذي يولد التفاصيل , هنالك نوع من الجمود وانعدام الحياة في ما يوجد على الورق , ولكن العازف يقرأ النص ، والنص يصبح مستقلا عن المؤلف , وكي يعزف النص يجب استيعاب العملية التي أدت إلى وجود هذه النوتات على الورق , فهي مرتبطة بسلسلة من الأحاسيس الغريزية وبسلسلة من التخمينات في الأسلوب, وفي إعادة إنتاج الصوت بحيث يجذب الانتباه بالجديد , وإعطاء دفع أو شكل جديد في كل مرة تعزف فيها المقطوعة ..

 

س : برأيك كيف يستطيع الناقد الموسيقي مجاراة هذه الموسيقا .. الزمن التي تكتبها بشكل مختلف في كل مرة توزع فيها أوراق النوتة على العازفين؟

 

أعتقد بأن النقد الصحيح هو جزء من الجمهور..

الناقد الموسيقي الذي يضع نفسه في مكان المستمع ، يستطيع تقنيا ، تحديد مصدر رأيه متسلحا بالتجربة المقارنة التي كوّنها على إثر عمليات سماع متتابعة .. هذا إذا اعتمد على علم الموسيقا وتحصّن أكاديميا , إضافة إلى ذلك : إن الناقد عليه في الوقت نفسه أن يحمل في شخصيته شخصية الفنان مؤلفا كان أو مؤديا , فهو سيضع رجلا في كل جهة , أما معطياته فتكون مرتبطة بين الأسباب والنتائج , فهي تحفظ الزائد في اتجاه وتوقفه في الاتجاه الآخر , حتى لو تلعثمت كلماته فإن الناقد يستطيع المحافظة على وزن وقيمةٍ إذا كانت الحجج التي يقدمها تملك هذا الوزن , عندما يقدم الصحافي تقريرا عن حفل ، يرتدي بزة الحاكم العام , يطرح اتهامات أحيانا , يخلي الحاكم العام المكان للمحامي , بالطبع إن أداء أو تأليف عمل لا يمكن أن يرضي كل الناس , إن الناقد الموسيقي لا يترك أي تفصيل يمكن أن يثير الانتباه , فهو عند وضع تقرير عن حفل موسيقي يلجأ إلى وصف الأوركسترا مفصلا .. كل عازف على حدة , مشيرًا إلى قيمة عازفين معينين موجها ملامة إلى البعض الآخر ..

 عند قراءة نقد فني جدي عن عازف ، نستنتج أن النص يضيء لعب المؤدي , فهو يحدد إحساس مخيلة المستمع ..

لأنك ربما استطعت إدراك كل ما أرادت مخيلة ذلك العازف أن تتعاطى مع الموضوع , هذا يؤكد جدية العلاقة , يدعم قناعاتك ويشرع انطباعك .. العازف يوصل إليك إحساسا ، والناقد الموسيقي يشرح لك صحة هذا الإحساس ..

 وهنا ينفذ الناقد مهمته ويظهر عن إفادته ..

 

س : كيف تقيِّم اليوم ما يكتب من قراءات نقدية موسيقية ؟

 

الكتابات النقدية هي حتما مقروءة بغثـِّها وسمينها , وإلا لكانت غابت عن الصحف .. إن الناقد الصحيح عليه معرفة تحديد مكامن الأشياء التي تعطي القيمة الحقيقية لحفل ما , لعمل موسيقي ما , أو الأشياء التي تقلل من تلك القيمة .. عندما يبدأ أحد النقاد بتوجيه ضربات إلى الموسيقيين ، فهم يعرفون تماما إذا كان مخطئا أم لا ..

لا أعتقد بأن العدوانية تشكل الطريقة الأحسن في إقناع الموسيقيين بأنهم قصروا في مهمتهم ..

 إن الاتهام يساهم في رص صفوف الموسيقيين الحقيقيين الذين يدفعون الناقد إلى قفصه وحيدا , بالقرب من النقاد وأحيانا ، مختلطين .. في صفوفهم يوجد المعلقون العالمون بالموسيقا والمحللون , المنغمسون سلاحًا وعدّة في الغابات المظلمة للمغامرة التحليلية .. للأسف إن أدوات لغتهم تنغلق عليهم , وبالتالي لا تستطيع اللحاق بهم إلا برادار الحدس ..

 

س : هذا يعني أن هناك تغيرات جديدة في الموسيقا العربية المعاصرة ، على النقد أن يضعها في سياقاتها النظرية ؟

 

صار للموسيقا العربية الآن أن تحتفي بالمنحى التعبيري الذي تجتازه .. لم تعد الصورة ولا الإيقاع ولا الجملة ذاتها .. الأمور تجري كما يحلو, ولم تعد لدينا رغبة في معرفة مستقبلنا بالوضوح الحديدي الذي تسلح به المحافظون , إنه وضوح يضاهي قيدا لا يرحم , وليكن من حق الآخرين ، المحافظين أن يسموا هذا خرابا ..

فربما حَلا لنا ذلك أيضا ..

وهكذا عندما أصدرتُ أسطوانتي الأولى قالوا بأني أخرب الموسيقا العربية ولم يكن أحد يملك حق منعي عن ذلك , لا يجوز أن نتوقف أمام الاعتراضات الهستيرية التي تنتاب بعضهم وهم ينظرون إلى المشهد الموسيقي يشطح خارجا عن صورته القديمة بما لا يقاس من التنوع ..

ولا أحد يملك سلطة المصادرة .. وليس عندنا الوقت أن نشتغل بمهمة إقناع أولئك بأن ما يحدث هو من طبيعة الأشياء ..

إنها تجربتنا الأخيرة بعد مصادرة كل شيء بلا استثناء ..

إذ ليست لدينا مخيلة وأحلام مكبوتة .. الأسلاف صاغوا حياتهم وطريقة عملهم كما يحبون ويستريحون , وكل ذلك حقهم ، وينبغي الآن من المبعوثين أن يكفوا عن محاولة إثارة الضجيج حول ما أنجزه الأسلاف .. ثم ، لماذا كل هذا الضجيج لتكريس الجذور والسكوت عن حرية الأجنحة ؟؟

ليس أمام التجارب الجديدة إلا أن تذهب إلى حدّها الأقصى بموهبة ومعرفة .. الإبداع توغل في غموض ما لا يعرف , فالمعروف هو ما تم اكتشافه وصار ناجزا و مستقرا , وشرط نجاح التجارب الجديدة أن تخرج عن الطوق والطريقة معا , وتصدر من الحياة الأكثر تأججا واتصالا بالمستقبل ..

 

س : بعد عودتك اليوم من باريس إلى عمشيت ، أية موسيقا تلك التي تبحث عنها في المكان الأول ؟

وما الذي تغير في داخلك ؟

ما الذي يفصلك اليوم عن ذلك الطفل الذي كان يعزف على كراسي الخيزران ؟؟

 

عندما كنت صغيرا ، لم أدرك أن الكبار كانوا صغارا مثلنا .. ذات يوم كنت أعتقد بأنهم خلقوا كبارا ، ولم تكن لهم طفولة ذات يوم .. كانوا يوهموننا بأنهم يعرفون كل شيء .. يسرقون منا طفولتنا المنذورة للرحيل المبكر ، لندخل في عالمهم المفضي إلى العدم , لماذا يدفعوننا لنخسر طفولتنا ونـُقحَمَ في عالم لا نفهمه ولا نفقه كنهه ولا سِرَّهُ ؟

كنا أطفالا منذورين للعب والضحك والمطر والشمس .. وكانت الأرض تهرب من تحت أقدامنا كالرياح العاتية تقصف في دربها كل شيء .. كنا كالسيل العارم نجرف بدربنا معالم الحقول والهضاب ونرميها في تلك الوديان السحيقة , وكان يأخذنا الدَّهَشُ من كل شيء .. نجلس على أكوام القش في الحقول .. نراقب العصافير تحوم على الحبوب المنثورة , فتختلط رائحتنا برائحة الزعتر والنعناع .. وفي الليل كانت أجسادنا تغتسل بضوء القمر الفضي على إيقاع البحر ونظامه ، حيث كنا نغافل أهلنا المشغولين ، ونسرح مع الصيادين في ليل أعمى لا نرى فيه شيئا , لكنه كان ينتعش بالسَّهِّيرة , وكانت الأمواج الصغيرة تحملنا وتلفنا بالزبد , ولم نكن نتوب عن ركوب الأمواج ..

 الزمن قاس يراقبنا يداهمنا , لكننا كنا نتحين الفرص لنسابقه ، لنستعجله ، وهو يتباطأ كي لا نراه ، إلى أن غافـَلـَنا ..

فبدأنا نستمهله وهو يجدُّ السير بنا ..

 أتذكر .. كان جدي يحفر ، يقلـِّم ، يسقي ، ينتزع أوراقا ، أو يقطف الورود .. والطفل الذي كنته تتحفر الأشياء في ذهنه ..

في شهر شباط ، كان يُطعِّم التفاح والأجاص .. وفي شهر نيسان ، تتفتح الورود والبنفسج بين يديه , ويزرع الأكي دنيا والعرايش .. وفي شهر أيار ، يكتسي الزيتون بالزهر ويسقط الخوخ والمشمش والخيار في يديه .. وفي الصيف ، يبدأ بالحصاد ودرس الحبوب .. وفي شهر آب ، ينضج العنب والبطيخ .. وفي شهر أيلول ، الجوز وثمار البلوط وقطاف العنب والرمان والسفرجل والزيتون .. وفي تشرين ، تسقط أوراق الشجر .. وفي كانون ، تعود الأمطار التي تغذي الأرض ، ويعود ويزرع البصل والثوم ..

 

رحل جدي يوسف ، ورحلت معه تلك العصافير التي كانت تزين حقول عمشيت ، ونبتت بنايات عشوائية أكلت الأخضر واليابس وصار مُلوَّنـًا ، بلدي الأخضر ..

 

س : تتحدث وكأنك تعيش حالة من الفقد غير المنتهي , ما الذي تغير اليوم ؟

وما هي التغييرات التي أعادتك إلى عمشيت بعد كل هذا الزمن ؟

أية نوستالجيا تلك التي تبرم الموسيقا مع الأمكنة الأولى؟

 

أستطيع قياس حجم التغييرات الداخلية والعاطفية والنفسية التي طرأت على حياتي ، يوم رحلت أمي الصغيرة .. حيث أدركتُ ما الذي يعنيه هذا الغياب !! وأدركت أنها لن تعود .. فارتميت في حضن جدتي وبكيت .. لقد كان موت أمي من أكثر المناطق إيلاما في ذاكرتي ..

باكرا يومها غنت العصافير الصغيرة وحيدة ، والتفت على صباحي بشدوها المتعرج بليلي العميق .. لقد قاومتُ ذلك الغيابَ الصاعقَ لأمي ، حيث كان ينبت من بين يديها الحَبَق والريحان على مصطبةٍ تمتد من خطاها كسهلةٍ صغيرةٍ في أحواض ممتلئة بالتراب والحياة .. صمتي اليوم مُرَصَّعٌ بالأمل .. أفتح مسارب الهواء من أجل أقدام الصباح المشغولة بالوصول إلى الهدف ، لتختفي وتتلاشى على الأزرق في موجة آتية من بعيد .. لتتكسر على الصخور .. ألاحقها ، وهي تتعب عند بلوغها الشاطئ ، لترتاح عند أقدام اليابسة .. وفي الطريق على بحر عمشيت ، قطط تنزلق هائجة مائجة على صراخ الشهوة .. أعود إلى حي العربة , إلى بيتنا العمشيتي ، وشمسٌ حارقة تدخل من النافذة , إنها الرابعة بعد الظهر, تزحف على قدميّ , على السجادة الحمراء , وتلعق الأوراق أمامي , كنت عندما أدخل غرفة الطريق في هذا البيت العتيق أتأمل روح أمي المتألقة الناهضة إلى الأعالي , لم يكن سهلا أن تفقد عناقاتِ واحتضاناتِ أمٍّ إلى الأبد .. أتت مثل البرق في حياتي وتركت أثرا شفيفا أحمله .. رحلت أمي وتركت أحلامها تغمر قلبي بنعاس لذيذ , تجلس إلى جانبي , تأخذ يدي , تقبل وجهي بدمع ابتسامتها .. كيف حَدَثَ ، يا بُنيَّ ، وَبَيَّضَ كلُّ هذا الشيبِ لِحْيتـَك ؟؟!!

كيف يمكن أن يشيخ المرء بهذه السهولة , وأنت طفل في حضن أمك ؟ الحب هو الذهول ، هو الجنون .. إنه مثل النهر .. المجرى هو الذي يبدأ وينتهي وليس الماء ..

 طرف الشال الأزرق الذي غطى وجهي ولامس عيني من النور المفرط والأبيض الحاد والجارح ، أبكاني من زهوه ..

 

س : ولكنكَ عبَّرتَ عن هذه العلاقة بطريقة أو بأخرى عبر قصائد درويش : إلى أمٍّ لا ينتهي الحنين إليها ؟؟

 

ربما لن يفهم أحدٌ علاقة أمٍّ بابنها ولن يبررها ..

 وأنا لا أتطلع إلى مثل هذا الفهم .. قلائل أولئك البشر الذين يفهمون ما لا يشعرون به ..

أجهل متى بدأت العلاقة وسأبقى أجهل ذلك , فليس الحب إلا تعرُّفُ الذات على ذاتها ، كي يخرجها من المصادفة إلى الوجود ..

 عندما كنت صغيرا ، لم أكن أدرك أن الكبار كانوا صغارا مثلنا ـ كما قلت لك ـ كنت أعتقد بأنهم خلقوا كبارا ، ولم يكن لهم طفولة ذات يوم ..

ونبتعد عن تلك الطفولة المنذورة للرحيل المبكر , وندخل في عالم الكبار المفضي إلى العدم , أحس اليوم وأنا أتذكر أمي أن كل شيء في هذه الدنيا يعيش لمرة واحدة .. البارحة كان نهارا واحدا وانتهى , لن نكرره , وسيأتي يوم آخر .. وكلما التقينا عرفت أننا سنلتقي لمرة واحدة قد لا تكون الأخيرة ، ولكن لن يكون مثلها .. زهور الحديقة تتفتح مرة واحدة , عندما تذبل لا تعود من جديد ، بل تأتي زهور أخرى ..

 

س : ألم ترتبْ لكَ الموسيقا ذلك الحنين ؟

ألم تأخذك إلى قراءة المكان الأول كنصٍّ موسيقي لا متناه في لغويته ومتخيله ؟

 

المزيد


وحدن بيبقوا متل زهر البيلسان

سبتمبر 17th, 2010 كتبها y m نشر في , منقول

 

كاتب هذه القصيدة هو الشاعر اللبناني طلال حيدر .. وغنتها السيدة فيروز تحت اسم  ( وحدن ) ..

 
قصة القصيدة :
 
كان الشاعر طلال حيدريشرب فنجانيْ قهوته ، الصباحي والمسائي ، على شرفة منزله المطلة على غابة تقع على مقربة من منزله ,,
 
مرت فترة من الزمن عندما كان طلال حيدر يشرب قهوته الصباحية ، ويلاحظ دخول ثلاثة شبان إلى الغابة في الصباح ، ويخرجون في المساء ..
ومع مرور الزمن أخذ هؤلاء الشبان الثلاثة يلقون التحية على طلال حيدر في الصباح عند دخولهم إلى الغابة وكذلك في المساء ..
 
وهنا اعتاد الشاعر أن يرى هؤلاء الشبان كل يوم وهو يتساءل :
ماذا يفعل هؤلاء الشبان داخل الغابة من الصباح إلى المساء ؟؟!!
 
إلى أن أتى اليوم الذي ألقى فيه الشبان التحية على طلال حيدر في الصباح ودخلوا إلى الغابة .. وفي المساء خرج طلال حيدر ليشرب قهوته ، لكنه لم ير الشبان يخرجون كعادتهم كل يوم ..
فانتظرهم طويلا ، لكنهم لم يخرجوا ، فقلق طلال حيدر إلى أن وصله خبر يقول : إن هناك ثلاثة شبان فلسطينيين قاموا بعمليه فدائية وسط إسرائيل .. وعندما شاهد صور الشبان الثلاثة فوجئ بأن الشبان الذين استشهدوا هم أنفسهم الشبان الذين اعتاد أن يتلقى التحية منهم في الصباح والمساء ..
 
فكتب قصيدته  :
 
" وحدن بيبقوا متل زهر البيلسان بيسكروا الغابي بيضلهم متل الشتي يدقوا على بوابي "
 
وحدن بيبقوا متل زهر البيلسان..
 
غناء السيدة فير

المزيد


كلمات مبعثرة ـ الدكتور عبد الكريم الأشتر

يونيو 24th, 2010 كتبها y m نشر في , أدب وثقافة, أقوال مأثورة, منقول, منوعات

 

·      أشد التعبّد حرارة : التعبّد للذات ..

·      أهون الاختيارات أن يقف الإنسان أمام قبلتين : واحدة إلى الله ، وواحدة إلى المصلحة ..

·      معهر الحقيقة : المال ، والجاه ..

·      أكثر الحيوانات أذىً : الإنسان ..

·      أيهما أقرب إلى صاحبه : الشعار المرفوع ؟ أم الشعار المطوي ؟ ..

·      أكثر ما نتمناه في مذيعاتنا على الشاشة الصغيرة : أن تنسى الواحدة منهن مكانها ..

·      للعدل الإلهي ، ساحاتٌ منظورة ، وساحاتٌ غير منظورة ..

·      أكذب ما في الإنسان : اللسان ..

·      لبعض الناس خراطيم استشعار ، ولبعضهم صدفات حماية ..

·      أصل الأظافر : لحمٌ ودمٌ ..

·      للسرقة مراتب : أصغرها : السطو على جيوب الناس ..

·      الناس ، كأسنان المشط .. المنحني ..

·      أمَرُّ الحزن ، يكون في بعض البسمات ..

·      أكبر الناس منْ كبر على القرب ، وأصغرهم منْ كبر على البعد ..

·      صلة الفكر أعمر من صلة الدم ، إلا في عالم الحيوان ..

·      أقرب الطرق إلى القلب ، أخفاها عن العين ..

·      الكذب أصعب من الصدق ..

·      بعض الحقائق لا تصح إلا معكوسة ، على مثال قولهم : العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة .. والسنابل الممتلئة هي وحدها التي تحني رأسها ..

·      يتحدثون كثيرا عن الديمقراطية ، ولكنهم لا يتحدثون عن العدل أبدا ..

·      الساكت عن الحق شيطان أخرس ، فمن يكون الساكت عن الباطل ..

·      للرشوة أسماء مترادفة ، أوضحها أخفاها ..

·      أصدق الحديث ما نطقتْ به العينان ..

·      أجمل ما في المرأة ، ما تغفل عن إظهاره ..

·      الحقيقة المتحجبة أكثر إثارة من الحقيقة العارية ، مثل الجمال والخير ..

·      أيهما أبقى : الكلمات التي تطير ،أم الكلمات التي تزحف ؟؟

·      الحب ، كبعض الزهور البرية : إذا ارتوى ، ذبل ..

·      حقائق الحياة الكبرى واحدة في عالم الإنسان والحيوان والنبات والجماد ..

·     

المزيد


أربعة .. أربع

يونيو 24th, 2010 كتبها y m نشر في , أدب وثقافة, أقوال مأثورة, منقول

·      أربعة يسُود بها المرء : الأدب والعلم والعِفّة والأمانة ..

·      أربعة ينبغي للعاقل أن يمنعَ نفسَه منها : العَجَلة واللجاجة والُعُجْبُ والتواني ..

·      أربع لا بقاء لها : مودّة الأشرار ، والبيت الذي ليس فيه تقدير ، والمال الحرام ، والكسب الذي ليس له تدبير ..

·      أربع إذا كنّ في الرجل أهلكنَه : محبة النساء ، والقمار ، والصيد ، والخمر ..

·      أربعة لا تُدْرَكُ بأربع : الشباب بالخِضاب ، والغِنى بالمنى ، والبقاء بالدواء ، والصحة بالحِمْية ..

·     

المزيد


اعترافات نزار قباني

يونيو 19th, 2010 كتبها y m نشر في , منقول

ـ أنا الناطق الرسمي بلسان الشعب العربي ..

ـ الحب : جرثومة صغيرة تجعلنا أكثر نضارة وعافية ..

ـ لولا المرأة لكان العالم صورة بالأبيض والأسود ..

ـ الزعماء الكبار ، لا يمكن توليدهم على طريقة أطفال الأنابيب ..

ـ الشعر ، كالاستقلال .. يُؤخذ ولا يُعطى ..

عبد الحليم حافظ ، هو بين المطربين شاعرهم ، وبين الشعراء ، مطربهم .. ولا أدري لماذا أشعر أن هذا الرجل شاركني في كتابة قصائدي ، كما شاركته أنا في غناء شعري ..

اختلطتْ حدودي وحدوده ، حتى صار هو الشاعر ، وصرتُ أنا المغني ..

ـ أعظم ما في عبد الحليم ، أنه كان مثلي ، باحثا عن الغريب والمدهش واللامألوف .. كنتُ أنا أحلم بإحداث انقلاب في جسد الأغنية ، وكان هو يحلم بإحداث انقلاب في جسد الأغنية ، وهكذا تلاقى فكري الانقلابي بفكره ..

ـ بشكل عام ، أنا مدين لشعري المُغنّى كثيرا ، لأن الشعب العربي لا يقرأ بعينيه ، كما بقية الشعوب ، ولكنه يقرأ بأذنيه ..

ـ نحن معجونون بالمرأة ، ومختلطون بها عضويا وكيميائيا .. ومهما ادعينا الذكورة ، فإننا مرتبطون بها بواسطة حبل المشيمة منذ ميلادنا حتى موتنا .. والرجل الذي يقول إنه قطع حبل مشيمته وانفصل نهائيا عن المرأة ، يتحول إلى شجرة يابسة بلا جذور ولا أوراق ولا رائحة ..

ـ المرأة : مجموعة من الأسئلة والفوازير ، يقضي الرجل طول حياته ، وهو يحاول حلها ، ومتى توصَّلَ إلى الحل ، سقط ميتا ..

المزيد


أدونيس ـ مقتطفات من حواره مع عبده وازن في جريدة الحياة

يونيو 15th, 2010 كتبها y m نشر في , منقول

أدونيس

مقتطفات من حواره مع عبده وازن

في جريدة الحياة

 

قد لا يحتاج هذا الحوار مع الشاعر أدونيس إلى مقدمة، فالشاعر يقدّم نفسه هنا، كما لم يفعل من قبل، في حواراته الكثيرة التي أجراها سابقا. إنها المرة الأولى يفتح أدونيس دفاتره التي طالما أخفاها، متحدثا عن أشخاص دخلوا حياته أو عبروها وكان لهم أثر فيه، إيجابي حينا وسلبي حينا آخر. وفرادة هذا الحوار في كونه ينطلق من كلام أدونيس على هؤلاء الأشخاص الذين نكتشف من خلالهم وجها آخر لهذا الشاعر الكبير، وزوايا لعلها تكشف للمرة الأولى. إنه أدونيس ولكن عبر الآخر، الذي هو الصديق أو الأب أو الخصم، وعبر علاقات تراوحت بين الصداقة والمحبة والجفاء والخصومة في أحيان، وعبر قضايا وشؤون كثيرا ما أثارت شغف قراء الشاعر وحفيظتهم.

أشخاص يتحدث عنهم أدونيس بحرية وجرأة، غير متهيب أي عاقبة أو رد فعل. إنها سيرته ومساره يستعيدهما عبر هؤلاء الأشخاص، القريبين والبعيدين على السواء، هؤلاء الأشخاص الذين صنعوا جغرافيته الحميمة وفضاءه الحيّ وأفقه الشعري والفكري.

الحوار مع أدونيس حوار فيه الكثير من المتعة.

هذا الشاعر الكبير الذي خضعت له مَلَكة الكلمة يجيد فن الحوار، حتى وإن كان أحيانا في موقع المساءلة. يتحدث بعفوية وطلاقة تخفيان في صميمهما الكثير من البداهة والثقافة العالية والمعرفة والخبرة والمراس الصعب. فهذا الشاعر لم يبق ممكنا حصره داخل تخوم الشعر والقصيدة، فهو مفكر أيضا، صديق الفلسفة، ومثقف ذو هموم متعددة، يسائل ويشك ويثور ويتمرّد… ولا يهادن.

هذا الشاعر الذي يختصر عصرا بكامله، بأسئلته الشائكة وشواغله وأزماته وتحولاته، هو ظاهرة نادرا ما شهدت الثقافة العربية والأدب العربي ما يماثلها. ظاهرة يلتقي فيها الشعر والفكر والنقد والشك الذي هو اليقين بعينه.

 

> كيف تنظر إلى والدتك، خصوصا أنها لا تزال على قيد الحياة. هل كان لها حضور في حياتك؟

- الأمّ في المجتمع العربي هي في مرتبة «الظل»، بالنسبة إلى الأب الذي هو دائما في مرتبة «الضوء».كانت أمي، بالنسبة إليّ، كمثل الطبيعة، أرتبط بها لا بالولادة وحدها، بل بالهواء والفضاء. هي نفسها طبيعة، خصوصا أنها لا تقرأ ولا تكتب. مظهر ناطق من الطبيعة. شجرةٌ من نوع آخر. أو نبعٌ يتكلم.

كنت في الثالثة عشرة من عمري عندما تركت البيت وانفصلت عنها. لم أعد أراها إلا قليلا في العُطَل المدرسية. حتى في طفولتي كان أبي هو الذي يدير شؤون «ثقافتي» أو «تربيتي العقلية»، وكانت أمي هي التي تدير شؤون الحياة اليومية. هي في حياتي، منذ البدأية، جزءٌ من «الطبيعة»، لا من «الثقافة». تصبح جزءا من «الثقافة» عندما تبلغ مرحلة الشيخوخة، وهذا ما أكتشفه اليوم. شيخوخة الأم في المجتمع العربي، القائم على ثقافة الأب، مشكلة ثقافية واجتماعية معا. وعندما يحدث أن يموت الأب باكرا، وتبقى الأم بعده فتيّة، كما حدث لأمّي، فذلك يطرح مشكلات إضافية كثيرة ومعقدة. مثلا، أين تسكن الأم؟ وحدَها، وكيف؟ في بيت أحد أبنائها المتزوّجين وله أولاد، وكيف؟ وقد لا تطيق زوجته أو قد لا تطيقها زوجته. وقد يكون لهما أولاد لا يفقهون معنى أن تعيش جدتهم معهم في بيت واحد، وينظرون إليها بوصفها «زائدة» أو في غير مكانها. والأمومة، في حالة الشيخوخة، تتغير هي نفسها. يزداد فيها حسّ التفرّد، وحس التملّك، وحس الحضور.

ثم، من جهتي، لا أستطيع أن أتصوّر ابنا يضع أمه في مأوى للعجزة. لكن، من ناحية ثانية، كيف يوفّر لها في بيته العناية اللازمة، الكاملة التي تفرضها الشيخوخة ومتطلباتها؟ ثم، كيف يمكن التوفيق، عبر الأمومة، بين الطبيعة التي هي، غالبا، «ثقافة» الأم، و «الثقافة» التي هي غالبا «طبيعة» أبنائها وأحفادها؟ هناك مشكلات أخرى نفسية، وحياتية عملية. وهي كلها مهمّشة أو مكبوتة. في كل حال، هناك قضية أساسية تتمثل في شيخوخة الأم وعجزها، يجب أن تطرح على مستوى المجتمع، وأن تطرح وتُواجَه وتُحلّ بوصفها قضية ثقافية – اجتماعية.

> أشعر أنك تتكلّم عن الأم كفكرة أكثر مما تتكلم عنها ككائن، وعن أثرها العاطفي والوجداني فيك كشخص. هل تركت أثرا؟ ألم تكتب قصيدة عن أمك؟

- الأم مبثوثة في الكتابة، بالنسبة إليّ، كمثل الهواء والشمس والماء. ذائبة في حياتي وفكري. ليست كائنا مفردا، مستقلا، منفصلا، كأنّه شيء أو موضوعٌ خارجي. هكذا لم أكتب عنها بالاسم، وإنما أشرت إليها. لا أقدر أن أحوّلها إلى موضوع «إنشاء» مدرسي، كالربيع والخريف، أو الوطن، أو غيرها. ولا أعرف كيف يمكن لشاعر أن يكتب عن الأم، بوصفها «موضوعا» أو «شيئا»، يُناجيه، ويصفه، ويمتدحه، أو يعدّد مآثره وعلاقاته بها.

> وما رأيك بما قاله محمود درويش على سبيل المثال، أخجل من دمع أمي، أو أحنّ إلى خبز أمي؟ ألا يترك هذا أثرا وجدانيا فيك؟

- تقصد شعريا؟ هذا البكاء الشعري، بالأحرى يضحكني.

> هل عَنتْْ لك الأمُّ شيئًا كامرأة؟

- أيضا هذه من المشكلات الثقافية – الاجتماعية: وضعُ امرأة يموت زوجها وهي في عزّ صباها كما يقال لا تتزوج، وتنذر حياتها لأبنائها وهي في أوج تألقها وجمالها. أمي للمناسبة، امرأة جميلة. وهذا لم يخطر لي حينما مات الأب. لكن بعد هذه المسافة الطويلة الآن أستعيده وأفكر فيه كجزء من طفولتي. وأنا لم أعرف الطفولة كما عرفها الأطفال غير الفقراء. منذ طفولتي في الخامسة أو السادسة من  عمري كنت جزءا من الحقل ومن الشجر والعمل مع الفلاحين. ما يسمى بفترة الطفولة هي بالنسبة إلي فترة اندماج في الحياة وفي العمل. ولذلك الآن كما أتذكر علاقتي بأمي، أتذكر طفولتي. أعتقد هذه أشياء ترتبط بحياة الريفيين البعيدين عن المدينة. المدينة ابتكار إنسانيٌّ عظيم، لكن نحن أبناء الريف لم نعرفه إلا متأخرين جدا. لذلك الأمور عندنا مختلفة. هناك فرق كبير بين حياة الريف وقيمه وحياة المدينة وقيمها. هناك فجوة يمكن أن تكون السبب في كون حياتي اليوم حتى سن العشرين نوعا من التذكر، نوعا من الاستعادة أكثر مما هي جزء مكوّن من حياتي أعيه وأستطيع أن أحلله أو أتأمل فيه.

> متى خرجتَ على ثقافة العائلة والبيئة والقرية؟

- بدأ هذا الخروج مع عملي في الحزب السوري القومي الاجتماعي. كان، وأعتقد أنه لا يزال حتى الآن، يمارس الحياة المدنية داخل صفوفه، وفي العلاقات ما بين أعضائه.

> من الشخص الأول الذي ربطك بالحزب؟

- لم أدخل الحزب بتبشير من شخص بعينه، وإنما دخلته، مصادفة، بفعل الحادثة التي أشرتُ إليها، وأعني طرد طُلاب ينتمون إليه، من المدرسة – اللاّئيك. غير أن المسؤول الذي تولى إدخالي رسميا كان الأستاذ إلياس جرجي قنيزح.

> هل تعرّفت إلى أنطون سعادة شخصيا؟

- قابلته مرتين. الأولى، عام 1947 كما أتذكر، في أثناء زيارته اللاذقية، أو 1948. كان ذلك في حفلة استقباله، وكنت في السابعة عشرة من عمري. ولعل قيادة الحزب هي التي شاءت أن أتعرّف إليه، لأنني كنت بدأت أبرز في الحركة الطلابية، لا شاعرا «قوميا»، فقط، بل ناشطا فعّالا، أيضا، في صفوف الطلاب. رجل ساحر: هذا هو انطباعي عنه في هذه المرة.

المرة الثانية، كانت في مكتبه في بيروت، عام 1948. المناسبة هي أنني فزت بجائزة «العروة الوثقى» الأولى، في مسابقة شعرية تدور حول موضوع «اليتيم». كان حلما، بالنسبة إليّ، أن آتيَ إلى بيروت. أن ألقي قصيدتي في قاعة «الوست هول» في الجامعة الأميركية، كما أخبرني المشرفون على الجائزة. وقد نَظّم مسؤولو الحزب في اللاذقية أمرَ مجيئي إلى بيروت، وكانوا مسرورين جدا. ونظّم لي مسؤولوه في بيروت أمر زيارة الزعيم، كما كنا نسمّيه، في مكتبه. هكذا، منذ وصولي إلى بيروت، وقبل ذهابي إلى الجامعة الأميركية، زرته، وبقيت معه فترة قصيرة، لم أعد أذكر شيئا مما قاله لي. أذكر أنني أصغيت إليه، مأخوذا به – بشخصه، وتواضعه، وبساطته، وحضوره المُدهش. ولم أكن قرأت من كتاباته إلا أشياء قليلة.

في الجامعة، أصرّ القوميون على أن ألقي القصيدة، واضعا شعار الزوبعة. لكن، عندما رآه أعضاء الرابطة، غضبوا ورفضوا أن ألقيها وأنا أضعه. وعندئذٍ حدثت شبه معركة بينهم وبين القوميين تدخل فيها رئيس الجامعة وقتذاك، الدكتور قسطنطين زريق. وحلّت المسألة بانتصار القوميين، ويبدو أنهم كانوا يشكّلون الأكثرية الفاعلة بين طلاب الجامعة. كانت معركة شكلية، يمكن تفاديها. منذ ذلك الحين، أخذت أقرأ أنطون سعادة، خصوصا كتاباته حول الأدب، مثلا كتابه المهم: «الصراع الفكري في الأدب السوري»، وقد أثّر فيّ كثيرا. في كل ما يتصل بالعلاقة بين الشعر والأسطورة، وبينه وبين القارئ. وكانت له في هذا الصدد مقولة بالغة الأهمية، وهي أن الشعر يجب أن يكونَ منارة لا مِرآة.

جذبني في الحزب، في تلك الفترة، الجانب المسلكي، النظريّ والعمليّ. فقد كان أعضاؤه يعيشون في ما بينهم مبادئهم في العلمانية، واللاطائفية، وحرية التديّن أو اللاتديّن، واحترام المرأة والنظر إليها بوصفها، كالرجل، حقوقا وحريات وواجبات. حتى أن بعض القوميين كانوا يتزوجون مدنيا، في ما بينهم، قبل أن يسجّلوا زواجهم، رسميا أو شرعيا. وزواجنا، خالدة وأنا، تمّ أولا في الحزب، ثم سجّلناه، طبقا لأعراف الزواج الرسمية. وجذبتني أيضا بعض الأفكار، كمثل موقف أنطون سعادة من العروبة، واللغة العربية. وكمثل رأيه في شخصية أو هوية المجتمع السوري، وفي النظر إلى ثقافة الغرب أو الحضارة الغربية.

> هل توضح هنا ما تقصد إليه؟

- مثلا، كان يقول، وهذا في صلب دستور الحزب، إن الأمة السورية أمة عربية، وإن الثقافة العربية جزءٌ أساسي ومكمّل للثقافات التي سبقتها في سورية: الكنعانية، الفينيقية، والبابلية – الأشورية، والسومرية… إلخ، وإن هذه الثقافات كلها تشكل وحدة لا تتجزأ. لكن، بما أن الثقافة العربية واللغة العربية آخر ما احتضنته سورية، فإن الثقافة السورية ثقافة عربية، ولغتها هي اللغة العربية. كان أنطون سعادة، للمناسبة، يعشق اللغة العربية. وقيل لي إنه كان يتحدث في البيت مع أطفاله باللغة الفصحى.

> هل لديكَ مثلٌ آخر؟

- نعرف جميعا أن هذه البلاد تتألّف بشريا من أقوامٍ متعددين في أصولهم وثقافاتهم. وردا على العِرْقية في النظر إلى الشعب، كما كان يقول دعاة القومية العربية، الذين نظّروا لها كأنها نوعٌ من العنصرية، ابتكر مفهوما جديدا هو «السلالة التاريخية»، قائلا إن الشعب السوري مزيج مركّب فريد من السريان والآشوريين والأكراد والأرمن والعرب وغيرهم، وأنهم تمازجوا عبر التاريخ بحيث يشكلون سلالة تاريخية واحدة، في ما وراء الأعراق. وهكذا يكون العرب جزءا لا كُلا. ويزول كذلك مفهوم الأقليات. ومن أجل ذلك قال بانتساب الشعب إلى الأرض التي يعيش عليها، لا إلى اللغة، ولا إلى الدين، ولا إلى العِرْق. فالناس الذين يسكنون في سورية هم شعبٌ سوري، لا فرق بين فرد أو آخر، وبين أصل عِرقيّ أو آخر. الوطن واحد، والشعب واحد. والمواطنية هي الأصل. لا الانتماء المذهبيّ أو العِرقي أو اللغوي. والمخجل أن بعض كتّاب اليسار لا يزالون يتّهمونه بالنازية.

> الشائع أنه هو الذي اختار لك اسم أدونيس…

- هذا خطأ. فأنا نفسي اخترت هذا الاسم. ولهذا الاختيار قصة رويتُها كثيرا، ولا أريد أن أكررها.

> كيف كانت علاقتك ببعض القوميين الكبار من أمثال فؤاد سليمان وغسان تويني؟

- كان لهما احترامٌ كبير عندي. لم أكن أجتمع بهما، غير أنني تتلمذت عليهما في أشياء كثيرة. أذكر أنني زرت فؤاد سليمان في مستشفى الجامعة الأميركية، في أواخر حياته. شعرت أنه فرح جدا بهذه الزيارة التي كانت الأخيرة. أما غسان تويني فقد توثقت علاقتي به، بعد أن تخلّى كلانا عن العمل الحزبي. عرفت كذلك سعيد تقي الدين، وكان إنسانا فريدا. ساعدني كثيرا في حياتي الأدبية، وهو الذي كتب مقدمة لقصيدة «قالت الأرض».

> مَن مِنَ القوميين أيضًا كان لهم حضورٌ في حياتك؟

- هشام شرابي. يوسف الخال، وكان قد ترك الحزب عندما التقيته في بيروت، في تشرين الأول (أكتوبر) 1956. محمد يوسف حمود، وكان شاعرا شديدَ الالتزام بالحزب. وكان هناك شعراء انفصلوا عن الحزب، قبل أن أعرفه، غير أنني قرأتهم وأَفَدْتُ منهم كثيرا، مثل سعيد عقل وصلاح لبكي.

> هل كان لديكَ موقفٌ نقدي معيّن من أنطون سعادة؟ هل حاولت أن تعيدَ قراءته، على ضوء العلوم الجديدة، والمعطيات السوسيولوجية الجديدة؟

- أبدا. الحقيقة أنني لم أنتقده، وإنما حاولت فهمه وتأويله، بطريقة خاصة، ومختلفة. مثلا، في ما يتعلق بآرائه في الأدب، وفي الدين، وفي الاقتصاد، وفي السياسة. لكن تأويلي هذا لم يكن يلاقي، غالبا، التأييد أو التحبيذ.

مرة، مثلا، كتبتُ افتتاحية في جريدة «البناء»، في أواخر الخمسينات، بعنوان: «يسارية الحزب القومي الاجتماعي»، فأحدثت ضجة، وغضب عليّ بعض قادة الحزب، مثل أسد الأشقر، وإنعام رعد. والغريبُ أنهما، بعد فترة، أخذ كلاهما يتحدث عن يسارية الحزب، ويبشّر بها، ويدافع عنها. مقابل ذلك، كنت أنتقد كثيرا، وباستمرار، الممارسة الحزبية القيادية، وبخاصة، على الصعيدين السياسي والثقافي. وهو انتقادٌ أدّى في الأخير إلى أن أنفصل نهائيا عن العمل الحزبي، وعن الحزب. وصرت أنظر إلى أنطون سعادة، بوصفه مفكرا، وفي استقلال كامل عن الحزب الذي أنشأه وكنت عضوا فيه.

> هل شعرتَ بأنكَ أصبحتَ أكبرَ من أن تكون حزبيا؟

- لم أطرح بهذه الطريقة مسألة علاقتي بالحزب، خصوصا أنني كنت، طوال بقائي في الحزب، حرا في فكري وعملي.

> لم تشعرْ يوما أنك تنتمي إلى فكر أنطون سعادة؟

- لا يمكن أي عاقل يعمل لبناء مجتمع جديد، إلا أن يتبنى كثيرا من أفكار أنطون سعادة، في فصل الدين عن الدولة، والعلمانية، ووحدة المجتمع في سلالة تاريخية، وفي العلاقة بالآخر، وفي كثيرٍ من قضايا الأدب، والثقافة بعامة. أقول: يتبناها، لكن طبعا، منظورا إليها دائما في أفق التغيّر والصيرورة. هكذا لا أزال، شخصيا، أَسْتضيء بكثير من آرائه.

> كيف كانت علاقتك بخليل حاوي؟

- معقدة ومرتبكة. لكن، لم أقل عنه كلمة واحدة سيئة، خلافا لما كان يقوله عنّي بين أصدقائه وتلامذته.

> هل أثرت السياسة في هذه العلاقة، فهو كان قوميًا عربيًا على ما بدا؟

- على العكس، كان سوريا قوميا. وكان عضوا بارزا في الحزب. المسألة بيننا كانت شعرية. كنتُ، لسبب أو آخر، أكثر حظوة منه في صفوف الحزب، على الصعيد الشعري. ولهذا كان يغار مني كثيرا. ولم تنشأ بيننا علاقة صداقة.

> متى انقطعتْ علاقتكما؟

- لم تكن هذه العلاقة، منذ البداية، أكثر من علاقة تعارف. وأكرر أنني من جهتي، لم أقم بأي عمل يمكن أن يسيء إليه، شخصا أو شعرا. كنت حريصا جدا على احترام مكانه ومكانته.

> كيف تستعيدُ صورة خليل حاوي الآن، بعد هذا الزمن، وهل تقرأه؟

- لا أقرأه. كما أنني لا أقرأ الشعراء الذين جايلتهم. غير أنني أرى في شعره أمرين مهمين: الأول، هو أنه كسر اللغة الشعرية المتأنقة الزخرفية القائمة بذاتها والتي تتمثل، أساسيا، في شعر سعيد عقل. وهو في ذلك يتابع شعر إلياس أبي شبكة. الثاني، هو أن الشعر عنده قائمٌ جوهريا على رؤية للإنسان والعالم، لا انفصال فيها بين الشعر والفكر. هكذا أحترم تجربة خليل حاوي، وإن كنت لا أتذوق شعريتها، جماليا.

> لكنّه تحوّل إلى القومية العربية؟

- لا أظن. لا أرى في كتاباته انعطافا نوعيا يفصله عن رؤية أنطون سعادة الثقافية. وهذا لا يعني أنه لم يتعاطَف سياسيا مع القضايا العربية.

> هل هذا ينطبق عليك؟ أصلا، أنتَ كنتَ خارجًا من الأساس لأنك اشتغلتَ كثيرًا على التراث العربي.

- قد نكون متفقين في ما يتعلق بالأمرين اللذين أشرتُ إليهما، على المستوى النظري. غير أن الشعر، كما تعرف، يفلت أخيرا حتى من النظرية التي يُكتَب باسمها، أو يصدر عنها. والأساس إذا في نقد الشعر أو تذوّقه لا يُلتمس في اتجاه الشاعر أو في النظرية التي يقول بها، وإنما يُلتمَسُ في نسيج الشعر ذاته، في طريقة تعبيره، وفي بنيته اللغوية – الجمالية. وفي هذا نحن مختلفان.

> ماذا باتت تعني لك القومية، السورية أو العربية أو غيرهما في زمن العولمة؟ لقد فقدت القومية في العصر الراهن مسوّغاتها، حتى بات الانتماء القومي أشبه بالتهمة؟

- لا أظن أن الانتماء القومي انتهى، أو سينتهي. ربما يحصل ذلك عند أفراد. لكن، أستبعد ذلك  عند الشعوب.

في ما يتعلق بي صرتُ بعيدًا جدًا عن النظر إلى القومية نظرة أيديولوجية سياسية. لكن الانتماء إلى لغة وشعب وثقافة شيء آخر، وهو أمرٌ مفروض بحكم الطبيعة والواقع.

> هل يمكن القول إن أنطون سعادة صار من التراث؟

- هو من التراث، بالمعنى الإيجابي العميق. وهو لذلك، لا يزال حاضرا، وحيّا. لكن، بوصفه مفكّرا ورائيا، لا بوصفه مؤسسة حزبية.

> إلى أيٍّ من شعراء الحزب السوري القومي، كنتَ تميل؟

- نشأ في الحزب شعراء كثيرون. بعضهم لم أعرفهم إلا بشعرهم. أشرت إلى بعضهم ممن سبقوني، وتعلّمت منهم كثيرا. وبعضهم من جيلي. وبعضهم من جيل لاحق. أحببت شعر محمد الماغوط، وسنية صالح، وكمال خير بك، وأورخان ميسّر، تمثيلا لا حصرا.

> الشاعر السوري بدوي الجبل، كيف كانت علاقتك به؟

- علاقة إعجاب، من جهتي. أما من جهته هو، فلم يكن مرتاحا إلى اتجاهَي الحديث في الشعر. ولا أعرف إن كنت تعرف أنه قريبي. فهو ابن خال أمي، عائليا.

> بدوي الجبل، ترك فيك أثرا؟

- ربما. وقد يكون أثره فيَّ أكيدا. غير أنني لا أعي ذلك، ولا أعرفُ أن أدلّ عليه. بدوي الجبل هو بالنسبة إليّ، آخر شاعر كلاسيكي عربي كبير.

> كيف كانت علاقتك مع سعيد عقل الذي كتب، كما يقال، نشيد الحزب القومي؟ وكيف تنظر الآن إلى شعره؟ في أي موقع تضعه، هو الشاعر الطالع من صميم اللغة العربية. وما رأيك في دعوته إلى القومية اللبنانية وإلى الكتابة بالحرف اللاتيني؟

- لم تكن علاقتي بسعيد عقل الشخص، جيدة. مع أنني رأيته أكثر من مرة. غير أنني أفدت من لغته الشعرية في سنواتي الكتابية الأولى. كانت امتدادا متألقا للغة شاعرين أحببتهما: أبي تمام، وأبي نواس. فقد قبضَ فيهما على مفتاحٍ تخييلي – ذهني، أوصله في النتيجة إلى أن «يسجن» لغته في «غرفة العناية الفائقة»، مفصولة عن العالم وأشيائه. غير أنه ابتكر القصيدة القصيرة التي تبدو كأنها تتدلى على صدر اللغة كمثل «عقد فريد». أما قيمة هذه القصيدة، تجربة ومعرفة وكشفًا، فأمرٌ آخر يصعب الآن الدخول فيه. وقد بالغ في اللعب، والتقليبِ والصقل، بحيثُ انحصَر شعره بين عتبتين: «امتلاء» اللغة، و «فراغ» التجربة. وليست دعوتُه إلى القومية اللبنانية إلا نوعا من الأصيص الوطني لهذه اللغة – الزهرة. أصيصٌ بلا ماء.

أما دعوته إلى الحرف اللاتيني فدعوة شاعر يُنكِرُ هو بنفسه ما خَلقَ له هويته الشعرية وجعله هو هو. دعوة شاعرٍ يخرجُ من شعره ومن نفسه على السواء. وهي إلى ذلك دعوة منْ يرى الوجود، إنسانا وشعرا وفكرا، في «الحَرف». كأنه يريد أن يُحِلَّ الأداة – الآلة، محلَّ خالِقها، الإنسان. إن مشكلة اللغة ليست لغوية. إنها عقلية – إبداعية. مشكلة اللغة في العقل الذي يستخدمها، لا في الحروفِ التي تُشكّلها.

> فوجئ القراء وأصدقاؤك بأنك بنيت لك مقبرة في القرية وكأنك تريد أن تعود، بعد عمر طويل، إلى القرية. ماذا يعني خط العودة هذا؟

- أظن أن الرغبة في العودة إلى التراب الذي مسته قدماي للمرة الأولى، هو نوع من الاعتراف بالأمومة، نوع من العودة إلى الأمومة لا إلى الأبوّة. طبعا لم أبنِ قبرا كما قيل وإنما أشرت إلى أنني أحب أن أقبر في زاوية من مكان معين، في حديقة البيت.

> أذكر إحدى مقولاتك الشهيرة: «لا أستطيع أن أكون لبنانيا، ولا أستطيع إلا أن أكون لبنانيا». ما قصدت بهذه العبارة؟

- الإنسان في لبنان مُمتهَنٌ، فهو يُقَوَّم في الدولة، في الحياة المدنية، بمعيار طائفي، وب

المزيد