Yahoo!

إبرة في كومة قش 1ـ 4

مارس 19th, 2012 كتبها y m نشر في , قصة قصيرة, مقهى البث المباشر

 إبرة في كومة قش 1ـ4

 

 ( قصة ) (1) :

ـ 1 ـ

 كان إلحاح عصام ، وطلبه أن يسافر معي إلى دمشق ، سببا رئيسيا ، جعلني أسافر بسيارتي ، قاطعا مسافة طويلة في الذهاب والإياب ، وكان من الممكن أن أوفر ذاك العناء ، لو سافرنا بالقطار أو بالحافلة ، أو بالطائرة ، حتى ..

فليس لي من العمل الكثير في دمشق ، وتكفيني سويعات أقضيها في اجتماع عمل قبل الظهر ، وسأعود بعدها فورا .. 

وقد أفضى لي عصام ، بأنه يريد أن نسافر بسيارتي ، كي تساعدنا على البحث عن " لبنى " ..

سألته : من تكون لبنى هذه يا عصام ؟

لم يجبني وقتها عن سؤالي ، لكنه قال : سيكون لنا متسع من الوقت ونحن في الطريق ، وسأحكي لك بالتفصيل الممل ..

قلت : لا أريد مفاجآت يا عصام .. خبرني شيئا الآن ..

 

قال : انقطعت أخبارها عني بعد عاشر رسالة منها .. ولا أعرف سوى اسمها ونسبتها وعنوان المراسلة ..

وبعد أن قرأ ملامح وجهي ، أضاف : أتكفي هذه المعلومات للسؤال عنها في الجامعة ؟؟ أو ، لعلنا نتمكن من الحصول على عنوان سكنها من ملفها الشخصي في شؤون الطلاب ..

قلت وأنا أستدير عنه : لأن دمشق أكبر من قريتنا بقليل ، فإننا ـ وبسهولة فائقة ـ نستطيع أن نعثر على الإبرة في كومة القش الكبرى !!

استاء من سخريتي ، وأرغى وأزبد ، وغادر المكان ..

ولم أرغب في مزيد من استفزازه ، لكني ـ أمام حماسه واهتمامه وعصبيته ـ لم أضع العصي في عجلات المركبة ، كي لا يتهمني سلفا بتسفيه آرائه ، أو الاستخفاف بمشاعره ، للتهرب وتجنب مساعدته ..

وكنت حريصا أن أستمع منه لدواعي اهتمامه بـ " لبنى " ، مادام ليس بينهما سوى المراسلات البريدية .. وهو لم يحدثني عنها مسبقا على غير المألوف بيننا ..

ضحكت في سري وأنا أتذكر قول بشار بن برد ، الشاعر الكفيف :

" والأذن تعشق قبل العين أحيانا " ..

ومنذ أن ركبنا طريق الشام ، لم يكن يفعل شيئا سوى التدخين ، والاسترخاء على كرسيه إلى الوراء ، واستحضار حواراته معها ، كأنه في عيادة طبيب نفسي ..

وقد أذهلني بمقدرته على التسلسل السردي واستعراض الأحداث ، وإن كان يستعين أحيانا بقراءة مقاطع محددة من الرسائل ، حين يريد أن يكون دقيقا في إيصال الفكرة إلي .. وكأنه يوثق شيئا ما للتاريخ ..

في الحقيقة ، أسعدني ذلك ، وإن وجدتُ في طريقته شيئا من المبالغة في الاحتراس والتوثيق .. فالأمر بالنسبة لي واطئ السقف ، كون الحكاية مسدودة الأفق حتى الآن ، ولا أريد أن تكون أكثر من مجرد حكاية نتسلى بها ونحن في الطريق إلى الشام ..

وطالما سافرنا كثيرا معا .. وقطعنا مسافات ومسافات .. لكني لم أره على هذه الهيئة من الترقب والقلق والحيرة ، حتى كدت أتركه في إحدى استراحات الطريق وأمضي لشأني ..

فهو في كلامه عنها ، يوحي لك وكأنهما ( شرَقـَا صحن الزليطة معًا ) كما يقولون .. لكن الوقائع التي سمعتها تنفي ذلك .. وهيهات !! ..

 …………

 

قال عصام بعد أن اتخذ وضعيته المناسبة على المقعد بجانبي :

خذ مني ما سأرويه ، ولك أن تفعل به ما تشاء .. لكن ، وبالنتيجة : أريد أن أجد لبنى اليوم .. فأنا أعرف نواياك ، وجهدك في البحث عن سيناريوهات حياتية ، تجعل منها أساسا للتندر والقص .. ولك علي ألا أخفي عنك شيئا ، لا من الخوافي ولا من القوادم ..

صمتَ قليلا كأنه غصّ بدخان سيكارته ، ثم اعتدل ، وقال :

رغم أني لم أكن أنتظر وصول رسالة لي من أحد ، لكن سعادتي كانت كبيرة جدا بالرسالة الأولى التي وجدتها في صندوق بريدي الجديد ، ولم ينتقص من فرحتي أنها ليست موجهة لي ، وبدا ـ فيما بعد ـ أن مرسلتها " لبنى " لا تعلم بتخلي أختها عن صندوقها منذ فترة .. وهنا بداية حكايتي معها ..

أخذتُ الرسالة مدفوعا بفضول ساذج لقراءتها .. كانت عادية ، من أخت لأختها ، تطمئنها وتطمئن عنها .. ثم أعدت إرسالها إلى عنوان المرسِلة : كلية الاقتصاد والتجارة في جامعة دمشق ، معتذرا لصاحبتها عن قراءتي لها ..

 فأرسلتْ لي بتاريخ 13/06/1986 ، شاكرة صنيعي ، ومعتذرة عن جهلها بتخلي أختها عن الصندوق ..

وفي التفاتةٍ لبقةٍ منها ، ولكي تخفف عني عبء فضولي ، قالت : إنها في حالة مشابهة ، كانت ستفعل بالرسالة مثلما فعلت أنا .. وعلقتْ على عبارتي : ( كوننا شرقيين ) ، التي سوغتُ بها فضولي ، مستنكرة لصق تـُهَمِنا بالشرق ، وألا نجعل شرقيتنا مسوِّغا لتصرفاتنا الخارجة عن إرادتنا ، كالفضول مثلا ..

وقالت : إن العلم والعقل كفيلان بمساعدتنا على محاكمة مشاكلنا محاكمة عقلية ، ومحاولة حلها ، وبالتالي التغلب على ظروفنا الاجتماعية القاسية ، وإلا ، فالنسيان عزاؤنا ، لا الخضوع والاستسلام ..

في الحقيقة ، لم أكن أتوقع ردا كهذا ، بل ، لم أكن أتوقع ردا على الإطلاق .. أما أن يأتيني مثل هذا الرد الدسم ، فذاك ما دفعني للكتابة إليها من جديد ، لشعوري أنها حشرتني بين المطرقة والسندان ، وهو مكان لا يعجبني ، ولا أحسد نفسي عليه ..

 

ووصلتني رسالتها الثانية مؤرخة في 12/07/1986 ..

وقالت : إنها قررت الكتابة إلي ، رغم اعتراض صديقاتها ، لأنها وجدت مني تشجيعا غير مباشر لاستمرار تبادل الرسائل ، ولم تذكر لي شيئا عن اعتراضات صديقاتها .. ( لكني سألتها عن ذلك فيما بعد ، في ردي عليها ) ..

وأضافت شارحة سبب قرارها بمراسلتي قائلة : من الممتع بالنسبة لها أن تكتب ما يجول في خاطرها وتناقشه مع رجل على درجة من كذا وكذا وكذا والاحترام ..

لكنها ـ بعد أن استشفت من رسائلي أني سريع الغضب ـ اشترطت : " الصراحة التامة ، وبدون أن أغضب " .. وأنها لا تريد أن ترد على كلامي لمجرد الرد ، بل هي تود مناقشته حتى ولو كان رأيها غير صحيح ، المهم أن يكون مقنعا .. وتضيف : إذا وافقتَ على هذه الشروط ، فيمكنك متابعة قراءة رسالتي ..

طبعا هي تعرف أنني سأقرأ الرسالة سواء وافقت على الشروط أم لم أوافق .. لكني وافقت ضمنا ..

وحين أوغلتُ بالقراءة ، وجدتها (تفصفص) رسالتي بحِرفية الجزار الذي يسلخ جلد الشاة عن لحمها ..

قالت : تقول في رسالتك : إنك لم تتوقع رسالة " دسمة " مني ، ولم يكن في ذهنك أنني حقا من هواة كرة القدم وأنني أتابع مباريات كأس العالم .. هل السبب برأيك أنني فتاة ؟! إذا كان الأمر كذلك ، فهنا يكمن مفهوم " الشرق " ، وأتركُ هذا الأمر الآن ، لأن فهْمَنا للشرق يبقى نسبيا .. وأنا كثيرة المناقشة إلى حد يثير الملل أحيانا ، وكثيرة السؤال ، وأرغب في معرفة معظم الأمور .. لست فضولية .. لكن في رأسي أفكارا كثيرة وتساؤلات عن حياتنا القصيرة .. أستغرب ما يفعله الناس ببعضهم .. فليتذكروا دائما أن الموت يهمس باستمرار : " عِشْ حياتك ، فأنا قريب منك " ..

أقرأ الجرائد اليومية .. وأعشق فيروز .. وأحب كل أغنية تعبّر عن معنى ما .. أحب الرياضة وأهوى المطالعة وقراءة الشعر ، حتى إنني أقرأ قصص الأطفال أحيانا لأعرف ما الذي نقدمه لأطفالنا ..

عمري ثلاثة وعشرون عاما ، من مواليد 1963 .. وأعتقد جازمة ـ وهذه استعارة منكَ ـ أنني سبقتكَ في كثرة الكلام ، وأرجو رجاء حارا أن تتحلى برحابة الصدر والصبر .. وأكرر رجائي ـ يا سيدي ـ بقبول اعتذاري عما جاء في الرسالة ، ولك الحرية في أن تجيب عن تساؤلاتي ..

وقالت : أسلوبك ممتع ومشوق فعلا ، ولقد حاولت الكتابة مثلك ، ولكن بعد أن قرأت كتابتي أدركت فشلي ..

 

انتهت هنا رسالتها الثانية ، وبقي أن أخبرك أنها في الرسالتين السابقتين ، كانت تخاطبني : السيد عصام ..

 

في رسالتها الثالثة إلي  07/08/1986 ، كتبتْ في مقدمتها : إلى الصديق أبو غالب ..

 

هذا يعني أنها وافقت على طلبي بأن نكون أصدقاء ..

وبدأت رسالتها بالاعتذار عن التأخر في الرد ، فمسؤولياتها بعد سنوات من رحيل أمها ، حتـّمتْ عليها القيام بواجباتٍ لا يمكن أن يؤديَها غيرها ، وهذا ما يجعل وقتها ضيقا لا يسمح لها بكتابة رسالة تعادل ـ على الأقل ـ ما يصلها مني ..

وتقول : إنها من جديد ، ردت علي متجاهلة اعتراض صديقاتها ، اللواتي نصحْنها بعدم التورط ـ وهي المِكلامة ـ مع رجل مجهول لا تعرف عنه شيئا ، ولا تعرف نواياه ولا خلفياته ولا توجهاته ..

ثم سردت لي رأيهن قائلة : إن طيبة قلبها ، وسرعة ثقتها بالناس ، ونوع تفكيرها ، كل ذلك سيجلب لها أوجاعا ومشاكل هي بغنى عنها ، ولاسيما حين يتعلق الأمر بمراسلات مع مَن لا تربطها به أية صلة .. ووصفت لبنى ذلك بأنه : من باب النصح لها والحرص عليها .. ليس إلا .. لكنها مقتنعة بما تفعل ، ولن يؤثر رأيهن على موقفها مني .. 

وقالت : إنها موافقة على كل ما كتبته لها ، لأنها وجدت فيه تشابها كبيرا بما يجول في خاطرها ، لكنها تحتاج إلى قدرة التعبير عنها مثلي ، إلى درجة أن إحدى زميلاتها طلبت إعادة قراءة رسائلي لإعجابها بها ، فعلقت لبنى مازحة : أعتقد بأنني سأنسخ عدة نسخ من رسائلك وأبيعها ..

توقف عصام عن الكلام وهو يشعل سيكارته ، وبدا كأنه يريد مني تعليقا ما .. وحين لم أعلق ، قال لي بنزق : أرأيت كيف يتلقف الناس المثقفون آرائي ؟!

ابتسمت ، وقلت له : ادع ربك ألا نتأخر عن إنجاز أعمالنا ، وإلا سنضطر للمبيت في الشام ..

قال : وماذا وراءك ؟! وإن بتنا !! لن يتغير نظام الكون ..

قلت : لا بأس .. الأفضل أن نعود ، والأفضل أن تكمل كلامك .. فيجب أن أعرف كل شيء قبل أن نبدأ البحث عنها ..

قال : وكان الجزء الأكبر من رسالتها هذه ، محاضرة عن المرأة في سوريا ودورها ومكتسباتها في الحياة العامة والبيت ..

ومن هذا المنطلق ، تحدثت عن نفسها : بأنها لا تخشى على نفسها من كلمة " عانس " إذا أطلقت عليها .. لأنها تعيش تناقضا داخليا بين أن تخوض تجربة زواج ناجح يرتب عليها مسؤولية أن تكون ربة بيت ناجحة ، وهذا ما يتناقض مع ثقافتها وعلمها وصحتها النفسية ، وفي نفس الوقت ، هي لا تستطيع تخيل فارس أحلامها الذي سيخلصها من حالة الكبت الاجتماعي والشخصي .. وعليه : فهي تفضل العنوسة مع العلم والثقافة ، على زواج فاشل يحطمها ويحطم أولادها وأسرتها ، أو يتركها أسيرة المنزل الزوجي ..

كما أخبرتني أنها الثالثة بين أربع أخوات .. تزوجت الكبرى من شاب لبناني وتعيش معه في صيدا ، وانخطبت الثانية لأخيه .. وبقيت هي والصغرى ندى ، التي نالت الثانوية العامة هذا العام .. واستقالت لبنى من عملها في إحدى الشركات بعد رسوبها العام الماضي في السنة الثالثة ، نتيجة انهماكها في مسؤوليات البيت ورعاية أختها ندى التي تعاني شيئا من البدانة ، أثر على نفسيتها وصارت تميل للانعزال ، واهتزت ثقتها بنفسها ، ونتج عن ذلك بعض المتاعب مع المحيط الأسري والعائلي والاجتماعي ..

لكنها تقول : إنها الآن تجاوزت أصعب مراحل الأزمة ، وصارت تبحث عن عمل من جديد بعد تحسن أحوال وظروف أختها ..

وسألتني في ختام رسالتها : برأيك ، هل الإنسان مخير أو مسيّر ؟ وأضافت : إن صديقتها وصفتني بأني مغرور ، لكن لبنى دافعت عني قائلة : بل هي الثقة بالنفس وإخفاء الجوانب الشخصية ..

بالله عليكَ يا صديقي : أتراني كما قالت لبنى ، أم كما قالت صديقتها ؟!..

قهقهت وقلت : أنا لا أراك .. لكني سأدخل إلى سراقب ..

ما رأيك بهيطلية أبي أيمن ؟ ألا تريد أن تأكل دوبل هيطلية ؟ ..

 

ـ 2 ـ

 بعد أن تجَنـَّبَت الطريقُ الدولية المرورَ في سراقب ، صار الوصول إلى محل أبو أيمن عويصا .. لكن لذة مرطباته التي يقدمها ، تستحق مغامرة الدخول إليه ، وتستحق أن يتناول الزائر صحنين منها ..

بسرعةٍ ، أنهى عصام صحنه الأول ، وأشار لأحدهم بإحضار اثنين آخرين ..

لا أعرف كيف يستطيع أن يلتهم بوظة الهيطلية سريعا ، دون أن يتصدع رأسه كما يحصل لي !!..

وضع العامل صحنا ثانيا لكل منا .. وقبل أن ينتهي عصام من صحنه الثاني ، دفعت صحني أمامه ..

نظر إلي متسائلا ، فقلت له : لا حيلة لي معه في هذا الصباح ..

أشعل سيكارته مذ ركبنا السيارة ، واستلقى إلى الوراء .. لم يكترث بتنحنحي ، ولا بمحاولتي إخراجه عن صمته .. كأنه يريد أن يشعرني باستيائه .. لا بأس ، لكن صار بي شوق لسماع بقية الرسائل ..

انتظرت انتهاء سيكارته ، فانتهت ولم يتكلم ..

لزمتُ الصمت وتشاغلتُ بسماع المذياع .. فأغمض عينيه كأنه يريد النوم ..

أطفأتُ المذياع ، وفرملتُ بقوةٍ نوعا ما ، فأدرك أني محتج على نومه ..

قال : ماذا تريد ؟

قلت : لا تنم على الأقل ..

قال : وعلى الأكثر ؟!

قلت : أكملْ كلامك .. دعنا نتسلَّ ..

قال : إذا كان كلامي لمجرد التسلية ، فيمكنني أن أسرد لك حكايات أخرى تسليك من هنا للمريخ ..

نظرت إليه كأني أعتذر ، فأشاح عني ..

قلت له : كلي آذان مصغية ..

 

اعتدل قليلا ، واستخرج من حقيبته مظروفا ، استل أوراقا منه .. تنهد ، ثم قال :

هذه رسالتها الرابعة ، مؤرخة في 23/08/1986 .. 

وقد عبرتْ فيها ـ بعد الأسف المعتاد عن التأخر في الرد ـ عن غضب إحدى صديقاتها الشديد من كتابتي عنها ، لأني وصفتها بالسطحية وبعدم تقليب الأمور ومحاكمتها بما يجب من الوعي والنضج .. ولأنها تتدخل بما لا يعنيها محاولة فرض آرائها على صديقتها ..

لكن لبنى تقول : ليزعل من يزعل أنا لن أتوقف عن مراسلتك ..

وحين قرأتُ رسالتها هذه لأول مرة ، انتابني عجب من كلام لم أرَ له مناسبة ، وجاء في الترتيب مباشرة بعد الكلام الذي سردته لك .. لذلك ، لا تعجب ـ مثلي ـ من سماعه الآن .. ستعرف مناسبته فيما بعد ..

قالت لبنى ، وبدون مقدمات :

الشاب عموما ، مسكين وضعيف ، يتخفى وراء الدين والعادات ، ثم أتى القانون لحمايته ، ولإثبات تفوقه على الفتاة التي لا يفضلها بشيء ..

بينما مجتمعنا ، مجتمع امرأة ، وليس مجتمع رجل ..

فمعظم القرارات التي تتخذ في المنزل ـ وخاصة المتعلقة بشؤون الأسرة ، والهامة منها ـ يتحرك بها لسان الرجل ، لكن المحرك الأساسي لها هو المرأة التي تكون قد أصدرت القرار ، إما من المطبخ أو من المهجع ..

وتقول : أعجبتها كتابتي عن " التقدمية " وعدّتها الأجمل في رسالتي إليها ..

ثم ، وعن مطالعاتها واهتماماتها ، أجابتني : أنا أبحث الآن عن كتاب يتحدث عن المافيا ، لأعرف شيئا عنها ، كما أني شغوفة جدا بالمواضيع السياسية والتاريخية ..

وتهتم بالقراءة كثيرا ، وتعشق المسرح ، وتجمع العملات القديمة والطوابع .. وتحب السباحة والمشي باكرا وتحت المطر ..

تجيد لعب الشطرنج .. وتلعب التنس مرتين أسبوعيا ..

توقف عصام ، واستلقى كأنه تعِبٌ من شيء ما ..

قلت له : ما هذه الصديقة يا عصام ؟! أيعقل أن تكون صادقة في كل ما تقول ؟! أي فتاة تستطيع أن تكون كل تلك الفتيات ؟! ألا ترى معي أنها سوبرمان في كل شيء ؟! كيف استطاعت أن تهتم بكل تلك الاهتمامات ؟! من المافيا إلى السياسة ، إلى المطالعة والشعر والمسرح والفلسفة والتفلسف والعملات والطوابع ، إلى الرياضة والشطرنج والتنس والسباحة إلى الدراسة والعمل والصداقة والحب ، إلى البيت ومسؤولياته وأختها ؟!

أنا لا أستطيع القيام بربع تلك الأشياء .. هل تستطيع ذلك أنت ؟! إنها تبالغ كثيرا يا عصام ، ووجدَتْ مَن يُصغي إليها ..

صاح عصام : يا أخي أنا لم أجبرْكَ على الإصغاء .. انتهينا .. قف هنا .. سأنزل وأعود إلى حلب ، وسآخذ رأيك هذا على محمل الجد : لن أذهب إلى الشام ، ولن أبحث عنها .. لو سمحتَ ، قف سأنزل ..

طبعا لم أقف ، ولم يكن سهلا " استعادة النظام " ـ كما يقال في اللغة الكومبيوترية ـ بعد ذاك التوتر ..

المهم .. تمت السيطرة على الموقف ، وتجاوزناه مع المتابعة الحثيثة مني ..

…………..

قالت مجيبة على سؤالي عن أحوال أسرتها :

وراح يقرأ : لي أخوان من أبي وأخت ، هي التي تسكن في حلب ..

أبي أكبر من أمي بثلاثين سنة ، وهو حي ، يسكن في بلد عربي آخر ..

كان يحب أمي كثيرا إلى درجة أنه تعذب بحبه لها ، وتعذبت أسرتنا كلها بعد أن كثرت مشاجراتهما ، فانهارت أمي ، ورحل أبي وأولاده ، وتركنا صغيراتٍ وحيداتٍ مع أمنا المريضة ..

أبي الآن في الثمانين ، ولم نره منذ ثماني سنوات .. ومنذ ثلاث سنوات ماتت أمي بعد سنوات من المرض واعتزال الناس ، لأنهم كانوا قساة جدا عليها كما تقول .. وكانت تحمل في قلبها من الحب والطيبة ما يكفي البشر جميعا ..

أنا الآن مشتاقة إليهما كثيرا ، وأفتقدهما كثيرا ..

وإخوتي من أبي لم نرهم منذ سنين ..

صمدنا نحن البنات الأربع ، وصبرنا ، ولم تقصّر أختنا الكبرى في رعايتنا حتى تزوجت ، فبتنا أنا والصغرى ندى ، كابنتين لأختنا الأكبر رندة ، حيث عوضتنا عن كل شيء في غياب والديْنا ..

رندة عظيمة بحق .. تتمتع بشخصية قوية وهادئة .. تصرفاتها دائما متزنة ومحسوبة ، وقدّمت تضحيات ومساعدات من أجلي لن أنساها ما حييت ..

واعتمدنا على أنفسنا في كثير من الأمور ..

هل تتصور أنني أنا ورندة قمنا بتدهين الصالون على خير ما يرام ؟؟!!

ولمَ لا ؟! كان ذلك ضروريا جدا قبل أيام من حفل خطوبتها .. 

إن أكثر ما يعذبني حاليا يا صديقي ، أن علاقتي بـ ندى ليست حميمة .. فقد ازدادت انطوائيتها بعد خطوبة رندة ، كونها متعلقة بها إلى حد كبير ، ولا أعرف كيف سأستطيع تجاوز هذه المشكلة بعد زواج رندة ..

ندى لا تثق بي كوني أكبر منها بثلاث سنوات فقط ، فهي لا تجدني أهلا لتحمل المسؤولية وحمايتها .. ولا تشعر أني مصدر عاطفي هامّ لها ، بل ترى أني أنا أحتاج لكل ذلك مثلها وأكثر ، وأن فاقد الشيء لا يعطيه ..

وما زالت حساسيتها الفائقة تعذبني وتقض علي كل أوقاتي ..

وهي في قلبي وعقلي دوما .. وحين أزور الصديقات أو الأقارب تكون معي ..

ولي صداقات من الجنسين ، وقد استطعنا اكتساب احترام الجميع وثقتهم .. وصادفت شبانا حاولوا التقرب مني ، بيد أني كنت أهرب لأن صدى كلمات رندة يتردد في عقلي ..

وقد لقبني أصدقائي وصديقاتي بـ ( الموناليزا ) ، لأنني دائما مبتسمة ، وحزن العالم يطل من عيني حسب قولهم ..

أنا لا أشعر بالفراغ أبدا ، بل على العكس تماما .. فإن الأربع والعشرين ساعة لا تكفيني لأقوم بكل ما عليّ ..

وكما قلت سابقا ، أنا أؤمن بوجود الخير في داخل كل إنسان إلى جانب الشر .. لكنني أحيانا أنصدم ، فأقرر أن أكون أنانية حسب القانون الساري في علاقاتنا الاجتماعية هذه الأيام ..

في النهاية .. ليس هناك مطلق .. وأنا لا أطلب ثوابا أو شكرا من أحد .. يكفيني أن أنام مرتاحة البال والضمير ..

لا أحب الكذب ولا أمارسه ، ولا أتقنه .. وثقة رندة بي حمّلتني مسؤوليات مضاعفة ..

بعد الثانوية العامة ، التحقتْ ندى بمعهد الآثار والمتاحف .. لكني لا أدري ماذا ستتخرج منه ، مسلّة أثرية مثلا ؟!

أخوالي يزوروننا ويساعدوننا عند المقتضى .. وقد أدركوا أننا صرنا فوق سن الوصاية ..

ذهبتُ في رحلة إلى معلولا .. وكنت سعيدة جدا لولا مصارحة أحدهم لي بحبه ، وبأنه يريد الزواج والهجرة إلى أستراليا .. هو طبيب أسنان وشقيق صديقتي ، وأنا أحبه أيضا ، لكنني قلت له : لا .. فغضب الجميع مني ، وأنا مصرّة ألا أترك ندى لتعيش في غير بيتها ( عند أخوالي مثلا ) ..

إحدى صديقاتي قالت لي : ممَّ تخافين وأنت بلا أم ولا أب ؟!

قلت : أخاف من نفسي ، وأخاف على نفسي .. وأنا لن أخون واجبي وثقة أختي رندة ولو على حساب قلبي ..

لست متشائمة إطلاقا .. ولكنني دائما أتذكر همسات الموت ، وخوفي من الشيخوخة ، وأتمنى أن أموت وأنا في قوتي ..

بعد أن استلمتُ رسالتكَ ، وجدتُ نفسي ناجحة في إحدى مواد السنة الرابعة ..

أرجو ألا أكون قد أثقلت عليك .. لكنني طامعة في رحابة صدرك ..

رسائلك صارت أكثر تداولا ، وكثر محبوك وقراؤك ومنتقدوك بعد انتشارها كالمتوالية الهندسية ، وحتى بين صديقات رندة ، وإحداهن نسختْ معظم فقراتها ..   

 

لم يلتقط أنفاسه لأن تدخينه متواصل ، ولم أعترض حين استل أوراق الرسالة التالية ، وراح يكمل بلا توقف ..

 

الرسالة الخامسة ـ 09/09/1986

 

فيما مضى ، كنت لا أقوى على الاعتذار من أحد .. لكن رندة والأيام علمتاني أن الاعتذار شجاعة لا يقوى عليها الجميع .. خاصة حين أكون على خطأ ، كما أنا عليه الآن ، فأعتذر بروح رياضية ..

وكنت لا أود أن تكون أولى كلماتي اعتذارا عن التأخر في الرد ، بما يتنافى مع حبي الشديد للدقة في التزاماتي ..

لكن ، صدقني يا صديقي ، لقد تأخرتُ في استلام رسالتك ، لغيابي عن الكلية ، وسارعت فور استلامها للرد عليك ، وأنا آسفة جدا ، وأعلم أنك ستقبل اعتذاري ، لأنكَ ـ وربي ـ رحب الصدر وواسعه ..

وأعتقد أن المقدمة في رسائلي ستكون واحدة ، وهي الاعتذار دوما ..

وبعد يا صديقي .. فآخر ما كنت أتصوره ، أن أكون كاتبة أو قاصة .. إذ سبق أن كتبت بعض الخواطر ، لكني استبقيتها لنفسي .. ولم يطلع عليها أحد ..

ولم أعد أتذكر مضمون رسالتي السابقة ، وحاولتُ أن أتذكر شيئا من سردها بعد أن قرأتُ توصيفكَ لها ، ومع ذلك ، أستبعد أن أكون " قاصة " كما قلت ..

اليوم ، حضرتُ أمسية شعرية للشاعر اليمني الكفيف " عبد الله البردوني " في المركز الثقافي ..

وقبل ذهابي للأمسية ، اشتريت ديوانا له ، وقرأته ، وقرأت ما نشرتْ عنه الصحفُ ، لكني ذهبت وحيدة إلى الأمسية بعد أن رفض الجميع الذهاب معي بذريعة " عدم معرفتهم بشعره " ..

هناك ـ يا صديقي ـ كنت سعيدة جدا جدا .. فالشاعر البردوني على درجة هائلة من الذكاء ، يصدق معه القول : كل ذي عاهة جبار .. 

فهو يحفظ جميع قصائده غيبا .. وكنت أحاول أن أسجن في ذاكرتي كل كلمة تقال ، وأحسست أني تقدمت خطوة على طريق " الشاعرية " ..

أيرضيك هذا يا صديقي ؟؟

حضر الأمسية وعقب عليها الكاتب شوقي بغدادي الذي أصر على أنه : بانتهاء الشعر العمودي ، يموت الشعر الجيد ..

أما أنا فكدت أقول له : لا يهمنا إذا كان الشعر عموديا أو غير ذلك ، لأنه في النهاية أسلوب وشكل .. المهم : هو الكلمة الصادقة التي تهزنا من الأعماق ، وتجعلنا نصحو من سباتنا ، لنرى ما يراه هذا المبدع الكفيف ..

لكنني لم أقل ذلك .. ولست بآسفة بمقدار انزعاجي من صديقتي فدوى التي أذهب إليها يوميا لمساعدتها في تعزيل وتوضيب البيت قبيل عودة أمها من السفر ، ولم تشأ أن تذهب معي إلى الأمسية ..

وصحيح أن رندة مستاءة مني لغيابي الطويل اليوم عن البيت بسبب ذلك ، وصحيح أني منزعجة من فدوى ، لكني لن أتوانى عن تقديم ما أستطيع في سبيل الصداقة .. وهذا مبدأ لا يمكن أن أحيد عنه ..

أما وقد سألتني عن حبي .. آآآآآه يا حبي .. ماذا أقول لك يا صديقي العزيز ؟؟

إنه حديث انتهى ، وليس له بقية .. سأحاول نسيانه في غمرة الأيام ، وهذا أفضل .. لأن الشاب يريد أن نتزوج بأقصى سرعة .. فمن سيبقى لـ " ندى " ؟!

على كل حال ، ربما هذه فرصة لي ، وربما يأتي غيرها ، وريما لن يأتي .. فللجحيم .. لا فرق عندي ..

فالزواج الناجح لا تتوفر عوامله حاليا .. ولا أستطيع تقبل احتمال النجاح أو الفشل فيه ..

وفي الحقيقة : أنا أخاف من الزواج ، ولا أحبه .. إن مفهومه ومجرياته يؤديان إلى القيد والعبودية .. وسأترك أمره لحينه .. أما الآن ، فلا .. ولا أريد مناقشة أو تفكيرا فيه ..

أنا أعي أن في كلامي تناقضا .. ولأني اعتدت على الوضوح ، فكيف أقول : الآن ، لا ، وأترك مجالا للغد لأقول : نعم ؟!

أهي علاقة مؤقتة تنتهي بالزواج ؟!

يريدون مني أن يبقى حبنا سرا ..

وأنا لا أستطيع أن أعيش حياة سرية لثلاث سنوات على الأقل ، بانتظار تغيّر مجموعةٍ من الظروف المعيقة ..

كما أني لا أستطيع إعلانه حاليا ..

فقلت لهم : لن أهدم ما بنيناه من ودّ وصداقة طوال هذه السنين ، من أجل عاطفة تغلب على العقل الذي أحاول أن يكون دائما مرشدي ودليلي ..

ولا تزال محاولات الشاب مستمرة ، وأنا مشفقة عليه .. لكنه سينسى .. وفي النهاية : بعض من العذاب لا بد منه لكلينا …

أنا مضطرة للعمل معلمة في مدرسة خاصة بدلا من أختي رندة .. وهو عمل رائع  وأحبه كثيرا ، لكني لا أفضّل ممارسته لأنه يسبب لي تعبا نفسيا وجسميا ، وقد سبق أن جربته في نفس المدرسة .. وأذكر أنني كنت في معظم الأحيان ، أعود إلى المنزل بلا نقود ، لأنني أشتري للأطفال الذين لا يكون معهم ساندويتش ولا نقود ..

فتعلق عليّ رندة : أصبحت عائلتنا كبيرة .. أتمنى أن ترزقي بأطفال ..

أنا ـ يا صديقي ـ شديدة الإخلاص في عملي ، فكيف الحال إذا كنت أتعامل مع أطفال أحببتهم دائما ؟!..

سأقوم بإعطاء بعض الدروس الخصوصية ، حتى أستطيع أن أحافظ على مستوى معيشتنا الجيد ، ولكي تبقى ندى مرتاحة ، متفرغة للدراسة وغير قلقة ، فلا أحرمها من شيء ، وأنا سأحاول التخرج هذا العام ..

تريدني أن أزور حلب ؟! وزيارتك ؟!..

ألا ترى معي أن طلبك صعب قليلا ، وأن زيارتك لدمشق أسهل بكثير ؟!.

ثم ، لماذا هذا الاندفاع والرغبة في رؤيتي ؟!.

اطمئن يا صديقي .. فأنا لست دميمة أبدا ..

وأرجو أن تدع لي المبادرة في طلب بعض الأشياء .. ولن أتردد في طلب أي شيء حين أجد نفسي مدفوعة لمعرفته .. فحين أرغب بلقائك ، أو برؤية صورة لك أو بمعرفة رقم هاتفك ، تأكد أنني أنا سأطلب ذلك منك .. ولن أنتظر مبادرتك .. فتلك من شأنك .. ومبادرتي أنا من شأني أنا ..

ولو بادرتَ ـ مثلا ـ بإرسال صورتك دون أن أطلبها ، فسيسعدني ذلك ، لأنك صديقي ، يا صديقي ..

وصوري تشبهني تماما .. وجهي بيضوي ، وعيناي سوداوان ، وأنفي ليس مدببا .. وبشرتي سمراء فاتحة .. وفي قامتي تناسق مقبول .. 

في الصباح ، حين أذهب للتسوق ، أرتدي الجينز وحذاء رياضيا ، وأسرع في مشيتي ، وأعقد ما بين حاجبي .. وأختلف كثيرا عنه في المساء ، حسب الوجهة والمكان والأشخاص .. لكني أعتني بمظهري أكثر .. ( نبقى إناثا ) ..

وعلى العموم ، ملابسي بسيطة فعلا ، وغالبا ما توافيني بها أختي من لبنان .. وهي تناسب ذوقي بساطة وأناقة وألوانا ..

محفظة يدي كبيرة ، وفيها الكثير من الأوراق والصور ، وزجاجة كولونيا ، وتذاكر لحافلة النقل ، وبعض المناديل الورقية ونقود حسب المتوفر ..

أنا وندى نشكرك لتهنئتها بالنجاح ..

مشكلة ندى ـ يا صديقي ـ أنها بدينة قليلا ، ولكن ، بتناسق .. ووجهها لا يخلو من الجمال والنعومة ، بل هي أحلى مني ( إذا افترضنا أنني حلوة ) .. ونجد صعوبة في اختيار ملابسها ، لعدم التناسب بين سنها وجسمها ..

لذلك ، فإن حساسيتها زائدة ، وردّ فعلها عنيف تجاه القريب ، وتلجأ للانطوائية والبكاء مع الغريب .. أحتاج لوقت طويل حتى أندمج معها .. إنني أجاهد في سبيل ذلك فعلا ، لأنها صعبة المزاج بالرغم من أنها مرحة وطيبة في حالات صفائها ..

جميع صديقاتي يقرأن رسائلك .. ولهن آراء مختلفة ..

ورندة ، تركت لي مسؤولية مراسلتي لك : وإن كانت ترى أنها قد تؤدي إلى متاعب مستقبلية ..

وأرجو ألا تطلب مني مزيدا من الشرح حول رأيها ..

يقولون : إن كلام الليل يمحوه النهار .. وبما أنني أكتب لك رسالتي ليلا ، أخشى أن تصلك بيضاء بلا كلمات .. وسيكون ممتعا أن تتخيل ماذا كنتُ سأكتبُ لك ..

أعرف أن رسالتي فوضوية كغرفتي .. لكني لن أعيد ترتيبها لأن الساعة الآن الثالثة ليلا ، وأشعر بالنعاس والإنهاك .. وعليك أن تتحملني يا صديقي العزيز .. وأرجو أن تتحلى بالصبر وتتخلى عن عصبيتك الواضحة تماما بين سطورك ..

صديقتي فدوى ترسل إليك بسلامها وتحيتها ، لكنها لا تريد الآن الكتابة إليك ، ولا تستغربْ إذا وصلتكَ رسالة منها فيما بعد .. وتقول : هي لن تدع لك مجالا للكشف عن بواطنها ..

 

رمى عصام الأوراق جانبا ، وطلب أن نقف في استراحة مناسبة ، يريد قهوة ..

قلت له : تكرم عيونك .. تستاهل أحلى قهوة ..

 

ـ 3 ـ

" رُبَّ صدفةٍ خيرٌ من ألف ميعاد " ..

كان هذا هو حالنا ، حيث بدا عصام هادئا ونحن نحتسي قهوتنا ، فيما أعاد ترتيب أوراق الرسائل ، وغاصت عيناه بين السطور كأنه يستذكرها ..

سألته : ما رأيك أن نأكل شيئا ؟

قال : أنا لا أريد ، ولا أستطيع ..

طلبت فطائرَ بالجبن وشايًا ..

قلت له : أسمِعْني شيئا مما تقرأ ..

قال : إن للقراءة طقسًا لا تتوفر شروطه في هذا المكان ..

كان يجلس قبالتي وظهره للباب الرئيسي ، حين توقفت حافلة متوسطة ، نزل منها مجموعة من الشبان والشابات ، في مرحلة عمْرية متقاربة ..

راقبتُ اجتماعا سريعا لهم قبل الدخول ، متحلقين حول ثلاثة منهم ، فيما ظل عصام سارحا بين سطور لبنى ..

أعادوا بأنفسهم ترتيب الطاولات ، فجعلوها على شكل قوس ، وجلسوا حولها ، باستثناء شاب وفتاة انفردا قربهم ..

ضجّ المكان بأصواتهم ، وترطبَ الجوُّ بالأصوات الأنثوية ذات النكهة الشآمية اللطيفة ..

وحيث جلسوا ، صار جلهم ورائي ، فاعتدلتُ لتوسيع زاوية الرؤية ، ولذنا بالصمت أنا وعصام على وقع موسيقا الضجيج الصاخبة ..

شاب وفتاتان ـ هم نفس الثلاثة الذين تحلقوا حولهم قبل الدخول ـ جالوا مستمزجين آراء الآخرين فيما يرغبون من طعام وشراب ، ثم ذهب الثلاثة إلى البوفيه وأطالوا الوقوف والأخذ والرد ..

لم ألحظ انعكاسا ذا أهمية في وجه عصام .. كأن كل شيء عادي أو أقل .. وكنت أتوقع أن يعلق بشيءٍ ما على الفتاة والشاب اللذين انزويا يغردان خارج السرب ، لكنه لم يفعل ، بل قال حين سألته عن رأيه : لكلٍّ ظروفه ..

وحين سمعنا صوتا ينادي : لبنى .. لبنى .. سقطت الأوراق من يد عصام .. ولم أكن أقل منه مفاجأة ..

تحركت عيوننا كالرادار النشط باتجاه البوفيه .. التفتتْ إحداهما إلى مصدر الصوت ، وحركت يدها بإشارة استفهام ، ثم خطت باتجاهه ..

اغتنم عصام لحظات وجودها في المدى المجدي لعينيه ، متفرسا في وجهها وقوامها وثيابها ، كأنه يحاول أن يقارن بينها وبين الأوصاف التي وردت في الرسالة ..

ومع لحظات الاكتشاف ، ازدادت ملامحه ذهولا واندهاشا .. وتمنيتُ حقا ، أن تكون هذه هي لبنى التي سنبحث عنها في الشام ..

" أ يُعقل ؟! لِمَ لا !! ..

" كنت أتساءل حذِرا ومرتابا في إمكانية تحقق صدفة بهذا الحجم والنوع .. فليس لأي منا حظ يسعفه في لحظةٍ مفصليةٍ نادرةٍ كهذه ..

" لو ، لو تحققت ، ستوفر علينا كثيرا من الوقت والجهد والعناء المرتبط بكيفية الحصول على التفاصيل التي ستقودنا إلى حيث لبنى .. فأين ستكون ؟! .. ألله تعالى وحده يعلم ..

" ولو تحققت الآن ، لسَعِدَ الجميع ، وذهِلوا بالمفاجأة ، مادامت معظم صديقاتها يعرفن كل شيء عن مراسلاتها مع عصام ..

المزيد


إبرة في كومة قش ـ 2

فبراير 8th, 2012 كتبها y m نشر في , قصة قصيرة, مقهى البث المباشر

 إبرة في كومة قش ـ 2

 قصة :

 بعد أن تجَنـَّبَت الطريقُ الدولية المرورَ في سراقب ، صار الوصول إلى محل أبو أيمن عويصا .. لكن لذة مرطباته التي يقدمها ، تستحق مغامرة الدخول إليه ، وتستحق أن يتناول الزائر صحنين منها ..

بسرعةٍ ، أنهى عصام صحنه الأول ، وأشار لأحدهم بإحضار اثنين آخرين ..

لا أعرف كيف يستطيع أن يلتهم بوظة الهيطلية سريعا ، دون أن يتصدع رأسه كما يحصل لي !!..

وضع العامل صحنا ثانيا لكل منا .. وقبل أن ينتهي عصام من صحنه الثاني ، دفعت صحني أمامه ..

نظر إلي متسائلا ، فقلت له : لا حيلة لي معه في هذا الصباح ..

أشعل سيكارته مذ ركبنا السيارة ، واستلقى إلى الوراء .. لم يكترث بتنحنحي ، ولا بمحاولتي إخراجه عن صمته .. كأنه يريد أن يشعرني باستيائه .. لا بأس ، لكن صار بي شوق لسماع بقية الرسائل ..

انتظرت انتهاء سيكارته ، فانتهت ولم يتكلم ..

لزمتُ الصمت وتشاغلتُ بسماع المذياع .. فأغمض عينيه كأنه يريد النوم ..

أطفأتُ المذياع ، وفرملتُ بقوةٍ نوعا ما ، فأدرك أني محتج على نومه ..

قال : ماذا تريد ؟

قلت : لا تنم على الأقل ..

قال : وعلى الأكثر ؟!

قلت : أكملْ كلامك .. دعنا نتسلَّ ..

قال : إذا كان كلامي لمجرد التسلية ، فيمكنني أن أسرد لك حكايات أخرى تسليك من هنا للمريخ ..

نظرت إليه كأني أعتذر ، فأشاح عني ..

قلت له : كلي آذان مصغية ..

 

اعتدل قليلا ، واستخرج من حقيبته مظروفا ، استل أوراقا منه .. تنهد ، ثم قال :

هذه رسالتها الرابعة ، مؤرخة في 23/08/1986 ..  

وقد عبرتْ فيها ـ بعد الأسف المعتاد عن التأخر في الرد ـ عن غضب إحدى صديقاتها الشديد من كتابتي عنها ، لأني وصفتها بالسطحية وبعدم تقليب الأمور ومحاكمتها بما يجب من الوعي والنضج .. ولأنها تتدخل بما لا يعنيها محاولة فرض آرائها على صديقتها ..

لكن لبنى تقول : ليزعل من يزعل أنا لن أتوقف عن مراسلتك ..

وحين قرأتُ رسالتها هذه لأول مرة ، انتابني عجب من كلام لم أرَ له مناسبة ، وجاء في الترتيب مباشرة بعد الكلام الذي سردته لك .. لذلك ، لا تعجب ـ مثلي ـ من سماعه الآن .. ستعرف مناسبته فيما بعد ..

قالت لبنى ، وبدون مقدمات :

الشاب عموما ، مسكين وضعيف ، يتخفى وراء الدين والعادات ، ثم أتى القانون لحمايته ، ولإثبات تفوقه على الفتاة التي لا يفضلها بشيء ..

بينما مجتمعنا ، مجتمع امرأة ، وليس مجتمع رجل ..

فمعظم القرارات التي تتخذ في المنزل ـ وخاصة المتعلقة بشؤون الأسرة ، والهامة منها ـ يتحرك بها لسان الرجل ، لكن المحرك الأساسي لها هو المرأة التي تكون قد أصدرت القرار ، إما من المطبخ أو من المهجع ..

وتقول : أعجبتها كتابتي عن " التقدمية " وعدّتها الأجمل في رسالتي إليها ..

ثم ، وعن مطالعاتها واهتماماتها ، أجابتني : أنا أبحث الآن عن كتاب يتحدث عن المافيا ، لأعرف شيئا عنها ، كما أني شغوفة جدا بالمواضيع السياسية والتاريخية ..

وتهتم بالقراءة كثيرا ، وتعشق المسرح ، وتجمع العملات القديمة والطوابع .. وتحب السباحة والمشي باكرا وتحت المطر ..

تجيد لعب الشطرنج .. وتلعب التنس مرتين أسبوعيا ..

توقف عصام ، واستلقى كأنه تعِبٌ من شيء ما ..

قلت له : ما هذه الصديقة يا عصام ؟! أيعقل أن تكون صادقة في كل ما تقول ؟! أي فتاة تستطيع أن تكون كل تلك الفتيات ؟! ألا ترى معي أنها سوبرمان في كل شيء ؟! كيف استطاعت أن تهتم بكل تلك الاهتمامات ؟! من المافيا إلى السياسة ، إلى المطالعة والشعر والمسرح والفلسفة والتفلسف والعملات والطوابع ، إلى الرياضة والشطرنج والتنس والسباحة إلى الدراسة والعمل والصداقة والحب ، إلى البيت ومسؤولياته وأختها ؟!

أنا لا أستطيع القيام بربع تلك الأشياء .. هل تستطيع ذلك أنت ؟! إنها تبالغ كثيرا يا عصام ، ووجدَتْ مَن يُصغي إليها ..

صاح عصام : يا أخي أنا لم أجبرْكَ على الإصغاء .. انتهينا .. قف هنا .. سأنزل وأعود إلى حلب ، وسآخذ رأيك هذا على محمل الجد : لن أذهب إلى الشام ، ولن أبحث عنها .. لو سمحتَ ، قف سأنزل ..

طبعا لم أقف ، ولم يكن سهلا " استعادة النظام " ـ كما يقال في اللغة الكومبيوترية ـ بعد ذاك التوتر ..

المهم .. تمت السيطرة على الموقف ، وتجاوزناه مع المتابعة الحثيثة مني ..

…………..

قالت مجيبة على سؤالي عن أحوال أسرتها :

وراح يقرأ : لي أخوان من أبي وأخت ، هي التي تسكن في حلب ..

أبي أكبر من أمي بثلاثين سنة ، وهو حي ، يسكن في بلد عربي آخر ..

كان يحب أمي كثيرا إلى درجة أنه تعذب بحبه لها ، وتعذبت أسرتنا كلها بعد أن كثرت مشاجراتهما ، فانهارت أمي ، ورحل أبي وأولاده ، وتركنا صغيراتٍ وحيداتٍ مع أمنا المريضة ..

أبي الآن في الثمانين ، ولم نره منذ ثماني سنوات .. ومنذ ثلاث سنوات ماتت أمي بعد سنوات من المرض واعتزال الناس ، لأنهم كانوا قساة جدا عليها كما تقول .. وكانت تحمل في قلبها من الحب والطيبة ما يكفي البشر جميعا ..

أنا الآن مشتاقة إليهما كثيرا ، وأفتقدهما كثيرا ..

وإخوتي من أبي لم نرهم منذ سنين ..

صمدنا نحن البنات الأربع ، وصبرنا ، ولم تقصّر أختنا الكبرى في رعايتنا حتى تزوجت ، فبتنا أنا والصغرى ندى ، كابنتين لأختنا الأكبر رندة ، حيث عوضتنا عن كل شيء في غياب والديْنا ..

رندة عظيمة بحق .. تتمتع بشخصية قوية وهادئة .. تصرفاتها دائما متزنة ومحسوبة ، وقدّمت تضحيات ومساعدات من أجلي لن أنساها ما حييت ..

واعتمدنا على أنفسنا في كثير من الأمور ..

هل تتصور أنني أنا ورندة قمنا بتدهين الصالون على خير ما يرام ؟؟!!

ولمَ لا ؟! كان ذلك ضروريا جدا قبل أيام من حفل خطوبتها ..  

إن أكثر ما يعذبني حاليا يا صديقي ، أن علاقتي بـ ندى ليست حميمة .. فقد ازدادت انطوائيتها بعد خطوبة رندة ، كونها متعلقة بها إلى حد كبير ، ولا أعرف كيف سأستطيع تجاوز هذه المشكلة بعد زواج رندة ..

ندى لا تثق بي كوني أكبر منها بثلاث سنوات فقط ، فهي لا تجدني أهلا لتحمل المسؤولية وحمايتها .. ولا تشعر أني مصدر عاطفي هامّ لها ، بل ترى أني أنا أحتاج لكل ذلك مثلها وأكثر ، وأن فاقد الشيء لا يعطيه ..

وما زالت حساسيتها الفائقة تعذبني وتقض علي كل أوقاتي ..

وهي في قلبي وعقلي دوما .. وحين أزور الصديقات أو الأقارب تكون معي ..

ولي صداقات من الجنسين ، وقد استطعنا اكتساب احترام الجميع وثقتهم .. وصادفت شبانا حاولوا التقرب مني ، بيد أني كنت أهرب لأن صدى كلمات رندة يتردد في عقلي ..

وقد لقبني أصدقائي وصديقاتي بـ ( الموناليزا ) ، لأنني دائما مبتسمة ، وحزن العالم يطل من عيني حسب قولهم ..

أنا لا أشعر بالفراغ أبدا ، بل على العكس تماما .. فإن الأربع والعشرين ساعة لا تكفيني لأقوم بكل ما عليّ ..

وكما قلت سابقا ، أنا أؤمن بوجود الخير في داخل كل إنسان إلى جانب الشر .. لكنني أحيانا أنصدم ، فأقرر أن أكون أنانية حسب القانون الساري في علاقاتنا الاجتماعية هذه الأيام ..

في النهاية .. ليس هناك مطلق .. وأنا لا أطلب ثوابا أو شكرا من أحد .. يكفيني أن أنام مرتاحة البال والضمير ..

لا أحب الكذب ولا أمارسه ، ولا أتقنه .. وثقة رندة بي حمّلتني مسؤوليات مضاعفة ..

بعد الثانوية العامة ، التحقتْ ندى بمعهد الآثار والمتاحف .. لكني لا أدري ماذا ستتخرج منه ، مسلّة أثرية مثلا ؟!

أخوالي يزوروننا ويساعدوننا عند المقتضى .. وقد أدركوا أننا صرنا فوق سن الوصاية ..

ذهبتُ في رحلة إلى معلولا .. وكنت سعيدة جدا لولا مصارحة أحدهم لي بحبه ، وبأنه يريد الزواج والهجرة إلى أستراليا .. هو طبيب أسنان وشقيق صديقتي ، وأنا أحبه أيضا ، لكنني قلت له : لا .. فغضب الجميع مني ، وأنا مصرّة ألا أترك ندى لتعيش في غير بيتها ( عند أخوالي مثلا ) ..

إحدى صديقاتي قالت لي : ممَّ تخافين وأنت بلا أم ولا أب ؟!

قلت : أخاف من نفسي ، وأخاف على نفسي .. وأنا لن أخون واجبي وثقة أختي رندة ولو على حساب قلبي ..

لست متشائمة إطلاقا .. ولكنني دائما أتذكر همسات الموت ، وخوفي من الشيخوخة ، وأتمنى أن أموت وأنا في قوتي ..

المزيد


إبرة في كومة قش ـ 1

فبراير 3rd, 2012 كتبها y m نشر في , قصة قصيرة, مقهى البث المباشر

 إبرة في كومة قش ـ 1

 

قصة : 


 كان إلحاح عصام ، وطلبه أن يسافر معي إلى دمشق ، سببا رئيسيا ، جعلني أسافر بسيارتي ، قاطعا مسافة طويلة في الذهاب والإياب .. وكان من الممكن أن أوفر ذاك العناء ، لو سافرنا بالقطار أو بالحافلة ، أو بالطائرة ، حتى ..

فليس لي من العمل الكثير في دمشق ، وتكفيني سويعات أقضيها في اجتماع عمل قبل الظهر ، وسأعود بعدها فورا ..

وقد أفضى لي عصام ، بأنه يريد أن نسافر بسيارتي ، كي تساعدنا على البحث عن " لبنى " ..

سألته : من تكون لبنى هذه يا عصام ؟

لم يجبني وقتها عن سؤالي ، لكنه قال : سيكون لنا متسع من الوقت ونحن في الطريق ، وسأحكي لك بالتفصيل الممل ..

قلت : لا أريد مفاجآت يا عصام .. خبرني شيئا الآن ..

 

قال : انقطعت أخبارها عني بعد عاشر رسالة منها .. ولا أعرف سوى اسمها ونسبتها وعنوان المراسلة ..

وبعد أن قرأ ملامح وجهي ، أضاف : أتكفي هذه المعلومات للسؤال عنها في الجامعة ؟؟ أو ، لعلنا نتمكن من الحصول على عنوان سكنها من ملفها الشخصي في شؤون الطلاب ..

قلت وأنا أستدير عنه : لأن دمشق أكبر من قريتنا بقليل ، فإننا ـ وبسهولة فائقة ـ نستطيع أن نعثر على الإبرة في كومة القش الكبرى !!

استاء من سخريتي ، وأرغى وأزبد ، وغادر المكان ..

ولم أرغب في مزيد من استفزازه ، لكني ـ أمام حماسه واهتمامه وعصبيته ـ لم أضع العصي في عجلات المركبة ، كي لا يتهمني سلفا بتسفيه آرائه ، أو الاستخفاف بمشاعره ، للتهرب وتجنب مساعدته ..

وكنت حريصا أن أستمع منه لدواعي اهتمامه بـ " لبنى " ، مادام ليس بينهما سوى المراسلات البريدية .. وهو لم يحدثني عنها مسبقا على غير المألوف بيننا ..

ضحكت في سري وأنا أتذكر قول بشار بن برد ، الشاعر الكفيف :

" والأذن تعشق قبل العين أحيانا " ..

ومنذ أن ركبنا طريق الشام ، لم يكن يفعل شيئا سوى التدخين ، والاسترخاء على كرسيه إلى الوراء ، واستحضار حواراته معها ، كأنه في عيادة طبيب نفسي ..

وقد أذهلني بمقدرته على التسلسل السردي واستعراض الأحداث ، وإن كان يستعين أحيانا بقراءة مقاطع محددة من الرسائل ، حين يريد أن يكون دقيقا في إيصال الفكرة إلي .. وكأنه يوثق شيئا ما للتاريخ ..

في الحقيقة ، أسعدني ذلك ، وإن وجدتُ في طريقته شيئا من المبالغة في الاحتراس والتوثيق .. فالأمر بالنسبة لي واطئ السقف ، كون الحكاية مسدودة الأفق حتى الآن ، ولا أريد أن تكون أكثر من مجرد حكاية نتسلى بها ونحن في الطريق إلى الشام ..

وطالما سافرنا كثيرا معا .. وقطعنا مسافات ومسافات .. لكني لم أره على هذه الهيئة من الترقب والقلق والحيرة ، حتى كدت أتركه في إحدى استراحات الطريق وأمضي لشأني ..

فهو في كلامه عنها ، يوحي لك وكأنهما ( شرَقـَا صحن الزليطة معًا ) كما يقولون .. لكن الوقائع التي سمعتها تنفي ذلك .. وهيهات !! ..

 …………

 

قال عصام بعد أن اتخذ وضعيته المناسبة على المقعد بجانبي :

خذ مني ما سأرويه ، ولك أن تفعل به ما تشاء .. لكن ، وبالنتيجة : أريد أن أجد لبنى اليوم .. فأنا أعرف نواياك ، وجهدك في البحث عن سيناريوهات حياتية ، تجعل منها أساسا للتندر والقص .. ولك علي ألا أخفي عنك شيئا ، لا من الخوافي ولا من القوادم ..

صمتَ قليلا كأنه غصّ بدخان سيكارته ، ثم اعتدل ، وقال :

رغم أني لم أكن أنتظر وصول رسالة لي من أحد ، لكن سعادتي كانت كبيرة جدا بالرسالة الأولى التي وجدتها في صندوق بريدي الجديد ، ولم ينتقص من فرحتي أنها ليست موجهة لي ، وبدا ـ فيما بعد ـ أن مرسلتها " لبنى " لا تعلم بتخلي أختها عن صندوقها منذ فترة .. وهنا بداية حكايتي معها ..

أخذتُ الرسالة مدفوعا بفضول ساذج لقراءتها .. كانت عادية ، من أخت لأختها ، تطمئنها وتطمئن عنها .. ثم أعدت إرسالها إلى عنوان المرسِلة : كلية الاقتصاد والتجارة في جامعة دمشق ، معتذرا لصاحبتها عن قراءتي لها ..

 فأرسلتْ لي بتاريخ 13/06/1986 ، شاكرة صنيعي ، ومعتذرة عن جهلها بتخلي أختها عن الصندوق ..

وفي التفاتةٍ لبقةٍ منها ، ولكي تخفف عني عبء فضولي ، قالت : إنها في حالة مشابهة ، كانت ستفعل بالرسالة مثلما فعلت أنا .. وعلقتْ على عبارتي : ( كوننا شرقيين ) ، التي سوغتُ بها فضولي ، مستنكرة لصق تـُهَمِنا بالشرق ، وألا نجعل شرقيتنا مسوِّغا لتصرفاتنا الخارجة عن إرادتنا ، كالفضول مثلا ..

وقالت : إن العلم والعقل كفيلان بمساعدتنا على محاكمة مشاكلنا محاكمة عقلية ، ومحاولة حلها ، وبالتالي التغلب على ظروفنا الاجتماعية القاسية ، وإلا ، فالنسيان عزاؤنا ، لا الخضوع والاستسلام ..

في الحقيقة ، لم أكن أتوقع ردا كهذا ، بل ، لم أكن أتوقع ردا على الإطلاق .. أما أن يأتيني مثل هذا الرد الدسم ، فذاك ما دفعني للكتابة إليها من جديد ، لشعوري أنها حشرتني بين المطرقة والسندان ، وهو مكان لا يعجبني ، ولا أحسد نفسي عليه ..

 

ووصلتني رسالتها الثانية مؤرخة في 12/07/1986 ..

وقالت : إنها قررت الكتابة إلي ، رغم اعتراض صديقاتها ، لأنها وجدت مني تشجيعا غير مباشر لاستمرار تبادل الرسائل ، ولم تذكر لي شيئا عن اعتراضات صديقاتها .. ( لكني سألتها عن ذلك فيما بعد ، في ردي عليها ) ..

وأضافت شارحة سبب قرارها بمراسلتي قائلة : من الممتع بالنسبة لها أن تكتب ما يجول في خاطرها وتناقشه مع رجل على درجة من كذا وكذا وكذا والاحترام ..

المزيد


هَيْبة الغياب

يناير 28th, 2012 كتبها y m نشر في , تجربة حياة, مقهى البث المباشر

 هَيْبة الغياب 

 

 لعل أغلب الكتابات والتعليقات التي وقعت عليها هنا وهناك ، تتفق على ضرورة وأهمية تكريم المبدعين في حياتهم ، وليس بعد رحيلهم ، كون تكريم المبدع قبل رحيله ، يعني اعترافا صريحا من المجتمع بأهمية مساهماته وإبداعه ، ويمنحه مزيدا من الإصرار على التجلي والعطاء ، ويُشعره بأنه ساهم في وضع لبنة في الصرح ..

وهذا ـ ربما ـ أغلى ما يناله المُكرَّمون الأحياء من مجتمعهم ..

ومن حيث المبدأ ، أنا من دعاة ومؤيدي ذاك الرأي ..

( لكن الخشية أن يقوم المبدع بالتكويع بعد تكريمه ، كما حصل مع توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ، مثلا ) ..

 

وهنا سأناقشه من زاوية أخرى ، وتحديدا ، فيما يختص بـ ( شخصية المكرَّم في الكتابات التكريمية ) ..

 

لا شك أن لتكريم المبدعين آثارا هامة ، حين يُكرَّم المبدع وهو في أوج حياته وعطائه ..

فذاك له متعته وأهدافه الإنسانية النبيلة المطبوعة بالتقدير الرسمي والاجتماعي والثقافي ، من جهة ، وله نتائجه الإيجابية على المكرَّمين وأحوالهم بمختلف وجوهها ، من جهة ثانية .. 

 

وبعيدا عن تلك الآثار ، فإنه إذا حضرنا حفل تكريم مبدع على قيد الحياة ، لوجدنا حفل التكريم كـ "حفل التأبين " ..

إذ تتخذ الكلمات طابع " الرثاء المسبق " الذي يستدر دموع المستمعين ، لكثرة ما يُدعى له بدوام الصحة وطول العمر ، حتى تتكأكأ الآهات والأوجاع ، فيشعر المُكرَّم بدنو الأجل ، وبأنه " قاب قوسين أو أدنى " من حافة قبره ..

ونراه يعبر عن سعادته بقوله : " لو مت الآن سأكون مرتاحا بعد تكريمكم هذا " ..

 

وإذا كان المكرَّم راحلا ، صار حفل التكريم أقرب إلى احتفالية تحوّل المكرّم إلى شخصية أخرى لا يعرفها أقرانه ولا أصحابه ولا أهله ..

 

ويمكن وصف بعض كلمات التكريم عامة ، بأنها موضوعية ، لكنها لا تخلو من التحيز الشخصي أو العاطفي ، فيما بعضها الآخر ، يكون ذا طابع شخصي أو عاطفي ، لكنه أيضا ، ليس بعي

المزيد


حلب ـ مطارحات العشاق

يناير 19th, 2012 كتبها y m نشر في , تجربة حياة, مقهى البث المباشر

 حلب ـ مطارحات العشاق  

 

 كتبتْ لي صديقة عزيزة ، تصبّحُ عليَّ بصباح ، تعرف أني أتشهّاه : 


( صباح الخير ، وصباح جميل من حلب .. كيف حالك ؟

كنت أقرأ للأستاذ وليد إخلاصي ، فوجدت له كلمات يتحدث فيها عن حلب ، أحببت أن أشاركك إياها .. يقول :

" كلما اقتربت منها اشتقت إليها ، أفارقها لكنها لا تفارقني ، وإذ أعود إليها أحبها أكثر ..

وكلما عرفتها أكثر وأكثر ، تبين لي ، أن جهلي بمن أحب يدفعني إلى اكتشافها من جديد ..

والكشف كالفراق .. فيهما ألم ممتع ، ومتعة ليس لها حدود " ..

أدامكِ الله يا حلب ، أدامك رمزاً تاريخيا عظيما بأبنائه وبحضارته ..

تحيتي إليكَ من حلب وصباحك سعيد دائما ) .. 

 

كتبت رادًّا :


يا صباحووو ..

 

في البدء : " كلما " الأستاذ وليد إخلاصي ، ذكرتني بـ " كلما " الشاعر محمود درويش :

( كلما مرّتْ خطايَ على طريق ،

فرّتِ الطرقُ البعيدة والقريبة

كلما آخَيْتُ عاصمة ،

رَمَتـْنِي بالحقيبة ) ..

وبعد ..

كلما اقتربتُ منها ازددتُ عشقا لها .. نعم ..

أفارقها على كرهٍ مني .. ولم تفارقني أبداااا .. نعم ..

أحببتها ، وأحبها ، وأحب من يحبها ، ولن يهدأ حبي ، ولن يمل ، ولن يتقاعد .. نعم ..

لكني أخشى ـ بعد طول الفراق ـ أن تتزيا بما لا يناسب عشقنا ، ولا يحلو به سَهَرُ وسَمَرُ العشاق .. 

أخشى أن تغيّر جلدها ولون عينيها ، وتستعير شَعرا وجدائل ، وتتزين بمساحيق مزيفةٍ ، تشوِّهُ بها خلقتها الربانية البديعة ..

المزيد


المجند خَلـَف حمدي ـ قصة ليست قصيرة

ديسمبر 11th, 2011 كتبها y m نشر في , قصة قصيرة, مقهى البث المباشر

 المجند خَلـَف حمدي

 

 تعتلي الشمس كبد الأفق الشرقي ، تستحم بالندى ، وبهمسات العصافير ، التي تطغى عليها أصوات السيارات المسرعة ..

ثمة مارة ، عمال وفلاحون وتلاميذ وعسكريون ونسوة ..

يلفظني " باص المبيت " المزدحم .. تتلقاني نسمات ضبابية ، أقشعر ، وأتفل باتجاه الريح ، ثم أتهيأ لقطع ثلاثة كيلومترات مشيا ، في طريق كان ترابيا ، فطار التراب ، وبقيت الأحجار ، بنتوءاتها الحادة ومسنناتها ، تفري أقسى النعال ..

الكل متجه جنوبا ، ووحدي أتجه شمالا .. أسير ببطء في البداية ، لعل سيارة عابرة ، أو دراجة نارية ، توفر عليّ ساعة من المشي المضني ..

وعندما أجتاز جلّ المسافة ، يكون المشي البطيء قد نال مني ، فأحث خطاي حتى إذا ما لحقت بي سيارة أو دراجة أرفض إكمال الطريق بها ، " احتجاجا على حظي العاثر " ..

كنت أقطع المشوار مرتين أو ثلاثا أسبوعيا ، حسب رضا النقيب محمد جميل عني .. وإلا ، فالإقامة في الخيمة ثلاث ليال ، والمغادرة عقب دوام اليوم الرابع ..

فإذا كان راضيا ، يسمح لأحدهم أن يوصلني على دراجته للطريق العام ، أو تحملني إليه سيارة الطعام إذا تصادفنا ..

وحين يغادر النقيب في إجازة ، أبقى أنا وزميلي الملازم محمد هندي ، فنتبادل المبيت يوما بيوم خلافا للتعليمات ، مغامرين بما يمكن أن يحصل ، أو بأن يتفقدنا الضابط القيادي المناوب ، أو قائد الفوج نفسه ..

لذلك ، فإن هذه الهواجس تأكلني طيلة الطريق ، ولا أتحلل منها إلا بعد وصولي للمربض ، فيكون وقوع الشر ـ لا سمح الله ـ أهون من انتظاره ..

ويظل مشهد التلاميذ الذاهبين إلى مدارسهم خير عزاء لي .. فهم يسيرون جماعات ، منتشرين في عرض الطريق .. فإذا شاهدوني ، يتصنع أحدهم الوقوف باستعداد ، منتصبا مشدودا يكاد يقع خلفا ، ويكتسي وجهُه بملامحَ جادةٍ ، تخفي تحتها ظلالَ ابتسامةٍ بريئةٍ .. وإذ أردُّ له التحية ، يطير إلى أقرانه : أرأيتم كيف ردَّ التحية ؟ ألم أقل لكم لن يضربني؟! .

وثمة تلميذة تمشي مع أخيها ، تلتهب وجنتاها وهي تنطق بأحرف بالكاد أسمعها ، حين قالت لي أول مرة : صباح الخير يا آنسة ..

ضحكت من قلبي ، بينما يحاول أخوها أن يصحح لها ..

ومن بعيد ، كنت أعرف التلميذ الذي سيبادرني بالتحية ، لأنه ينتحي من بين زملائه بعد أن يتهامس معهم ، وكأنه يأخذ تفويضا منهم بذلك ، ثم يسوّي سيدارته ويشد مشيته وقامته ، ناقلا المحفظة من يمناه إذا كانت فيها ، وقد يؤدي التحية باليسرى أحيانا …

 

 1 ـ

 

عِربيد ، قرية صغيرة كأنها امرأة جاثمة في المخاض ..

أغادرها وأعود إليها ، فأجد الهواء جامدا في مكانه لا يتزحزح ..

تقع غرب الطريق الترابي ، إلا بعض بيوتها ، ودكان " أبو الشيخ " شرق الطريق ..

وهنا السوق الكبرى للمنطقة وللعسكر ، وهو بيت عائلة " أبو الشيخ " ، ينامون داخله شتاء ، وأمام بابه وحوله صيفا ..

ويقصدهم في الليل أهالي القرية وبعض الجنود ، يقضون السهرة على ضوء مصباح كهربائي خافت ، منصتين ، ومنشدّين بأبصارهم إلى شاشة تلفاز بحجم أربع عشرة بوصة ، يتماوج ويتمازج عليها لوناها الكالحان ، فيما تشكل سحب دخان سجائرهم ضبابا يحرق العيون والصدور ..

وبين الدكان ومربض السرية بضع مئات من الأمتار ، فيبدو مسترها الترابي واضحا ، ووراءه عامل النظارة المناوب ، وقد ترك الفضاء وسدّدَ منظارَه باتجاهي ، وهو يلوّح حتى أرد عليه ..

والنظارة هذه ، كعصا موسى عليه السلام .. لها أكثر من وظيفة ، وليس أهمها تفتيش الفضاء عن " أهداف معادية " ، لأن هذه الطريقة أكل الدهر عليها وشرب ، ولم تعد مجدية أبدا ..

لكن الوظيفة الأهم لها : التعرف على القادمين إلى السرية ..

فإذا كان القادم قائد الفوج أو رئيس أركانه ، سرت داخل المربض حركة غير اعتيادية تأهبا وتحضيرا ، ونضطرب نحن إذا لم يكن قائد السرية موجودا ، وكان ثمة نقص غير مشروع في عدد العناصر ، ولم نقم بالتبليغ عنه مسبقا .. وكثيرا ما كان يحصل ذلك ..

 

حين وصلتُ المربض ، حيّاني الحَرَس ، وقال :

الحمد لله على السلامة .. وهمس وهو يتبعني : استعذ بالله من الشيطان قبل دخولك يا سيدي ..

استدرتُ إليه غير عابئ ، وقلت : أعوذ بالله منك ..

ألِفَ العساكر مني مثل ذلك ، لكن إلحاحه جعلني أتوقف لأسمعَه ، قال جادّا :

الله يوفقك يا سيدي أنا لا أمزح .. الأرض مسكونة ..

قلت ساخرا من اهتمامه الشديد : طبعا مسكونة .. ألسنا ساكنيها؟! .

تمتم مستعيذا ، وقال بخوف : الأرض مسكونة بهم ، وأشار إلى الأرض ..

لم أكترث .. هززت برأسي ، ومضيت إلى الحفرة ـ الخيمة ..

وكعادته الملازم محمد ، يبادرني بأهم الأحداث قبل أن يسلم علي .. قال من خلال ضحكته الناعمة فعلا :

كانت ليلة الأمس ليلة ليلاء ..

وحين تصافحنا ، بدا لي وجهُه النحيفُ أشدَّ نحافة ، وبدت لحيته سوداء وأطول من المعتاد .. ثم تابع :

أما سمعتَ عن الجن الذين ظهروا الليلة الماضية في السرية ؟! ..

استلقيت على سريري منهكا ، وقلت :

لا أعتقد .. فهم يقيمون بيننا ، وليست بهم حاجة للظهور ليلا فقط ..

بيني وبين نفسي ، تذكرت كلاما من الملازم أحمد الذي سُرِّح قبل مدة ، حين قال لي : إن العساكر نقلوا إليَّ كثيرًا من حَكايا الجن الذين ظهروا على الحراس في الليل ، ليدبّوا الرعبَ في قلبي ، كي لا أتفقدهم أثناء نوبات حراستهم ..

أما الملازم محمد ، فقد كرّر ضحكته الناعمة الهادئة ، واتجه إلى باب الخيمة ، وقال قبل أن يغادر : اسأل خلف حمدي .. هو سيروي لك كل شيء بالتفصيل الممل ..

 

تضاريس خلف حمدي :

 

قوي كثور فتي .. خشن البنية والملامح .. سمرته داكنة .. كثيف الشعر .. مطيع دوما ، وانضباطي بالطبع .. مظهره الخارجي ينم عن هدوء واتزان .. لكنه سطحي التفكير إلى درجة السذاجة . أخفق أكثر من مرة في امتحان الشهادة الإعدادية .. ينتمي إلى البادية الشرقية الشمالية ، ولهجته أصلية مطبوعة بطابع بيئته ..

عَدّاء ، ورياضي ممتاز ، ونموذجي في أداء التمرينات الرياضية حسب أصولها .. لذا ، فهو المكلف بالذهاب يوميا صباحا إلى " جديدة عربيد " ، حاملا كيس بقايا الخبز الفائض عن الاستهلاك اليومي في السرية ، ليبادله بكمية من الحليب ، نتناولها مع وجبة الفطور ..

 

كنت الضابط المناوب الوحيد في السرية ..  

سقف الخيمة يرشح لهيبا لاسعا ..

تناولت طعام الغداء ، ثم حملت النرجيلة ولذت بظل خيمة مفتوحة على كل الجهات ..

تهب نسمات حارة تحرك الغبار والأتربة ، فيما يلتمع السراب حولنا ، فيبدو بحرا من ماء هائج .. قلت :

ـ هات حدّثني يا خلف ..

ترك الأواني التي كان يغسلها ، وهُرع إلي : حاضر سيدي ..

تلفت حوله ، ثم دنا مستظلا بالخيمة ، وقال :

أيقظني " عريف الحرس جنيد " .. كانت نوبتي من الواحدة ليلا حتى الثالثة ، هناك في المحرس الثالث ، ( وأشار بيده إلى الجهة الشرقية الشمالية من السرية ) ..

استلمت البارودة والجعبة من الحرس النازل ، وتجولت بين الحاسب والرادار وقائس المسافات ، ثم التجأت إلى عربة الحاسب لأشعل سيكارة ، فأحسست بحجر يصيبني في ساقي الأيسر .. التفت إلى مصدرها محترسا ، لكني كنت موقنا أن أحد زملائي قد جافاه النوم ، فخرج يشاغلني ، لنتسلى معا .. واختلف الأمر كثيرا حين لمحت خيالا يعتلي مستر السرية ، ثم يعبره داخلا باتجاهي ..

صَمَتَ .. تنفس بعمق ، ونقل عينيه من زجاجة النرجيلة إلى الأفق الغربي كأنه يستعيد لحظات الرعب التي انتابته ..

كنت أتابع ملامح وجهه وتغير لونه ، والرهبة التي شعت من عينيه ..

ناداني عامل المقسم لأرد على مكالمة من الضابط القائد المناوب ، أجبته على تساؤلاته ، وعدت ..

خلف ، كأنه أحد أعمدة الخيمة .. لم يتحرك ..

تابع كلامه وكأن شيئا لم يكن : كان القمر غائبا يا سيدي ، وليس في السماء سوى نجوم تلتمع وتتوهج .. ارتعشت ، وانبطحت وصحت به بخوف : قف .. مَن هناك ؟

لم يتوقف القادم ، وقال : أنا عريف الحرس ..

اقتربَ أكثر مني ، صحت ثانية بصوت تردد صداه بعيدا ، فاقتربَ أكثر .. هيأت البارودة وقلت : أعطني كلمة السر .. كلمة التعارف .. قالهما ولم يتوقف .. هددته بإطلاق النار فلم يرضخ ..

وقتها تذكرت يا سيدي أنك قلت لنا : الهجوم خير وسيلة للدفاع .. اندفعت صوبه قاتلا أو مقتولا .. فلم أره إلا هاربا فوق المستر ، وهناك ، بدا لي حجمه أكبر بكثير من جنيد عريف الحرس ..

لم يكن بوطي مشدودا على قدمي .. خلعته بسرعة ، وركضت خلفه إلى ما وراء المستر .. لكن العتمة ابتلعته وأخفته عني ، فأطلقت صلية باتجاهه ، وانبطحت على الأرض لأسترد أنفاسي ..

كل ذلك جرى في لمح البصر .. فاستنفرت السرية ، وأنيرت مصابيح الخيام والساحة ، وتجمع الشباب حولي ، ولم أستطع الرد على كل استفساراتهم الملحة ، فاستلم عصام نوبة الحراسة عني ، وذهبت إلى الخيمة أرتعد وأرتجف ..

سألته ضاحكا : كنت ترتجف من البرد أم من الخوف ؟! ثم ، هل كنتَ متأكدا أن عريف الحرس أيقظك ، وأنك تسلمت نوبة حراستك ؟!..

ـ السرية كلها شاهدة يا سيدي .. والله أنا ما أزلّ عليك ..

غمزني سامح عامل المقسم ، وقال من ورائه : ليست هذه المرة الأولى التي يطلعون فيها عليه ..

لم ينتظر خلف دعوة مني ، فقال : كنت يا سيدي يومها حرس مدخل السرية ، وكانت نوبتي بين الثالثة والخامسة فجرا ، لمحت شخصا يسير فوق المستر متجها إلي ..

صحت : قف من أنت ؟

فقال : أنا النقيب يا خلف .. طبعا لم أصدقه ، فقد لا يكون هو ، وكان ما يزال يتقدم ، صحت به : قف .. أعطني كلمة السر ..

قاطعته : ألا تميز صوت النقيب ولهجته من غيره ؟!

ـ أقسم لك يا سيدي أنه صوته ولهجته .. أنا أميزهما من بين كل العالم ..

تجمع عدد من العناصر حول المكان ، نظر في الوجوه المحملقة فيه ، مدّ له أحدهم يده بسيجارة ، فاعتذر وتابع :

اقترب النقيب مني حتى حاذاني ، وقال :

أكنت نائما يا خلف ؟!

قلت : وأنا أحييه : أعوذ بالله يا سيدي .. أنا لا أنام أبدا ..

ولم أكد أتم كلامي ، حتى ذاب كفص ملح في الخابور ..

قال أحد العناصر : وبقيتَ حيًّا يا خلف ؟!

أجابه بسذاجة وجدّية : نعم ، أنا حي .. ألا تراني أمامك ؟!

فقال ثان متجها بكلامه إلي : يا سيدي ، نريد أن نعرف من خلف حكاية كيس البحارة ..

لم يكذب خلف خبَرًا . بل تابع بنفس الوتيرة :

فـُقدَ كيس البحارة يا سيدي ليلة داهموني في المحرس الشرقي ، وبحثنا عنه في اليوم التالي أنا وحامد العليوي ، فوجدناه جانب خندق الدفاع الذاتي للمدفع الثاني ، وكانت محتوياته مبعثرة حوله ..

ـ ألم يًسرَقْ منه شيء ؟

ـ سُرقت منه ثيابي المدنية فقط ..

ـ ما معنى أن تسرَقَ ثيابك المدنية فقط ؟ من له مصلحة بذلك ؟ ألم تجدها فيما بعد ؟

ـ لقد ضاع أثرها نهائيا يا سيدي ، ولا أعرف من أخذها ..

 

"" منذ لقائي الأول بخلف ، ارتحت له ، ولحرارة صدقه ، وبراءته التي لا توحي بها أوصافه الجسمية ..

وكنَنْتُ له ودًّا جعله فوق موضع الشك عندي .. لكن ، ليس ثمة مناص فيما يبدو ، لأن تصديقه ههنا مستحيل رغم أيمانه وتأكيداته "" ..

 

وصَف النقيب محمد الحادث بأنه لعبة غبية ، استهدف خلف من ورائها شيئا ما ..

والملازم محمد ، كان بين الشك واليقين ، فهو غير قاطع في أي شيء .. واكتفى بأن ضحك لمجريات الأحداث ، وقال : لا بد أننا سنسمع أغرب مما سمعنا ، ما دمنا هنا في عربيد ..

 

ما جرى قبل تلك الليلة :

 

كنا أنا والملازم محمد جالسيْن تحت المظلة ، عندما انعطفت سيارة أجرة باتجاه مفرق السرية ، وتوقفت قرب المدخل ، وترجل الراكب منها ، فهُرع الحرس إليه ..

تكلما ، ثم جاءنا الحرس راكضا :

إنه العسكري سليمان أخو العسكري حامد العليوي ، ويريد زيارة أخيه ..

قال له الملازم محمد : حامد مغادر ، وسيعود غدا ..

قلت للحرس : أخبرْهُ بغياب أخيه ، فإن رغب بانتظاره ، أدخله ..

 

يرتدي سليمان ثيابا مدنية ، ويعتمر قبعة ذات فرو كثيف ، لا تستدعيها ظروفنا الجوية الحالية ، لكنه قادم من المناطق الثلجية في الجبهة ، ومغادرته قصيرة لا تكفيه للذهاب إلى قريته البعيدة ، ففضل أن يزور أخاه القريب نسبيا ..

رحّبنا به ، وقلت لخلف ـ وهما من قريتين متجاورتين ـ : ليكن ضيفك يا خلف .. هيئ له طعاما ، ودعه ينم ..

كان الإرهاق الشديد باديا عليه كله ، بينما تخفي القبعة بياض رأسه الحليق ..

 

ما جرى بعد تلك الليلة :

 

في الصباح ، وصلت إلى السرية منهكا ، ومنتشيا بنسماته ، فكان وصولي بمثابة نقطة في نهاية السطر ، لما كنت أسترجعه من سهرة الأمس مع الأصدقاء ..

قرب خيمته ، كان النقيب مصغيا لامرأة ، فهمتُ أنها " تدّعي على حامد الذي ذهب إلى بيتها ليلا ، يريد بدلته التي وضعها خلف عندهم ، وهددها بأنه سيفضحهم إذا لم تعطه البدلة " ..

رفعت المرأة يدا معروقة داكنة إلى شعر أبيض في رأسها ، خرج من تحت الغطاء ، فحركه الهواء فوق جبهتها قبل أن تعيده مكانه ، ثم ازورت برأسها جانبا ، وقالت : إننا مستورون والحمد لله .. ماذا رأى منا حتى يفضحنا هذا الخسيس النذل

المزيد


احتفالية أبي العلاء المعري

ديسمبر 1st, 2011 كتبها y m نشر في , أدب وثقافة, تجربة حياة, مقهى البث المباشر

 احتفالية أبي العلاء المعري


 د. عمر الدقاق ـ أ. خليل هنداوي ـ أ. محمد كمال - د. فخري قسطندي ـ كلية الآداب ـ جامعة حلب 03 ـ 05 ـ 1976

 

 

 ربما تكون الصور التي التقطتها ، أثناء الانتقال من جامعة حلب إلى ضريح الشاعر أبي العلاء المعري في مدينة المعرة ، هي الذكرى الوحيدة لاحتفالية كلية الآداب بإطلاق اسم الشاعر على أحد مدرجاتها ، واغتنام الفرصة المتاحة بالإضاءة على بعض جوانب ومميزات شعر أبي العلاء وشخصيته وفكره الفلسفي ..

وقبل أن نصل إلى مكان الضريح ، توقعت أن أرى مكانا يليق بمكانة وعبقرية صاحب " اللزوميات " و " سقط الزند " ، لكن مع الأسف ، لا شيء مما توقعت ..

وعلى مبدأ :

تعَبٌ كلها الحياة فما أعْجَبُ إلا من راغبٍ في ازدياد ..

تذكرت مطلع قصيدةٍ شهيرةٍ للأنباري ، في رثاء محمد بن بقية وزير عز الدولة البويهي :

عُلوٌّ في الحياة وفي الممات  لـَحَقٌّ تلكَ إحدى المعجزاتِ !!

 

 لم يكن عددنا يتجاوز العشرين ، ولم تكن الزيارة منسقة مع أحد في معرة أبي العلاء ـ كما يبدو ـ لأننا لم نلحظ قيامهم بواجب تقديم الماء لنا ، مثلا ..

وذلك لا يعفيهم من التبعات ، بعد أن عرفوا أن ضيوفهم جاؤوا من حلب لزيارة قبر" رهين المحبسين " ..

ولم تكن عمادة الكلية في وارد حساب شيء من ذلك ، ولم يأخذونا حتى إلى استراحة في الطريق ، بذريعة أننا يجب أن نعود سريعا إلى الكلية لاستكمال إجراءات افتتاح أسبوع الاحتفالية ، وهي :

إطلاق اسم " المعري " على مدرج في الكلية ، برعاية رئيس الجامعة د. أحمد يوسف الحسن ..

وبالفعل ، أزاح د. أحمد يوسف الحسن رئيس الجامعة الستارة " الصغيرة " عن لوحة " صغيرة " ثبتت إلى يسار باب المدرج ، كتب عليها " مدرج المعري " ..

وإذ دخل الحاضرون إلى المدرج ، ألقى د. عمر الدقاق عميد الكلية كلمة حول المناسبة ، ثم رُفعت الجلسة قليلا ريثما غادر المكانَ رئيسُ الجامعة ..

ثم ارتجل المرحوم الدكتور محمد حموية حديثا مختصرًا عن " شاعر الفلاسفة ، وفيلسوف الشعراء " ..

ووزعت مطبوعة خاصة بالمناسبة ، فيها مواعيد الاحتفالية لأسبوع قادم كامل ، يتضمن عددا من المحاضرات والنشاطات الأخرى ..

وبانتهاء اليوم الأول من الاحتفالية ، توارت فعاليات الأيام التالية وراء انهماك الجميع بدوامة العمل اليومي ..

وبعد أن تلاشى الاهتمام والبريق ، اقتصر الحضور في الأيام التالية ، على عدد محدود جدا من الطلبة وبعض المهتمين من الأساتذة ..

 

الخميس ـ 01/12/2011

 

 

رئيس جامعة حلب الدكتور أحمد يوسف الحسن يزيح الستار عن لوحة تحمل اسم  مدرج المعري  في كلية الآداب ـ 03 ـ 05 ـ 1976

المزيد


المعسكر والمقال وصديقي وأنا

نوفمبر 30th, 2011 كتبها y m نشر في , تجربة حياة, مقهى البث المباشر

 المعسكر والمقال وصديقي وأنا

 

 1 ـ المعسكر صيف 1975 ..

 

طرأت تغيرات عديدة على الأوضاع العامة للمعسكر ، فتغيرت قيادته ، وخُصِّصَ بقطعة أرض شرق مدرسة المشاة ، وبدت قيادته الجديدة ، مهتمة أكثر بالتدريب اليومي والرياضة والنظام العسكري المتشدد ، وبمتابعة الانضباط العام والتقيد بمواعيد التدريب والطعام وما إلى ذلك ، مما فرض مزيدا من الصرامة القاسية ، فوق ما نحن فيه من قسوة المكان والظروف ..

لكن لم يتغير فيه شيء تقريبا ، عن معطيات معسكر العام الماضي ، ولاسيما منظر الخيام والمقطورات والقصع والقطن المضغوط والغبار ..

وإن شاعت عقوبة السجن وما يتبعها من عقوبات إضافية كـ " السخرة " ..

كما شاعت عقوبة " حلاقة " شعر الرأس على الصفر ، كعقوبة إضافية للسجن ، أو كعقوبة فردية على " الطالع والنازل " ..

وغدا منظر الرؤوس الحليقة " ظاهرة " واضحة ، مع التزايد اليومي في أعدادها ..

فقد كان قائد المعسكر دائم التجوال في سيارته اللاند روفر ، مصطحبا معه الحلاقين المهرة ، وكل من يشاهده من الطلاب " يتبلاه ويتصيده " ، ليأمر الحلاق بـ " إزالة شعره " عن الوجود ، وقد يرسله إلى السجن أيضا ..

وكأنه أراد أن يكتسب سطوة يستعيد من خلالها الانضباط العام المفقود في المعسكر ، وهو القادم إلينا من منصب " قائد سلاح المدفعية " ، وشتان بين انضباط الجنود وانضباط الطلبة ..

 

وحين مُنِحْنا مغادرة جماعية لأربع وعشرين ساعة ، في منتصف أيام المعسكر تقريبا ، كانت للاستحمام بالدرجة الأولى ، لعدم توفر الماء والحمّامات الصالحة والكافية في المعسكر ..

 

2 ـ زيارة تسبّبت في رسوبي :

 

في البيت ، أبلغتني زوجتي :

أمس ، اتصلت " غزالة " أخت صديقك " يوسف أخرس " ، بطلبٍ من أخيها ، لتخبرك بوجوده في مستشفى حرستا بدمشق ..

 ( وكان ما يزال طالبا ضابطا في الكلية الحربية ، وقد ظهر عليه المرض منذ أشهر ، من خلال جحوظٍ واضح في عينيه ) ..

سافرتُ إلى دمشق فجرا ، اتصلت من الكراج بصديقنا أبي اصطيف ، ونسقت ذهابنا إلى المشفى معا ..  

وهناك ، صَعَقنا سوءُ حاله ، وجحوظ عينيه ، حتى كدت لا أعرفه ..

وقد أدرك أن ترددي في السلام عليه للوهلة الأولى ، نابع من عدم معرفته بعد تدهور حاله ..

فعاتبني بمرارة الإحساس بدنو الأجل : أمَا عدت تعرفني ؟!

تجلدتُ كي لا أزيد عليه آلامَه وأحزانه ، وإن لم يكن خائفا من الغد ، لإيمانه الشديد بقدَره ، وهو مستقر بعد أن غيروا له دمه قبل أيام ، وقد طمأنه طبيبه " نزار مصاصاتي " بأنه سيتحسن عاجلا ..

أنا وصديقنا أبو اصطيف ، أبدينا له كل التفاؤل ، وبأن أصدقاءنا الآخرين حمّلوني إليه تحياتهم وتمنياتهم ، وأنهم ينتظرون خروجه من المشفى معافى ليلعبوا معه " بالطرنيب ، ويخسّروه " ..

لكن حاله ـ مع الأسف ـ لا تبشر ..

لم يكن اسم د. مصاصاتي غريبا على مسمعي ، سمعته سابقا من المرحوم أخي يصفه بـ " الصديق والأخ " ..

قلت ذلك ليوسف ، وقلت له : أريد أن أعرف مكان عيادته لأزوره وأوصيه بكَ خيرًا ، وأطمئن منه مباشرة عنك ..

استدعى الممرضة ، فأعطتني عنوان العيادة في دمشق ..

ودعناه ، وذهب معي أبو اصطيف إلى عنوان العيادة ، فقيل : إنه مسافر ولن يأتي اليوم ..

 

………………

 

على باب المعسكر ، وفور وصولي متأخرا ، انضممت إلى نقابة " الرؤوس الحليقة " ، وعلمت من الزملاء ، أنهم أدّوا امتحانا كتابيا ومفاجئا وسريعا و " كيديا " ، في يوم غاب أو تأخر فيه كثيرون عن الالتحاق بعد " معجزة " المغادرة ..

ليس مهما ، فقد رأيت صديقي واطمأننت عليه ، ولم أكن أعلم بالطبع ، أنه لقاؤنا الأخير ..

لكنه كان وانتهى الأمر ..

بعد قرابة عشرين يوما ، توفي صديقي يوسف بسرطان الدم ..

وضجت أمه وأخواته بالنواح والنحيب حين رأينني جانب الجثمان ، وتعانقت أنا وأخوه الأكبر " عمر " منتحبيْن ..  

ثم واريناه الثرى في قريته " معارة الأرتيق " قرب حلب ..

تغمده الله بواسع رحمته ..

 

خلـَّفَ رحيله آثارا صعبة جدا عليّ ..

فهو ماثل لي دوما ، ولم نفترق منذ سنوات ، وأمضينا عامين دراسيين جنبا إلى جنب في المرحلة الثانوية ، وعملنا معا في نشاطات طلابية وثقافية متعددة ، رغم أن لكل منا هواه السياسي الواضح ..

وبعد الانصراف من الدوام المدرسي ، كنا نتفق على موعد اللقاء التالي ، لأنه لا توجد لدينا هواتف أرضية ولا خليوية ، ولا يمكن أن نترك لقاءنا للصدفة ..

وإذ يأتي إليّ ، تكون غرفة " المكتبة " جاهزة ..  

ففيها ذاكرنا معا دروسَنا على مدار العامين ، وفيها تكون سهرة الخميس مع بقية أفراد الشلة ، نقضي شطرا من الليل بين لعب الورق والجدل الذي لا ينتهي ..

وقبيل انفضاض السهرة ، يكون بعضهم قد اختار من المكتبة الكتابَ الذي يود قراءته خلال الأسبوع القادم ..

وليوسف في هذه الغرفة سريره الخاص ( سرير عزوبيتي ) ، يقيّل وينام براحته ، وخاصة في ليالي الشتاء الزمهريرية ..

وقد عسكرنا فيها أياما قبل امتحان الثانوية ، حتى جاء عمر ليطمئن عن أخيه يوسف ، ويتأكد من أن غيابه عنهم ليس حردا ولا انزعاجا ..

وفيما بعد ، أسر لي عمر ، أنه : (( في بداية الليالي التي نام فيها يوسف عندك ، كنت أرتدي الكبوت العسكري والجزمة ، وأتلثم من شدة البرد ، وأذهب مشيا إلى بيتكم ليلا ، وأختلس النظر إلى غرفة المكتبة ، في أوقاتٍ يتأخر فيها يوسف عن العودة ، لأطمئن عليه وأعود في " نصاص الليالي والتلج عميندف ندف " )) ..  

وبعد أن التحق يوسف بالكلية الحربية ، كان يأتي إلى بيتنا من حمص مباشرة ، قبل أن يذهب ليرى أمه وأخته وأخاه وعائلته في بيت أخيه ..

وقد ينام في " سريره " ليذهب إليهم في الغد قبيل العودة إلى حمص بسويعات ..

كان قنوعا صبورا ، شهما ، عفيفا ، حييا بما لا يُقاس ، ذا مروءة ونخوة وتعقل وتفاؤل ، يؤمن بقدراته ويعمل بإخلاص وجدٍّ وكدٍّ لتنميتها ، لكن " حظه خائن " كما كان يقول ..

وكاد تعثره في الثانوية العامة ، أن يحبط معنوياته إلى الأبد ، ويفقده حلمه في أن يجد عملا شريفا كريما سريع المردود ، مما دفعه إلى الكلية الحربية بعد النجاح ، فهي الأسرع في تأمين بدائل مناسبة ولو في حدها الأدنى ، لا طمعا ولا تباهيا ولا حبا بالنفوذ ، بل ، ليتخلص من عملٍ مضن يقوم به في عطلة الصيف ، وليعيلَ نفسَه على الأقل ، وليقضيَ أطول وقتٍ خارج البيت ، كي يمارس أخوه وأسرته حريتهم دون وجوده الدائم " المحرج " ، إذ يكفيهم وجود أمه وأخته معهم ..

ولم يمهله أجله شهرين آخرين لتراه أم عمر ضابطا ، ولم تنقطع صلاتي بأخيه عمر لسنوات بعد وفاته ..

وسعيت بعدئذ لمقابلة المقدم الدكتور نزار مصاصاتي بناء على رغبة عمر الملحة ، لطلب المساعدة على توصيف حالة وفاة أخيه في " التقرير الطبي للوفاة " ، لكنه اعتذر بلطف عن تلبية الطلب ، رغم أنه رحب بي طويلا بعد أن شرحت له مقولتي التي بدأت بها حديثي معه :

" أنت صديق أخي ، وأرسلني إليكَ أخو صديقي .. وصديقانا شهيدان " ..

رحمك الله يا يوسف ، فوالله ، لقد كان لك من اسمك نصيب وفير ..

أيها الصديق الشهيد ..

لقد عشنا أحلامَنا معا ، ووُئدت أحلامُنا معا ..

فليس الراحلون ـ أحيانا ـ بأقلّ حظا من المقيمين ..

 

3  ـ أزمة " مقال " في المعسكر الاستثنائي :

  كانون الثاني 1976

 

 ومع بداية العام الجامعي الجديد ، ذهبتُ إلى الكلية لأدفع رسوم التسجيل بشكل اعتيادي كما يحدث كل عام ..

ففوجئت أني راسب في السنة الثانية ، لرسوبي في مادة التدريب العسكري ، فوق المادتين اللتين أحملهما : التاريخ ، واللغة الشرقية السريانية ..

كانت صدمة حقيقية ، استنفرتُ لها ، واستغثت بالمكتب الإداري لاتحاد الطلبة ، فاستنفروا المكتب التنفيذي في دمشق ، والنتيجة :

" لا تراجع ، ولا حل " ..

حسبنا الله ونعم الوكيل ..

وكما يتيحُ اللهُ للفضيلةِ المطويةِ لسانَ حسودٍ لينشرَها ، أتاح لهذه القضية أن تـُحَلَّ ..

فبعد تفاعلات وإرهاصات ، صدر مرسوم : " يُخضِعُ الطلبة الراسبين في مادة التدريب العسكري ، لمعسكر استثنائي ، إذا كان نجاحُهم فيها يعدّل وضعَهم انتقالا أو نجاحا " ..

وحُدِّدَ موعد المعسكر في كانون الثاني 1976 ..

وكان الشتاء قاسيا جدا ، فكيف إذا كان المعسكر في ثكنة هنانو ، الرابضة على مرتفع مكشوفٍ للمدى والريح ، في شرق المدينة ؟! ..

وهي ثكنة قديمة بناها العثمانيون ـ كما يوحي طراز بنائها ـ  ، وطورها الفرنسيون قليلا بما يلبي حاجات جندهم وخيولهم ..

وبينما نحن في ما يسمى بـ " قاعة المطالعة " ـ وهي اسطبل معدل ـ ، كتبت مقالا " من تحت الدست " عن التدريب الجامعي وأهدافه السامية التي لا تتماشى معها ظروفنا القاسية جدا ، المحيطة بنا في مكان " أثري " كهذا ، يفتقد لكل شيء ، كل شيء ..

أرسلتُ المقالَ إلى جريدة البعث بدمشق ، ونسيته نهائيا ، لأنني غير واثق من نشره ..

( مع الأسف لم أعثر في أرشيفي على نسخة منه ) ..

 

وبعد أيام قليلة ، كنا في الدرس الأول ، وفي نفس القاعة ، حين دخل قائد المعسكر المقدم حسين عايدي ، يسأل عني ، ثم طلب مني مرافقته ..

وفي الطريق إلى مكتبه ، سألني كأنه يريد أن يتأكد : أنت فلان ؟؟

قلت : نعم ..

قال : أنا أعرفك من الشباب " الكويسين " ، ماذا فعلت ؟

كنت خالي الذهن تماما ، فقلت مستغربا : لم أفعل شيئا .. ماذا هناك ؟

قال : جاء العميد رئيس فرع التدريب الجامعي ، ويريد أن يراك ، وهو غاضب جدا منك ..

في المكتب ، ليس ثمة سوى عميد ونقيب .. إذن العميد هو رئيس الفرع ، والنقيب أعرفه بالشكل ..

أمرني العميد بالجلوس بعد أدائي التحية العسكرية ..

جلست حيث أشار ..

الثلاثة أمامي ، أم أنا أمامهم ؟؟

عميد ومقدم ونقيب ..  

أ أنا في محكمة عسكرية ؟!

لحظات ثقيلة جدا من الصمت ، وأنا أشرّق وأغرّب باحثا في رأسي

المزيد


جامعة الشرق الوسط

نوفمبر 29th, 2011 كتبها y m نشر في , سياسة, مقهى البث المباشر

جامعة الشرق الوسط

 

 إن القرار " العروبي " بفرض الحصار والحرب الاقتصادية على سوريا اقتداء بـ " سلفهم الأمريكي الصالح " :

1 ـ يؤكد أن الحصار الذي فرضته أمريكا على الشعب العراقي هو حصار " عروبي " بأدوات أممية أمريكية ..

2 ـ ويؤكد أن الحصار الذي فرضته أمريكا على الشعب الليبي هو أيضا حصار " عروبي " بأدوات أممية أمريكية ..

3 ـ ويؤكد أن الحصار الذي فرضته أمريكا على الشعب السوري منذ السبعينيات هو حصار " عروبي " بامتياز بأدوات أممية وأمريكية ..

4 ـ ويؤكد أن الحصار الذي فرضه الصهاينة على غزة هو حصار " عروبي " أولا وآخرا ، وبامتياز أيضا ، بإرادة " عروبية " وبأدوات صهيونية ..

 

وعليه : فإن كل أنواع الحصار التي فرضت على الدول العربية المذكورة إنما هي استجابة لرغبات " عروبية " و " شقيقة حتى النخاع " ، بل هي تنفيذ " لشهوانية عروبية " يدفعون المليارات لمن يقوم بتنفيذها نيابة عنهم ..

 دليلنا على ذلك : أن العراق وليبيا ـ على الأقل ـ دُمِّرَتا بأموال عربية نفطية ..

وأن كل تلك العقوبات فرضت أمميا : أي في مجلس الأمن ، ما عدا بعض الحالات الفردية التي تقوم فيها أمريكا أو أوربا بفرض عقوبات إضافية أحادية الجانب ..

وعندما شلّ الفيتو الروسي الصيني القوة الغاشمة لمجلس الأمن ، عادوا " مكرَهين مهزومين " إلى المنظمات الإقليمية " العروبية المحترمة " لتأخذ دور مجلس الأمن وتحل محله ..

والتجربة الأخيرة حيال سوريا أكبر برهان ..

فهي سابقة كيدية لئيمة حاقدة ، تحدث لأول مرة في تاريخ الجامعة التي ظلت طيلة حياتها في سبات أمين وآمن ، كونها إنجليزية الصنع ، أمريكية صهيونية الهوى " ولا فخر " ..

وقد فعلتْ ذلك ، بعد أن جمّدت عضوية سوريا فيها ، واستبدلت مقعدها بمقعد " عصملي إنكشاري " جلس فيه وزير خارجيتهم " الباب العالي والوالي العتيد " ..

(( هنيئا لكم أيها " الأشقاء " )) ..

إن الجامعة العربية ـ بدعم غربي أمريكي سافر ـ تحاول أن تلتف على الفيتو الروسي الصيني في مجلس الأمن وبطرق استفزازية وغير شرعية :

المزيد


من التدريب الجامعي إلى الكلية الجوية

نوفمبر 25th, 2011 كتبها y m نشر في , تجربة حياة, مقهى البث المباشر

 من التدريب الجامعي إلى الكلية الجوية

 

 نحن في صيف 1974 ..

وفي نهاية السنة الأولى من الجامعة ، التحقنا بمعسكر التدريب العسكري الجامعي الصيفي الأول ، الذي تمت ترتيباته على عجل ، واختير مكانه في " مدرسة المشاة " بالقرب من حلب ، ضمن ظروف جوية قاسية ، وحالة نفسية صعبة ، كونها التجربة الأولى لنا وللمسؤولين عنا ، كأول دفعة تنفذ المرسوم الذي أحدَثَ التدريب العسكري الجامعي ، بعد حرب تشرين الأول 1973 ..

 

1 ـ البداية : 

 

وهناك ، قسّمونا إلى مجموعات ، وسلموا أفراد كل مجموعة خيمة ومستلزماتها وأسرّة وقصعا للطعام ….. 

واستلم كل منا بعض المهمات الفردية الخاصة به ، كاللباس والحذاء العسكري والمَطرة ، وكمية من القطن المضغوط ، وحرامات وغلاف فراش وغلاف وسادة ..

وقيل لنا : روحوا " دبروا راسكم " ..

كيف سننصب الخيمة ؟ وكيف ستتسع لثمانية أسِرّة ؟ وكيف سنندف القطن وهو مضغوط كالرصاص ؟ وكيف سنحشوه في غلافي الفراش والوسادة ؟ وكيف سنخيط فوهتهما ؟! ألله تعالى أعلم ..

وَوُزعت علينا المهمات الفردية ( البدلة والبوط ) عشوائيا ، لا على التعيين ، وقيل لنا : تبادلوها فيما بينكم حسب مقاساتكم ..

وهكذا فعلنا ، لكن ، ظل هندامنا كاريكاتيريا رغم كل عمليات التبادل والتجميل الآني ، ولم يتحسن الهندام إلا بعد أول مغادرة للمعسكر ..

أما الأرض التي سننصب خيامنا فيها ، فكانت حجرية حصباء ، وغير مستوية ، لأنها مفلوحة ومزروعة بشعير ، رَعَت الماشية في الربيع كلَّ ما ظهر منه فوق الأرض ، وبقيت جذوره والأشواك وروث الحيوانات ..

مياه الشرب تُملأ في مقطورات تحت أشعة الشمس ، تنفد خلال سويعات .. ويبقى الأمل بما تحتويه مطرة كل منا ..

الحمّامات " كفاكَ لا رواك " ..

السهرة " رومانسية " جدا على ضوء القمر والفوانيس ..

باختصار : كانت الظروف غير مألوفة ولا متوقعة ، ولا تطاق ..

 

2 ـ خذلتني عيناي فأنقذني قلبي :

 

 جاءتني فرصة ثمينة ، أضرب فيها عصفورين بحجر .. 

فقد وصلني إشعار بتارخ 17/07/1974 بوجوب الحضور إلى دمشق لإجراء الفحوص الطبية اللازمة ، لقبولي طالبا ضابطا طيارا في المعهد الجوي من الكلية الجوية ..

وكان هذا بعد طول ترقب وانتظار ، ارتكبت من أجله مخالفات وتجاوزات ..

في صباح اليوم الثاني ، أخذت الإشعار إلى قائد المعسكر العقيد حمادة كوسا ، فأمر " رقيب " القلم ليعدَّ لي " أمر مهمة " إلى دمشق ، للمثول أمام اللجان الطبية ..

وهناك ، اجتزت كل اختبارات اللياقة والصحة ، ورسبت في فحص العينين الشديد الدقة والحساسية ، فقد أخفقت عيناي ـ عبر جهاز يعرض الصور من الفضاء ـ في اختبار " تمييز أجسام صغيرة فوق الأرض " ، وهي المرحلة الأخيرة من اختبار العينين ..

وهذا كافٍ بحد ذاته لإنهاء " الحلم " ، والخروج نهائيا من المسابقة ..

لا أعرف كيف فاجأتني ـ فورا ـ دموعٌ مدرارة من عينيّ ، وأنا ما زلت على الكرسي أمام الجهاز " اللعين " ، حين قال لي العميد الطبيب : إن عينيك لا تساعدانك على أن تكون طيارا حربيا ، هل تريد أن أحوِّلكَ إلى الكلية الحربية ؟ ستكون هناك ضابطا نموذجيا ..

كانت المرة الأولى والأخيرة في حياتي ، تنهمر فيها دموعي بدون إجهاش ولا بكاء ، كأن عيني أدركتا عمق خيبتي ومأساتي بهما ، وأنهما السبب المباشر في تحطيم ما كنت طامحا له ، فأرادتا أن تكفرا عن ذنبهما بذرف الدموع ..

انشدَهَ العميد الطبيب وهو يراقب انهمار دموعي ، واختناق صوتي ..

لا أعرف ما الذي انتابه ، لكنه لم يكتب النتيجة النهائية على بطاقة فحصي ، بانتظار جوابي ..

نظر فيها ، وإلي .. همّ بالكلام ، ثم ، لم يقل شيئا ..

الثواني تمر مؤلمة بطيئة لزجة ..

قال كأنه يعتذر لي : يا بني إن عينيك لم تجتازا الفحص على الجهاز .. وهذا ليس لي فيه حيلة ..

تمالكت نفسي ، حتى تغلبت على حشرجة صوتي ، ثم رجوته أن ينجّحني " لأمنيتي أن أكون طيارا ، ولأنتقم من الصهاينة الذين احتلوا أرضنا وقتلوا شقيقي " ..

وأكملت بتماسك وحسم : إما أن أكون طيارا وإما فلا ..

كان واقفا بجانب الجهاز الذي سبَّبَ رسوبي ..

مشى إلى الطاولة ، جلس ، وسألني عن مزيد من التفاصيل عن أخي ، ثم قال وهو يكتب ويوقع على البطاقة : إنك ـ يا بني ـ سترى عدوك بقلبك أكثر من عينيك .. تكرم عيونك .. تفضل خذ بطاقتك وأكمل فحوصك .. لكن ، اغسل وجهك قبل أن تخرج من هنا ..

أكملت الفحوص بنجاح وأنهيت مهمتي ، لألتحق  بالمعسكر في اليوم التالي ، فصودف أنه اليوم الأخير منه ..

المزيد


التالي