Yahoo!

نبّليّات طارئة : أنا .. والتل .. وفيروز

يونيو 13th, 2010 كتبها y m نشر في , غير مصنف

 

منذ أن عدتُ قبل أيام قلائل من الضيعة ، إلى منفاي الحالي ، وهذا العنوان يقضّ عليّ مضجعي ليل نهار ، ولم يسبق أن حصل معي ذلك وبهذه الحدّة، كما هو حاصل حاليا ، ولست أعرف سببا وجيها لمثل هذا الأمر، سوى أن بين التل وفيروز( مع حفظ الألقاب كما يقول أشقاؤنا اللبنانيون ) قاسما مشتركا أعظمَ ـ حسب ما أزعم ـ ، وإن كان الفارق كبيرا جدا بمنظور شخص حيادي ، لكني مع التل وفيروز لست حياديا أبدا ، ولي أسبابي في ذلك ، ربما تتوضّح من خلال ما سيأتي …

 

من أين أبدأ ؟؟ هل أبدأ من عند فيروز، أم من عند التل؟؟

 

لعل البداية من عند التل أيسر وأسهل ، فهو : ( القديم ،العالي ، الضخم ، الأجرد ، المسكين ، المستكين ، الراسخ ، الهادئ ، الأبكم ، الباقي ) ..

 

هذه صفات عشر للتل العزيز ، ربما يستطيع غيري أن يصفه بعشر أخرى أو بعشرين أو أكثر ، لكني سأحاول أن أفصّل بعض الشيء في هذه الصفات …

 

* فهو القديم حقا ، ولا أعرف تاريخا لهذا القِدم ، والذي ربما كان فيما مضى متراسا يصد هجمات المعتدين عبر العصور المتتالية ، ويحتمي به القاطنون وراءه وحوله وفوقه ، ويصعد إليه الحراس ليراقبوا الأفق من حوله ، قبل أن تدهمهم هجمات غازية مفاجئة …

ولو لم يكن للتل مثل هذه الوظيفة ، لما كان للقِلاع المنتشرة في بلادنا تلك الأهمية العسكرية الفريدة ، التي استفاد منها كل من سيطر عليها ، سواء الأعداء أوالأصدقاء …

 

* وهو العالي الذي لا يخبئ نفسه ولا يمكن أن يخبئه أحد ، وإلى وقت قريب مضى ، لم يكن يعلوه إلا مئذنة الجامع الكبير القريبة منه ، وهي ترنو إليه كأنها تتبادل معه ترانيم وابتهالات وآهات حرّى ، لا يسمعها أحد ، ولا يفهمها أحد وإن سمعها ، لأن لغة الكبار ليست كلغتنا ، وأحاسيس الكبار ليست كأحاسيسنا .. إنه العالي بنفسه ، المتعالي على الصغائر والمحن والإحن والحزازات والرياء والنفاق والغدر والنميمة والكذب والنهب والسرقة والعدوان والغصب …

 

 

* وهو الضخم ، بل الأضخم بين كل أشياء الضيعة ، نحس بضخامته عندما نرمقه من الشرق والشمال ، ونراه مطواعا حين نقترب من سفحه جهة الغرب ، فهو الرابض كما لم يربض أبو الهول ، وهو الثابت الوحيد في الضيعة ، وكل ما عداه متغير متحول ..ولأنه الأضخم ، فهو الأرسخ في حياتنا قديمها وحديثها ، وهو الذي لم يتغير فيه شيء ، لولا نقصان حجمه قليلا على مر العصور ، لكن الجوهر باق : إن التل ما يزال تلا ..

 

 

* وهو الأجرد ، إذ لا تكسوه الأشجار كما يجب أن يكون ، وليس فيه من الظلال ما يمكن أن يقي من شمس حارقة، وكأنه لا يرغب أن يلجأ إليه أحدٌ ما  ، إنه الأجرد من الدفء والحنان ، الأجرد من المحبة والمودة ، الأجرد من كل شيء ، إلا من بعض الأعشاب التي تقضمها الأغنام والماعز حين يعزّ العشب في مكان آخر ، كما يمكن أن يلجأ إليه نفرٌ من المتسكعين الذين يتوارون فيه بعيدا عن عيون مرتابة أو مراقبة..

   

 

* وهو المسكين الذي لا حول له ولا قوة … لا يستطيع أن يدافع عن نفسه ولو أمام طفل يتبول فوق أديمه ..

ولا يستطيع أن يردع أولئك المتسكعين فوق بعض حشائشه مهما فعلوا .. كما لا يستطيع أن ينتصر لمظلوم اعتـُدي عليه أمام ناظريه ، وربما في وضح الظهيرة .. إن كل ما يفعله ذلك التل الوديع أنه يرمق أولئك بنظرة استهزاء ، تاركا للعقلاء منا قدرة التحرك والردع والعقاب ..     

 

 

* وهو المستكين الذي دأبت النسوة من ضيعتنا على تقطيع أوصاله وتشريحه كالشاة المذبوحة بلا شفقة ولا رحمة ، منذ أن بنى الناسُ بيوتهم الطينية حوله .. فلطالما انتـُهكت حوافّ التل وجوانبه ، وحُمل ترابه إلى أنحاء الضيعة ، لتطريَ به النسوة القبابَ والجدرانَ بعد مزجه بالقصرين أوالتبن ، استعدادا لمطر الشتاء أو تمهيدا لموسم فرح آتٍ .. إنه المستكين الذي لم يصرخ ألما ولم يعترض على أحد ولم يستنجد بأحد ولم يردّ محتاجا أراد أن ينحت أطرافه ليطري بيته ويحسنه ويجمله ولو على حساب هدوئه وراحته وأمنه وسلامة أراضيه .. إنه المستكين حتى للزواحف والحشرات والديدان والكلاب الضالة .. إنه المستكين للعصافير والسنونو والطيور البرية التي نخرت جسده وبنت فيه بيوتها وأعشاشها ، واتخذت من الجرف الشرقي للتل ملاذا آمنا لها ، تأوي إليه مع الغروب ، فإذا تصادف مرورنا مع ذلك الوقت ، كان الفضاء يضجّ بأروع وأجمل وأحلى سيمفونية موسيقية تعزفها آلاف الطيور والعصافير ، فتتناغم مع أشعة شمس الغروب الحانية لترسم أبدع لوحة سمعية بصرية حسية ، يتجلى فيها بديع صنع الخالق جلّ وعلا.. حتى لكأن التل ينتشي لتلك السيمفونية ، فيغدو هينا لينا وديعا ، منسابا مع عذوبة الألحان ورقتها ..

 

 

* وهو الراسخ الذي ما غيّر مكانه ولا بدّله ، ولا استطاع أحدٌ أن يغير له مكانه أوينقله أو يزحزحه .. إنه الراسخ العنيد الذي صمد في وجه جميع العوامل الجوية منذ ولادته ، وما تزعزع  ولا خارت قواه أمام جميع الحملات والحروب والغزوات التي تعرض لها عبر آلاف السنين .. إنه الأشم الذي لم تهزمه سيوف العدوان ومدافع المعتدين ، وإنما هزمناه نحن ، حين صار ملاذا للمقامرين والعابثين والهاربين والشذاذ .. و .. و ..

 

  

* وهو الهادئ الذي ما ثار يوما على أحد ، ولا غضب من متبول فوقه ، ولا تصرف برد الفعل مع أي من الذين داسوا فوقه وأهانوه ، سواء بالمقامرة أو بالمغامرة أو بالاعتداء أو بالنصب والاحتيال أو بالمجازفة أوالاستهتار من هيبته ووداعته … لقد ظل هادئا عبر تاريخه الطويل ، ولم يُسَجّل أنّ بركانا ثار فيه وفاضت حِمَمُه على من أهانوه وحقروه .. ولم يعرف أحد عنه أن حالة عصبية انتابته قط .. ولم يره أحد وقد تملكه غضبٌ جارفٌ ، أو هيجان أرعن ، ولم يذكر أحد شيئا عن نخوة ثارت في رأسه ليدفع ظلما وقع على مظلوم فوق أرضه ..

 

 

 * وهو الأبكم الوحيد في ضيعتنا منذ خُلقا .. فقد وُلد التل هكذا .. إنه يسمع حتى دبيب النمل وآهات المعذبين وصراخ المستنجدين وكل شيء ، يسمع ويسمع ويسمع .. كما أنه يرى كل شيء فوقه وتحته وحوله وما بين ذلك ، ويفهم كل ما يسمع وكل ما يرى ، لكن أنى للأبكم أن يتكلم ؟؟؟؟؟ هل ترون ذلك من حسن الطالع أم من سوء الطالع ؟؟!!! ترى لو كان التل ناطقا ، ماذا سيقول لنا عنـّا ؟؟؟ لا أريد أن أخمّن أو أتوقع شيئا ، لكني سأحمد الله أنه أبكم …

 

 

 * وأخيرا .. إنه الباقي ، الباقي الوحيد منذ وجوده إلى أن يشاء الله تعالى .. كم دالت دول وزالت !! كم تتالت الحروب والغزوات والهزائم والانتصارات !! كم تغيرت أما

المزيد