ـ هناك أشخاص تلتقي بهم كل يوم ، وتتبادل معهم التحية ، وتشرب قهوتك معهم ، أو بحضورهم ، لكن ، سرعان ما تتراجع صورُهم من ذاكرتك ، وتختفي ، فتنسى وجوهَهم وأسماءَهم ولون قمصانهم ، فور مغادرتك المكان الذي جمعكم ..
ـ وهناك أشخاص ، صُودِفَ أن التقيت بهم مرة أو مرتين متباعدتين ، لكنهم يتركون في أعماقك انطباعا محببا ، يدفعك للبحث عنهم ، أو لمحاولة اللقاء بهم من جديد ..
ـ وهناك أشخاص لم تلتق بهم وجها لوجه .. لكنكَ سمعتَ بهم ، أو شاهدتهم عبر وسائل الإعلام ..
فأنت تعرفهم ، وهم لا يعرفونك .. أنت تتمنى لقاءهم ، أو الاستماع إليهم ، أو الجلوس معهم .. وهم في عالمهم ، لا يستطيعون مجاراة رغباتك ، ولا رغبات غيرك .. لكن ذلك لا يغير من حقيقة هذه الرغبات التي تملكها ..
فنحن دائما ، معتادون على أن نفتش عن أعذار مخففـِّة لمن نحب ، كي نبقى على حبنا لهم ..
وحتى هذه المجموعة التي تعرفها ، ولا تعرفك ، هناك منهم ، منْ لا تريد أن تراهم ، ولو فرضوا أنفسهم عليك ، في الشاشات ، أو غيرها ..
فيكون منهم من تنطبق عليه الحالتان الأوليان ..
أما مع مارسيل خليفة ، فالحال مختلف جدا ، باختلافه الكلي عن كثير من مشاهير جيله ، الذين نعرفهم ولا يعرفوننا .. فهو ـ وبكل تأكيد ـ ممن نتمنى لقاءهم ، والجلوس معهم ، والاستماع إلى فنهم وإبداعهم ..
صحيح ، هو لا يعرفنا ، لكنه يحس بنا تماما ، كما نحس نحن بألحانه .. وهو لم يرَنا ، لكننا رأينا أنفسَنا وهمومَنا وأمانينا وأحلامَنا في ألحانه وأناشيده ..
عرفنا من فنـِّه ، طعمًا آخر لحبِّ الأرض والأم والحبيبة ..
تعلمنا منه ، كيف يكون حبُّ الحق والخير والإنسان ..
وكيف تكون الكلمة واللحن أقوى من السيف والمدفع ..
عشقنا ثنائيته مع الشاعر المرحوم محمود درويش .. أحببناهما معا .. وأخذنا عنهما قوانين الصداقة والانسجام الفكري الذي تخلـَّق بيننا في هنيهة من الفرح المجبول بكل أزهار أرض محمود درويش المحتلة ، وأنغام مارسيل الشجية ..
بداية معرفتي بفن مارسيل ، كانت بُعيْدَ الغزو الصهيوني لجنوب لبنان ، واحتلال بيروت عام 1982 ..
سمعته أول مرة من شريط قدمته لي صديقة عزيزة ، مع شريط آخر لأحمد قعبور " أناديكم " ، فيما كانت تغالب دمعَها وهي تروي لي ما شاهدته على التلفاز ، مما كان يفعله الصهاينة في لبنان ..
وفي عام 1988 ، استضفتُ صديقي ، وأستاذه البلغاري المشرفَ على أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه ..
وخلال مراسم الضيافة ، كنا نستمع لمارسيل ، فتوقف الأستاذ الضيف عن الطعام ، وطلب من تلميذه أن يترجم له كلمات الأغنية التي نسمعها .. وفور أن انتهى صديقي من ترجمة المقطع الأول :
منتصب القامة أمشي مرفوع الهامة أمشي
في كفي قصفة زيتون وعلى كتفي نعشي
وأنا أمشي وأنا أمشي وأنا أمشي
نهض الأستاذ الضيف ، وطلب منا الوقوف وهو يقول :
هذه الأغنية كالنشيد الوطني .. يجب ألا تـُسمَعَ إلا وقوفا ..
وبقينا واقفين ، والدهشة تملأ وجوهنا وعيوننا ، حتى انتهت الأغنية ..
وقبل الوداع ، رجاني ، عبر ترجمة صديقي ، أن أؤمن له نسخة من هذا الشريط .. تعبيرا عن إعجابه الشديد به ، ورغبة منه باقتنائه ..
سأكتفي بهذا القدر من الحديث الخاص عن الفنان مارسيل خليفة .. لأن أي كلام آخر مني عن فنه ، أو عطائه وإبداعه في الموسيقا والتأليف الموسيقي ، لن يضيف جديدا لهذه القامة السامقة ، لاسيما أنني من ضعيفي الثقافة الموسيقية ـ كما يقول مارسيل في الحوار ، وهو صحيح ـ وأنني مجرد مستمع لفنه ، معجب بأدائه وبحسن اختياره للأشعار التي يترنم بها ، فأعيشها معه حرفا حرفا .. تأسرني جمالياتها ، وشفافيتها ، ودلالاتها ..
وبالطبع ، تهزني أنغامها ، فأطرب لها حينا ، وأتألم لأوجاعها وأنـّاتِها أحيانا أخرى ..
لكنه يبقى مارسيل خليفة .. لحنا ، ومعنًى ، وأداء ، وثقافة ، وحضورا كبيرا ، في المشهدين : الفني ، والثقافي ..
وبقي أن أشكر الصديقة التي أرسلت لي حديث مارسيل هذا ، وجعلتني أستعيد معه ما كتبتُ آنفا ، فهي ممن يعرفون عشقي لفنه ، واهتمامي به .. ومع أن إيميلها يخلو من الإشارة إلى مصدر الحوار ، أو اسم الشخص الذي أجراه .. إلا أني عثرت على الحوار منشورا على الشبكة العنكبوتية ، لكنه ليس على هذه الصورة ، وثمة فرق كبير بينهما ، مما أكد لي ما ورد في مقدمة الحوار أدناه ..
كما لابد من التنويه ، إلى أنني اضطررت للتدخل ـ سلميا ـ في التنسيق الشكلي للحوار حتى اتخذ الشكل الذي هو عليه أدناه ، دون أي تصرف في المضمون ..
منقوووووووووووووول
مارسيل خليفة
أريد قليلا من الأوكسجين ، لأكتشف غموض الآفاق ..
قريبا من الموسيقى كنا نجتاز الشوارع الضيقة لحارات دمشق القديمة من دهليز إلى دهليز , ومن حارة إلى حارة , رائق الخاطر ، وفي متاهة عذبة لأزقة لا متناهية سلكت مع الرجل طريقنا وكأننا جزء من صمت العلامة , وكأن الخطوة هي مفتاح الصول لأمكنة تحولت فجأة إلى أزمنة مموسقة .. وبينما كان مارسيل خليفة بخطاه الخفيفة الميلودية يبتعد عابرًا متاهة الأحياء الشامية العتيقة كموشح خالص من الحنين ، كنت أهمُّ بسؤاله عند التوقف أمام حانوت الفواكه المجففة , أو حتى أثناء تأديته السلام لأحباء كانوا يبزغون عند مطلع كل شارع جديد , كانت الساعة تقترب من الحادية عشرة مساء , عند مفرق حي باب توما ، توقف خليفة عند بائع للأعواد , تأمَّل أحدها , وكأنه يتذكر عودَه الأول الذي ابتاعه له أبوه من سوق الحميدية .. لم يخالجني الشك أننا كنا نتحدث طوال الطريق المفضي إلى أسئلة لم تخطر على بالي أثناء بدء الحوار , إذ كانت الأسئلة تتفرع كما حارات دمشق , و تنداح كمياه ترتاح في سريرها النهري ..
وكان عمله الجديد ( الكونشيرتو العربي ) مع الفرقة القطرية الفلهارمونية فاتحة السؤال , في حوار طويل , للأسف فقد تعرَّضَ للحذف والتشويه , في منبر آخر , وهاهنا النسخة الكاملة منه , بناءً على رغبة هذا الموسيقي المحترف :
س : استطعتَ لأول مرة أن تقدم مقترحا موسيقيا غاية في الجدة من حيث كتابة المقامات العربية ضمن القالب السيمفوني , هل يندرج ذلك ضمن مشروعك الجديد بالبحث عن صيغة حوار مع الآخر ؟
هل تحتمل الموسيقا برأيك مفهوم الأنا الآخر؟
☼ بالنسبة للكونشيرتو العربي ، ما كتبته من روحانية الشرق القديم ، من ميراث بيزنطة بدفقه الكنسي , من لمسات موسيقا فارس السحرية ، من حزن العراق القديم المودع في المقام , من إيقاع الصحراء العربية ، من طرب البشاف والسماعيات واللونغات التركية , من الغناء الجبلي والدور المصري والقدّ الحلبي ، ومن زخرف الأداء المغاربي , ومن نسمة الفردوس الأندلسي ..
في الكونشيرتو العربي عندما لعبناه في السكالا دي ميلانو بإيطاليا ومسرح الشان اليزيه في باريس وأوبرا الكندي سنتر في واشنطن والرويال البيرت هول في لندن بقيادة المايسترو العالمي لورين مازيل ، لم يحلَّ ضيفا غريبا على هذه القاعات , والتي ـ وللمرة الأولى ـ تستقبل عملا سيمفونيا بمرافقة الآلات الموسيقية العربية والمقامات العربية التي تعتمد على ربع الصوت مثل الراست والسيكاه والبياتي وراحة الأرواح وغيرها , وأيضا الإيقاعات العربية : كالمصمودي والوحدة والمخمس العربي والدور الهندي وغيرها من الأصول الستة عشر , أتى هذا العمل مشاركا في التعبير الإنساني من مادة محلية , من موروث نصونه من التلف والابتذال , ونستخرج الدفين من كنوزه التعبيرية , نص يزج بالشرق ومفاتنه في الموسيقا العالمية , زمن موسيقي متعدد وممتنع عن التنميط أو عن التعيين النهائي , إنه حوار لا ينقطع بين الأنا والأنا , وبين الأنا والآخر , مع المشترك والمختلف والبحث عن غنى التجربة الموسيقية الإنسانية و تنوعها , وفتح قابلية التأثر التي تحتاج إليها الموسيقا لتجديد أسلوبيتها عن طريق الإصغاء إلى تجارب الآخرين ..
وغني عن القول : إن لكل لغة موسيقية شرقية أم غربية نظامها وتركيبها الإيقاعي والنغمي والمقامي ..
وكل ذلك وضعني أمام مسؤولية كبيرة لتصوير ضوء المعنى , فمصدر الموسيقا واحد هو : هويتنا الإنسانية ..
من هنا ، العالمية ، لم تكن منذ البداية إلا محلية وفي هذا السياق المتعدد اللغات الفنية والمناطق ودرجات التطور التاريخي تتوحد التجربة الإنسانية وتتحقق عالميتها الخاصة بها , وذلك بإسهام كل محلية موسيقية في صوغ ما نسميه الموسيقا العالمية .
س : يبدو أن هناك تطويرًا تجريه دومًا على أدواتك الفنية , مَن المستمع الذي تسعى إليه اليوم عبر مقطوعاتك الجديدة؟
☼ أسعى إلى تطوير أدواتي الفنية رغم السهام الموجهة بعناية فائقة , وسأظل أكتب حياتي كما أعيشها وكما أراها ، وسأدون أحلامي بالحرية , وسأصر على أن أكون كما أريد لا كما يريدون , ولن أنتبه إلى الغبار الذي تثيره العربات الفارغة ، لأنني واثق من صواب قلب الحب ..
كتابة الموسيقا بلا مستمع لا تحقق معنى , المستمع هو الذي يمنح العمل الموسيقي حياته المتجددة .. وأدرك جيدا أن هناك صورًا نمطية يتوقع البعض أن تكون مخلصة , وفيّة في مرآته ، وخاصة لأي فنان ملتزم بقضاياه العربية , ولكن في أعمالي منذ البداية حملت ذاتا فردية , وبحثت عن إنسانية الإنسان المقهور والمسلوب والمحاصَر, عن الحياة الشخصية وهذا هو مجال المؤلف الموسيقي , أعرف بأن الموسيقي العربي مطالب بالتماهي مع هويته المحاصرة والمسلوبة في الوطن الكبير وفي العالم , لذا عانيت كثيرًا خلال تجوالي الدائم وتداخل الحرية مع سؤال الموسيقا في توتر عال ..
س : لكن ما هو هذا الشيء , الذي ينتفض دائما في مؤلفاتك , مَن هو هذا الطائر الصوتي الخارق الذي ينظم لك كل هذه الموسيقا ؟ وما الفارق الجوهري بينه وبين الفنون الأخرى ؟
☼ الفارق في الموسيقا : هو عدم إمكانية تكرارها , الصوت سريع الزوال , يمرّ ولا تستطيع أن تستعيده عندما تشاء , ليس كاللوحة تراها ، والكتاب تفتحه , تختلف الموسيقا عن الكلمة المكتوبة ، لأن الموسيقا تولد فقط عندما يتم إصدار الصوت , الموسيقا موجودة في مخيلة المؤلف تابعة لقانون الفيزياء , يتخيلها المؤلف في عقله ، يستخدم التدوين الموسيقي بتلك النقاط السود على ورقة النوتة البيضاء المسطرة ..
والموسيقا تولد فقط عندما تعزف , إذ لا يمكن تكرار الأداء بأي شكل من الأشكال حتى لو تم تسجيله على شريط سيكون مختلفا , ولن يكون الشيء ذاته , فعندما نكرر المقطوعة في كل مرة يكون الأداء مختلفا , وعندما تنتهي المقطوعة يختفي الصوت ..
س : إذا ، أين تختفي الموسيقا ؟ وهل بإمكاننا استرداد الصوت كزمن انقضى ولم يعد موجودا ؟
☼ من الناحية الفيزيائية ، الموسيقا تختفي , تنتهي , وسيمكننا أن نسترد الصوت بإعادة العزف , لكن لن تكون هي ذاتها , لن يكون الصوت ذاته , سيكون النهر ذاته بمياه مختلفة , وهذا ما يعطي الموسيقا ذلك الإحساس بالأزلية , إنه في الوهم , عامل خلق الوهم بالموسيقا والصوت , أعتقد أن الثقافة الموسيقية ضعيفة جدا ، بل مفقودة فعليا , ومن المهم إيقاظ وعي الناس ..
كيف تمت كتابة المقطوعة وما الذي ألهَمَ المؤلفَ لكتابتها ؟؟ لماذا يحتوي الصوت على كل هذه العاطفة وكيف نستمع ؟؟
الموسيقا هي الأقل معرفة من قبل الناس ..
في الثقافة العامة يهتم الإنسان المثقف بالفلسفة والأدب ، ويعرف الكثير في السينما والرسم , والنحت والمسرح , لكنه قد لا يعرف شيئا عن الموسيقا .. هناك أنواع من الجهل المتعلق بالموسيقا , ولهذا نرى مستمعين محافظين للغاية لا يريدون موسيقا جديدة , يريدون فقط ما علق في ذهنهم من قوالب الماضي أكثر مما يريدون الجديد ..
قليل من الناس الذين يعرفون الموسيقا وقد جعلوها جزءا من حياتهم , علينا أن نخلق سُبُلا للاستمتاع وجعل الموسيقا سهلة المنال ..
س : هل يندرج هذا الكلام ضمن تقليعة إيجاد مريدين جدد لموسيقا مارسيل خليفة ؟
☼ بالنسبة لي لم أرغب في أن يكون لي أتباعٌ في العزف والغناء والتدريب والكتابة , فيما هناك أشخاص يطمحون جدا لتربية أتباع لهم , أحب أن يعلن الشخص عن استقلاليته وأن يسلك طريقه الخاص .. مثال على ذلك بشار ورامي ..
لا أحبُّ طريقة محددة حتى لو كنتُ مَن استنبطها , تمارين ومقطوعات كثيرة كتبتها وطبعتها للآلات الموسيقية العربية لطلاب المعاهد الموسيقية حاولت جاهدا أن أوقظ فضول الطلاب وأن أعطي الوسيلة التي تساعد على تطوير الفضول , لم أحب العزف الميكانيكي , ولا أحب الذي يعزف المُدَوَّنَ بشكل مثالي ودون أي نوع من الذاتية , أكتب متحررا من كل شيء , وعندما يصبح لديك ما تقوله حقيقة , سوف تثير ـ بالتأكيد ـ الإعجابَ لدى البعض والرفضَ لدى البعض الآخر.
س : أفهم من كلامك أن ثمة حدودًا بين ما تكتبه على الورق وما يقوم عازفو الأوركسترا بأدائه على المسرح؟
☼ إذا نظرنا إلى أوركسترا تحتل خشبة المسرح لا نستطيع إعطاء اسم لأي نوع من وجوه العازفين على الرغم من أن الجميع يستحق التقدير والإعجاب بالدرجة نفسها كما كل العازفين البارعين الذين فضلوا المجد الفردي على الذوبان الرائع في الأوركسترا ..
العازفون يرسمون بآلاتهم الموسيقية الألوان المحددة من المؤلف , الأوركسترا لوحة تتضمن كل ما يؤلف اللوحة من خليط الألوان , ومن ريشة الفنان ومن ذلك الانفعال الذي يولد التفاصيل , هنالك نوع من الجمود وانعدام الحياة في ما يوجد على الورق , ولكن العازف يقرأ النص ، والنص يصبح مستقلا عن المؤلف , وكي يعزف النص يجب استيعاب العملية التي أدت إلى وجود هذه النوتات على الورق , فهي مرتبطة بسلسلة من الأحاسيس الغريزية وبسلسلة من التخمينات في الأسلوب, وفي إعادة إنتاج الصوت بحيث يجذب الانتباه بالجديد , وإعطاء دفع أو شكل جديد في كل مرة تعزف فيها المقطوعة ..
س : برأيك كيف يستطيع الناقد الموسيقي مجاراة هذه الموسيقا .. الزمن التي تكتبها بشكل مختلف في كل مرة توزع فيها أوراق النوتة على العازفين؟
☼ أعتقد بأن النقد الصحيح هو جزء من الجمهور..
الناقد الموسيقي الذي يضع نفسه في مكان المستمع ، يستطيع تقنيا ، تحديد مصدر رأيه متسلحا بالتجربة المقارنة التي كوّنها على إثر عمليات سماع متتابعة .. هذا إذا اعتمد على علم الموسيقا وتحصّن أكاديميا , إضافة إلى ذلك : إن الناقد عليه في الوقت نفسه أن يحمل في شخصيته شخصية الفنان مؤلفا كان أو مؤديا , فهو سيضع رجلا في كل جهة , أما معطياته فتكون مرتبطة بين الأسباب والنتائج , فهي تحفظ الزائد في اتجاه وتوقفه في الاتجاه الآخر , حتى لو تلعثمت كلماته فإن الناقد يستطيع المحافظة على وزن وقيمةٍ إذا كانت الحجج التي يقدمها تملك هذا الوزن , عندما يقدم الصحافي تقريرا عن حفل ، يرتدي بزة الحاكم العام , يطرح اتهامات أحيانا , يخلي الحاكم العام المكان للمحامي , بالطبع إن أداء أو تأليف عمل لا يمكن أن يرضي كل الناس , إن الناقد الموسيقي لا يترك أي تفصيل يمكن أن يثير الانتباه , فهو عند وضع تقرير عن حفل موسيقي يلجأ إلى وصف الأوركسترا مفصلا .. كل عازف على حدة , مشيرًا إلى قيمة عازفين معينين موجها ملامة إلى البعض الآخر ..
عند قراءة نقد فني جدي عن عازف ، نستنتج أن النص يضيء لعب المؤدي , فهو يحدد إحساس مخيلة المستمع ..
لأنك ربما استطعت إدراك كل ما أرادت مخيلة ذلك العازف أن تتعاطى مع الموضوع , هذا يؤكد جدية العلاقة , يدعم قناعاتك ويشرع انطباعك .. العازف يوصل إليك إحساسا ، والناقد الموسيقي يشرح لك صحة هذا الإحساس ..
وهنا ينفذ الناقد مهمته ويظهر عن إفادته ..
س : كيف تقيِّم اليوم ما يكتب من قراءات نقدية موسيقية ؟
☼ الكتابات النقدية هي حتما مقروءة بغثـِّها وسمينها , وإلا لكانت غابت عن الصحف .. إن الناقد الصحيح عليه معرفة تحديد مكامن الأشياء التي تعطي القيمة الحقيقية لحفل ما , لعمل موسيقي ما , أو الأشياء التي تقلل من تلك القيمة .. عندما يبدأ أحد النقاد بتوجيه ضربات إلى الموسيقيين ، فهم يعرفون تماما إذا كان مخطئا أم لا ..
لا أعتقد بأن العدوانية تشكل الطريقة الأحسن في إقناع الموسيقيين بأنهم قصروا في مهمتهم ..
إن الاتهام يساهم في رص صفوف الموسيقيين الحقيقيين الذين يدفعون الناقد إلى قفصه وحيدا , بالقرب من النقاد وأحيانا ، مختلطين .. في صفوفهم يوجد المعلقون العالمون بالموسيقا والمحللون , المنغمسون سلاحًا وعدّة في الغابات المظلمة للمغامرة التحليلية .. للأسف إن أدوات لغتهم تنغلق عليهم , وبالتالي لا تستطيع اللحاق بهم إلا برادار الحدس ..
س : هذا يعني أن هناك تغيرات جديدة في الموسيقا العربية المعاصرة ، على النقد أن يضعها في سياقاتها النظرية ؟
☼ صار للموسيقا العربية الآن أن تحتفي بالمنحى التعبيري الذي تجتازه .. لم تعد الصورة ولا الإيقاع ولا الجملة ذاتها .. الأمور تجري كما يحلو, ولم تعد لدينا رغبة في معرفة مستقبلنا بالوضوح الحديدي الذي تسلح به المحافظون , إنه وضوح يضاهي قيدا لا يرحم , وليكن من حق الآخرين ، المحافظين أن يسموا هذا خرابا ..
فربما حَلا لنا ذلك أيضا ..
وهكذا عندما أصدرتُ أسطوانتي الأولى قالوا بأني أخرب الموسيقا العربية ولم يكن أحد يملك حق منعي عن ذلك , لا يجوز أن نتوقف أمام الاعتراضات الهستيرية التي تنتاب بعضهم وهم ينظرون إلى المشهد الموسيقي يشطح خارجا عن صورته القديمة بما لا يقاس من التنوع ..
ولا أحد يملك سلطة المصادرة .. وليس عندنا الوقت أن نشتغل بمهمة إقناع أولئك بأن ما يحدث هو من طبيعة الأشياء ..
إنها تجربتنا الأخيرة بعد مصادرة كل شيء بلا استثناء ..
إذ ليست لدينا مخيلة وأحلام مكبوتة .. الأسلاف صاغوا حياتهم وطريقة عملهم كما يحبون ويستريحون , وكل ذلك حقهم ، وينبغي الآن من المبعوثين أن يكفوا عن محاولة إثارة الضجيج حول ما أنجزه الأسلاف .. ثم ، لماذا كل هذا الضجيج لتكريس الجذور والسكوت عن حرية الأجنحة ؟؟
ليس أمام التجارب الجديدة إلا أن تذهب إلى حدّها الأقصى بموهبة ومعرفة .. الإبداع توغل في غموض ما لا يعرف , فالمعروف هو ما تم اكتشافه وصار ناجزا و مستقرا , وشرط نجاح التجارب الجديدة أن تخرج عن الطوق والطريقة معا , وتصدر من الحياة الأكثر تأججا واتصالا بالمستقبل ..
س : بعد عودتك اليوم من باريس إلى عمشيت ، أية موسيقا تلك التي تبحث عنها في المكان الأول ؟
وما الذي تغير في داخلك ؟
ما الذي يفصلك اليوم عن ذلك الطفل الذي كان يعزف على كراسي الخيزران ؟؟
☼ عندما كنت صغيرا ، لم أدرك أن الكبار كانوا صغارا مثلنا .. ذات يوم كنت أعتقد بأنهم خلقوا كبارا ، ولم تكن لهم طفولة ذات يوم .. كانوا يوهموننا بأنهم يعرفون كل شيء .. يسرقون منا طفولتنا المنذورة للرحيل المبكر ، لندخل في عالمهم المفضي إلى العدم , لماذا يدفعوننا لنخسر طفولتنا ونـُقحَمَ في عالم لا نفهمه ولا نفقه كنهه ولا سِرَّهُ ؟
كنا أطفالا منذورين للعب والضحك والمطر والشمس .. وكانت الأرض تهرب من تحت أقدامنا كالرياح العاتية تقصف في دربها كل شيء .. كنا كالسيل العارم نجرف بدربنا معالم الحقول والهضاب ونرميها في تلك الوديان السحيقة , وكان يأخذنا الدَّهَشُ من كل شيء .. نجلس على أكوام القش في الحقول .. نراقب العصافير تحوم على الحبوب المنثورة , فتختلط رائحتنا برائحة الزعتر والنعناع .. وفي الليل كانت أجسادنا تغتسل بضوء القمر الفضي على إيقاع البحر ونظامه ، حيث كنا نغافل أهلنا المشغولين ، ونسرح مع الصيادين في ليل أعمى لا نرى فيه شيئا , لكنه كان ينتعش بالسَّهِّيرة , وكانت الأمواج الصغيرة تحملنا وتلفنا بالزبد , ولم نكن نتوب عن ركوب الأمواج ..
الزمن قاس يراقبنا يداهمنا , لكننا كنا نتحين الفرص لنسابقه ، لنستعجله ، وهو يتباطأ كي لا نراه ، إلى أن غافـَلـَنا ..
فبدأنا نستمهله وهو يجدُّ السير بنا ..
أتذكر .. كان جدي يحفر ، يقلـِّم ، يسقي ، ينتزع أوراقا ، أو يقطف الورود .. والطفل الذي كنته تتحفر الأشياء في ذهنه ..
في شهر شباط ، كان يُطعِّم التفاح والأجاص .. وفي شهر نيسان ، تتفتح الورود والبنفسج بين يديه , ويزرع الأكي دنيا والعرايش .. وفي شهر أيار ، يكتسي الزيتون بالزهر ويسقط الخوخ والمشمش والخيار في يديه .. وفي الصيف ، يبدأ بالحصاد ودرس الحبوب .. وفي شهر آب ، ينضج العنب والبطيخ .. وفي شهر أيلول ، الجوز وثمار البلوط وقطاف العنب والرمان والسفرجل والزيتون .. وفي تشرين ، تسقط أوراق الشجر .. وفي كانون ، تعود الأمطار التي تغذي الأرض ، ويعود ويزرع البصل والثوم ..
رحل جدي يوسف ، ورحلت معه تلك العصافير التي كانت تزين حقول عمشيت ، ونبتت بنايات عشوائية أكلت الأخضر واليابس وصار مُلوَّنـًا ، بلدي الأخضر ..
س : تتحدث وكأنك تعيش حالة من الفقد غير المنتهي , ما الذي تغير اليوم ؟
وما هي التغييرات التي أعادتك إلى عمشيت بعد كل هذا الزمن ؟
أية نوستالجيا تلك التي تبرم الموسيقا مع الأمكنة الأولى؟
☼ أستطيع قياس حجم التغييرات الداخلية والعاطفية والنفسية التي طرأت على حياتي ، يوم رحلت أمي الصغيرة .. حيث أدركتُ ما الذي يعنيه هذا الغياب !! وأدركت أنها لن تعود .. فارتميت في حضن جدتي وبكيت .. لقد كان موت أمي من أكثر المناطق إيلاما في ذاكرتي ..
باكرا يومها غنت العصافير الصغيرة وحيدة ، والتفت على صباحي بشدوها المتعرج بليلي العميق .. لقد قاومتُ ذلك الغيابَ الصاعقَ لأمي ، حيث كان ينبت من بين يديها الحَبَق والريحان على مصطبةٍ تمتد من خطاها كسهلةٍ صغيرةٍ في أحواض ممتلئة بالتراب والحياة .. صمتي اليوم مُرَصَّعٌ بالأمل .. أفتح مسارب الهواء من أجل أقدام الصباح المشغولة بالوصول إلى الهدف ، لتختفي وتتلاشى على الأزرق في موجة آتية من بعيد .. لتتكسر على الصخور .. ألاحقها ، وهي تتعب عند بلوغها الشاطئ ، لترتاح عند أقدام اليابسة .. وفي الطريق على بحر عمشيت ، قطط تنزلق هائجة مائجة على صراخ الشهوة .. أعود إلى حي العربة , إلى بيتنا العمشيتي ، وشمسٌ حارقة تدخل من النافذة , إنها الرابعة بعد الظهر, تزحف على قدميّ , على السجادة الحمراء , وتلعق الأوراق أمامي , كنت عندما أدخل غرفة الطريق في هذا البيت العتيق أتأمل روح أمي المتألقة الناهضة إلى الأعالي , لم يكن سهلا أن تفقد عناقاتِ واحتضاناتِ أمٍّ إلى الأبد .. أتت مثل البرق في حياتي وتركت أثرا شفيفا أحمله .. رحلت أمي وتركت أحلامها تغمر قلبي بنعاس لذيذ , تجلس إلى جانبي , تأخذ يدي , تقبل وجهي بدمع ابتسامتها .. كيف حَدَثَ ، يا بُنيَّ ، وَبَيَّضَ كلُّ هذا الشيبِ لِحْيتـَك ؟؟!!
كيف يمكن أن يشيخ المرء بهذه السهولة , وأنت طفل في حضن أمك ؟ الحب هو الذهول ، هو الجنون .. إنه مثل النهر .. المجرى هو الذي يبدأ وينتهي وليس الماء ..
طرف الشال الأزرق الذي غطى وجهي ولامس عيني من النور المفرط والأبيض الحاد والجارح ، أبكاني من زهوه ..
س : ولكنكَ عبَّرتَ عن هذه العلاقة بطريقة أو بأخرى عبر قصائد درويش : إلى أمٍّ لا ينتهي الحنين إليها ؟؟
☼ ربما لن يفهم أحدٌ علاقة أمٍّ بابنها ولن يبررها ..
وأنا لا أتطلع إلى مثل هذا الفهم .. قلائل أولئك البشر الذين يفهمون ما لا يشعرون به ..
أجهل متى بدأت العلاقة وسأبقى أجهل ذلك , فليس الحب إلا تعرُّفُ الذات على ذاتها ، كي يخرجها من المصادفة إلى الوجود ..
عندما كنت صغيرا ، لم أكن أدرك أن الكبار كانوا صغارا مثلنا ـ كما قلت لك ـ كنت أعتقد بأنهم خلقوا كبارا ، ولم يكن لهم طفولة ذات يوم ..
ونبتعد عن تلك الطفولة المنذورة للرحيل المبكر , وندخل في عالم الكبار المفضي إلى العدم , أحس اليوم وأنا أتذكر أمي أن كل شيء في هذه الدنيا يعيش لمرة واحدة .. البارحة كان نهارا واحدا وانتهى , لن نكرره , وسيأتي يوم آخر .. وكلما التقينا عرفت أننا سنلتقي لمرة واحدة قد لا تكون الأخيرة ، ولكن لن يكون مثلها .. زهور الحديقة تتفتح مرة واحدة , عندما تذبل لا تعود من جديد ، بل تأتي زهور أخرى ..
س : ألم ترتبْ لكَ الموسيقا ذلك الحنين ؟
ألم تأخذك إلى قراءة المكان الأول كنصٍّ موسيقي لا متناه في لغويته ومتخيله ؟
المزيد