إبرة في كومة قش ـ 3
قصة :
" رُبَّ صدفةٍ خيرٌ من ألف ميعاد " ..
كان هذا هو حالنا ، حيث بدا عصام هادئا ونحن نحتسي قهوتنا ، فيما أعاد ترتيب أوراق الرسائل ، وغاصت عيناه بين السطور كأنه يستذكرها ..
سألته : ما رأيك أن نأكل شيئا ؟
قال : أنا لا أريد ، ولا أستطيع ..
طلبت فطائرَ بالجبن وشايًا ..
قلت له : أسمِعْني شيئا مما تقرأ ..
قال : إن للقراءة طقسًا لا تتوفر شروطه في هذا المكان ..
كان يجلس قبالتي وظهره للباب الرئيسي ، حين توقفت حافلة متوسطة ، نزل منها مجموعة من الشبان والشابات ، في مرحلة عمْرية متقاربة ..
راقبتُ اجتماعا سريعا لهم قبل الدخول ، متحلقين حول ثلاثة منهم ، فيما ظل عصام سارحا بين سطور لبنى ..
أعادوا بأنفسهم ترتيب الطاولات ، فجعلوها على شكل قوس ، وجلسوا حولها ، باستثناء شاب وفتاة انفردا قربهم ..
ضجّ المكان بأصواتهم ، وترطبَ الجوُّ بالأصوات الأنثوية ذات النكهة الشآمية اللطيفة ..
وحيث جلسوا ، صار جلهم ورائي ، فاعتدلتُ لتوسيع زاوية الرؤية ، ولذنا بالصمت أنا وعصام على وقع موسيقا الضجيج الصاخبة ..
شاب وفتاتان ـ هم نفس الثلاثة الذين تحلقوا حولهم قبل الدخول ـ جالوا مستمزجين آراء الآخرين فيما يرغبون من طعام وشراب ، ثم ذهب الثلاثة إلى البوفيه وأطالوا الوقوف والأخذ والرد ..
لم ألحظ انعكاسا ذا أهمية في وجه عصام .. كأن كل شيء عادي أو أقل .. وكنت أتوقع أن يعلق بشيءٍ ما على الفتاة والشاب اللذين انزويا يغردان خارج السرب ، لكنه لم يفعل ، بل قال حين سألته عن رأيه : لكلٍّ ظروفه ..
وحين سمعنا صوتا ينادي : لبنى .. لبنى .. سقطت الأوراق من يد عصام .. ولم أكن أقل منه مفاجأة ..
تحركت عيوننا كالرادار النشط باتجاه البوفيه .. التفتتْ إحداهما إلى مصدر الصوت ، وحركت يدها بإشارة استفهام ، ثم خطت باتجاهه ..
اغتنم عصام لحظات وجودها في المدى المجدي لعينيه ، متفرسا في وجهها وقوامها وثيابها ، كأنه يحاول أن يقارن بينها وبين الأوصاف التي وردت في الرسالة ..
ومع لحظات الاكتشاف ، ازدادت ملامحه ذهولا واندهاشا .. وتمنيتُ حقا ، أن تكون هذه هي لبنى التي سنبحث عنها في الشام ..
" أ يُعقل ؟! لِمَ لا !! ..
" كنت أتساءل حذِرا ومرتابا في إمكانية تحقق صدفة بهذا الحجم والنوع .. فليس لأي منا حظ يسعفه في لحظةٍ مفصليةٍ نادرةٍ كهذه ..
" لو ، لو تحققت ، ستوفر علينا كثيرا من الوقت والجهد والعناء المرتبط بكيفية الحصول على التفاصيل التي ستقودنا إلى حيث لبنى .. فأين ستكون ؟! .. ألله تعالى وحده يعلم ..
" ولو تحققت الآن ، لسَعِدَ الجميع ، وذهِلوا بالمفاجأة ، مادامت معظم صديقاتها يعرفن كل شيء عن مراسلاتها مع عصام ..
تحدثت لبنى مع الشاب الذي ناداها لدقائق ، وكأن جزءا من حديثهما يتعلق بالشخصين اللذين انزويا ، ثم عادت إلى البوفيه ..
كنت أتخيل وقع تحقق المفاجأة حين استفاق عصام مما هو فيه ، وسألني : ما رأيك أنت ؟
قلت : بمَ ؟
قال : أليست الأوصاف هنا ـ وأشار إلى الرسالة ـ متطابقة معها ؟
استجمعت قواي الذهنية مما كنت فيه ، ثم قلت : لو كان الأمر كذلك ، كان يجب أن تنتبه أنتَ لتطابقها معها قبل أن تسمع باسمها .. إن سماعك لاسمها دفعك للمقارنة ، وهذا غير كاف يا عصام ..
قال : صحيح .. وماذا لو كنا نمشي في الطريق ؟ هل كان علي أن أبحث عن تطابق أوصافها مع كلِّ من سأراهنَّ ؟! .. لكن قرينة الاسم صارت دليلا ودالـّة لا يمكن تجاوزها مع تطابق أوصافٍ ذكرتْها لبنى في رسائلها ..
ثم ، وهو يختلس النظر إليها ، قال : انظر يا أبا وائل إلى وجهها وعينيها وأنفها وشعرها وقامتها ولباسها .. إنها متطابقة .. إنها هي .. هي بشحمها ولحمها ..
قلت : ألا يمكن أن يكون ما كتبتْه عن نفسها مجرد وصف خيالي ، ليس إلا ؟!
اهتز غاضبا وصك أسنانه ، ولاذ بالصمت مرتشفا آخر ما تبقى في فنجانه .. وحين أراد وضعه على الطاولة ، سقط من يده ، فتناثرت بعض محتوياته اللزجة على الأوراق والطاولة ، والتفت الجميع صوبنا ، بينما أسرع عاملٌ ليزيل الآثار ..
تكهرب عصام أكثر .. فحمل مظروف إحدى الرسائل ، ومشى ـ يتصنع الهدوء ـ باتجاه البوفيه ..
وقف جانب لبنى منتظرا انتهاء العامل من حديثه معها ..
أقلقني تصرفه المفاجئ ..
هل سيسألها إن كانت هي صاحبة الرسالة ؟!
لكنه ما لبث أن عاد ، كمن نسي شيئا ، تاركا الظرف أمامها ..
كان يحدثني وعيناه هناك ، مترقبا : هل ستنظر إلى الظرف ؟ هل ستقرأ الكتابة ؟ كيف سيكون رد فعلها ؟! ..
هل ستعتقد أنه نسي الظرف ، فتعيده إليه ؟! ..
لو كان الاسم المكتوب اسمها لانتفضت باتجاهنا بكل تأكيد ..
حاول أن يعطيَ فضولها فرصة أطول ليتأكد من أنها قرأت الكتابة جيدا .. وحين تأكد ، ولم تهتز من مكانها ، أسقط في يده ، ونهض باتجاه البوفيه كالمهزوم الهارب ، وهو يقول : هيا ..
هممت بالقول : ماذا لو كانت هي لبنى ، وقد عرفت الرسالة وعرفتك ، لكنها تجاهلتْ كل شيء لأسبابها الخاصة ؟!
لكني بلعت لساني ، فلم يكن عصام في وارد احتمال أكثر مما هو فيه ..
وفي السيارة ، قال معزيا نفسه : حظي ، وأعرفه ..
ثم ضحك ساخرا : كيف لي الظن بأن شيئا من هذا يمكن أن يتحقق لي بهذه السهولة ؟!
قلت : أسْمِعنا المعزوفة السادسة يا صديقي ، لعل فيها ما يهدئ روعك ..
الرسالة السادسة 01/10/1986
قرأ عصام :
أمسكتُ القلم لأخط لك ، لكنني لم أدر ماذا سأكتب ..
نظرت حولي ، فتعلقت عيناي بلوحة على جدار غرفتي ، كتب عليها : اتق شرَّ مَن أحسنتَ إليه .. تساءلت :
كيف يمكننا اتقاءَ شر من أحسنا إليهم ؟! أيكون ذلك بدوام الإحسان إليهم أم بالحذر منهم ؟! ..
تذكرت مناسبة عيد ميلادي حين جاءتني إحدى صديقاتي بهذه اللوحة الصغيرة .. هي تعرف أني أكره هذه الأقوال وغيرها ، مثل : عصفور باليد خير من عشرة على الشجرة .. والقناعة كنز لا يفنى …
أشعر أن هذه الأقوال وُضِعت خصيصًا لوَأدِ الطموح في نفس الإنسان ، ولجعله يبتعد عن المغامرة تحسّبا للفشل ..
بعدئذ ، انتقلت عيناي إلى صورة أمي .. أحسستُ بمشاعر متناقضة تتجاذبني تجاهها ، من حبي واشتياقي الشديدين لها ، إلى كرهي الشديد لضعفها ، وخوفي أن يصيبَني مصيرُها ..
بجانب صورة أمي رحمها الله ، عُلقت صورة شهيرة بالأبيض والأسود لجندي يُقتلُ في الحرب ، كتب في أعلاها :
لماذا ؟؟ why ??
رددتُ هذه الكلمة في أعماقي طويلا ، وحاولت إخراجها من داخلي لتصل لكل الناس ، لكنها بقيت صرخة مكتومة ..
ولطالما مثـّلتْ هذه الكلمة جزءًا من تفكيري ، حتى غدت مفتاحا لبوابات عقلي وسلوكي ..
على الجدار المقابل لسريري ، صورة قديمة للعائلة قبل الزلازل .. كانت وجوه الجميع مشرقة مبتسمة .. ابتهلت إلى الله أن تظل الابتسامة على وجوه إخوتي دائما ، حتى في أشد لحظات الحزن والكآبة ..
أما صورة ندى ، فقد ذكرتني بالموناليزا ، فابتسمت لها ، وقلت في نفسي :
كم أحب هذه الطفلة الكبيرة !!
هنا ، انتهت لحظات شرودي حين تذكرت ندى .. فقد نامت مبكرا ، وهي تشكو من ألم في يديها وقدميها ( روماتيزم ) ..
أسرعتُ إلى غرفتها .. غطيتها جيدا ، وعدت ، فوجدت ورقتي لا تزال بيضاء ..













