Yahoo!

إبرة في كومة قش ـ 3

فبراير 29th, 2012 كتبها y m نشر في , تجربة حياة, قصة قصيرة

 إبرة في كومة قش ـ 3

 

 قصة :  

" رُبَّ صدفةٍ خيرٌ من ألف ميعاد " ..

كان هذا هو حالنا ، حيث بدا عصام هادئا ونحن نحتسي قهوتنا ، فيما أعاد ترتيب أوراق الرسائل ، وغاصت عيناه بين السطور كأنه يستذكرها ..

سألته : ما رأيك أن نأكل شيئا ؟

قال : أنا لا أريد ، ولا أستطيع ..

طلبت فطائرَ بالجبن وشايًا ..

قلت له : أسمِعْني شيئا مما تقرأ ..

قال : إن للقراءة طقسًا لا تتوفر شروطه في هذا المكان ..

كان يجلس قبالتي وظهره للباب الرئيسي ، حين توقفت حافلة متوسطة ، نزل منها مجموعة من الشبان والشابات ، في مرحلة عمْرية متقاربة ..

راقبتُ اجتماعا سريعا لهم قبل الدخول ، متحلقين حول ثلاثة منهم ، فيما ظل عصام سارحا بين سطور لبنى ..

أعادوا بأنفسهم ترتيب الطاولات ، فجعلوها على شكل قوس ، وجلسوا حولها ، باستثناء شاب وفتاة انفردا قربهم ..

ضجّ المكان بأصواتهم ، وترطبَ الجوُّ بالأصوات الأنثوية ذات النكهة الشآمية اللطيفة ..

وحيث جلسوا ، صار جلهم ورائي ، فاعتدلتُ لتوسيع زاوية الرؤية ، ولذنا بالصمت أنا وعصام على وقع موسيقا الضجيج الصاخبة ..

شاب وفتاتان ـ هم نفس الثلاثة الذين تحلقوا حولهم قبل الدخول ـ جالوا مستمزجين آراء الآخرين فيما يرغبون من طعام وشراب ، ثم ذهب الثلاثة إلى البوفيه وأطالوا الوقوف والأخذ والرد ..

لم ألحظ انعكاسا ذا أهمية في وجه عصام .. كأن كل شيء عادي أو أقل .. وكنت أتوقع أن يعلق بشيءٍ ما على الفتاة والشاب اللذين انزويا يغردان خارج السرب ، لكنه لم يفعل ، بل قال حين سألته عن رأيه : لكلٍّ ظروفه ..

وحين سمعنا صوتا ينادي : لبنى .. لبنى .. سقطت الأوراق من يد عصام .. ولم أكن أقل منه مفاجأة ..

تحركت عيوننا كالرادار النشط باتجاه البوفيه .. التفتتْ إحداهما إلى مصدر الصوت ، وحركت يدها بإشارة استفهام ، ثم خطت باتجاهه ..

اغتنم عصام لحظات وجودها في المدى المجدي لعينيه ، متفرسا في وجهها وقوامها وثيابها ، كأنه يحاول أن يقارن بينها وبين الأوصاف التي وردت في الرسالة ..

ومع لحظات الاكتشاف ، ازدادت ملامحه ذهولا واندهاشا .. وتمنيتُ حقا ، أن تكون هذه هي لبنى التي سنبحث عنها في الشام ..

" أ يُعقل ؟! لِمَ لا !! ..

" كنت أتساءل حذِرا ومرتابا في إمكانية تحقق صدفة بهذا الحجم والنوع .. فليس لأي منا حظ يسعفه في لحظةٍ مفصليةٍ نادرةٍ كهذه ..

" لو ، لو تحققت ، ستوفر علينا كثيرا من الوقت والجهد والعناء المرتبط بكيفية الحصول على التفاصيل التي ستقودنا إلى حيث لبنى .. فأين ستكون ؟! .. ألله تعالى وحده يعلم ..

" ولو تحققت الآن ، لسَعِدَ الجميع ، وذهِلوا بالمفاجأة ، مادامت معظم صديقاتها يعرفن كل شيء عن مراسلاتها مع عصام ..

تحدثت لبنى مع الشاب الذي ناداها لدقائق ، وكأن جزءا من حديثهما يتعلق بالشخصين اللذين انزويا ، ثم عادت إلى البوفيه ..

كنت أتخيل وقع تحقق المفاجأة حين استفاق عصام مما هو فيه ، وسألني : ما رأيك أنت ؟

قلت : بمَ ؟

قال : أليست الأوصاف هنا ـ وأشار إلى الرسالة ـ متطابقة معها ؟

استجمعت قواي الذهنية مما كنت فيه ، ثم قلت : لو كان الأمر كذلك ، كان يجب أن تنتبه أنتَ لتطابقها معها قبل أن تسمع باسمها .. إن سماعك لاسمها دفعك للمقارنة ، وهذا غير كاف يا عصام ..

قال : صحيح .. وماذا لو كنا نمشي في الطريق ؟ هل كان علي أن أبحث عن تطابق أوصافها مع كلِّ من سأراهنَّ ؟! .. لكن قرينة الاسم صارت دليلا ودالـّة لا يمكن تجاوزها مع تطابق أوصافٍ ذكرتْها لبنى في رسائلها ..

ثم ، وهو يختلس النظر إليها ، قال : انظر يا أبا وائل إلى وجهها وعينيها وأنفها وشعرها وقامتها ولباسها .. إنها متطابقة .. إنها هي .. هي بشحمها ولحمها ..

قلت : ألا يمكن أن يكون ما كتبتْه عن نفسها مجرد وصف خيالي ، ليس إلا ؟!

اهتز غاضبا وصك أسنانه ، ولاذ بالصمت مرتشفا آخر ما تبقى في فنجانه .. وحين أراد وضعه على الطاولة ، سقط من يده ، فتناثرت بعض محتوياته اللزجة على الأوراق والطاولة ، والتفت الجميع صوبنا ، بينما أسرع عاملٌ ليزيل الآثار ..

تكهرب عصام أكثر .. فحمل مظروف إحدى الرسائل ، ومشى ـ يتصنع الهدوء ـ باتجاه البوفيه ..

وقف جانب لبنى منتظرا انتهاء العامل من حديثه معها ..

أقلقني تصرفه المفاجئ ..

هل سيسألها إن كانت هي صاحبة الرسالة ؟!

لكنه ما لبث أن عاد ، كمن نسي شيئا ، تاركا الظرف أمامها ..  

كان يحدثني وعيناه هناك ، مترقبا : هل ستنظر إلى الظرف ؟ هل ستقرأ الكتابة ؟ كيف سيكون رد فعلها ؟! ..

هل ستعتقد أنه نسي الظرف ، فتعيده إليه ؟! ..

لو كان الاسم المكتوب اسمها لانتفضت باتجاهنا بكل تأكيد ..

حاول أن يعطيَ فضولها فرصة أطول ليتأكد من أنها قرأت الكتابة جيدا .. وحين تأكد ، ولم تهتز من مكانها ، أسقط في يده ، ونهض باتجاه البوفيه كالمهزوم الهارب ، وهو يقول : هيا ..

هممت بالقول : ماذا لو كانت هي لبنى ، وقد عرفت الرسالة وعرفتك ، لكنها تجاهلتْ كل شيء لأسبابها الخاصة ؟!

لكني بلعت لساني ، فلم يكن عصام في وارد احتمال أكثر مما هو فيه ..

وفي السيارة ، قال معزيا نفسه : حظي ، وأعرفه ..

ثم ضحك ساخرا : كيف لي الظن بأن شيئا من هذا يمكن أن يتحقق لي بهذه السهولة ؟!

قلت : أسْمِعنا المعزوفة السادسة يا صديقي ، لعل فيها ما يهدئ روعك ..

 

 الرسالة السادسة 01/10/1986

 

قرأ عصام :

أمسكتُ القلم لأخط لك ، لكنني لم أدر ماذا سأكتب ..

نظرت حولي ، فتعلقت عيناي بلوحة على جدار غرفتي ، كتب عليها : اتق شرَّ مَن أحسنتَ إليه .. تساءلت :

كيف يمكننا اتقاءَ شر من أحسنا إليهم ؟! أيكون ذلك بدوام الإحسان إليهم أم بالحذر منهم ؟! ..

تذكرت مناسبة عيد ميلادي حين جاءتني إحدى صديقاتي بهذه اللوحة الصغيرة .. هي تعرف أني أكره هذه الأقوال وغيرها ، مثل : عصفور باليد خير من عشرة على الشجرة .. والقناعة كنز لا يفنى …  

أشعر أن هذه الأقوال وُضِعت خصيصًا لوَأدِ الطموح في نفس الإنسان ، ولجعله يبتعد عن المغامرة تحسّبا للفشل ..

بعدئذ ، انتقلت عيناي إلى صورة أمي .. أحسستُ بمشاعر متناقضة تتجاذبني تجاهها ، من حبي واشتياقي الشديدين لها ، إلى كرهي الشديد لضعفها ، وخوفي أن يصيبَني مصيرُها ..

بجانب صورة أمي رحمها الله ، عُلقت صورة شهيرة بالأبيض والأسود لجندي يُقتلُ في الحرب ، كتب في أعلاها :

لماذا ؟؟ why ??

رددتُ هذه الكلمة في أعماقي طويلا ، وحاولت إخراجها من داخلي لتصل لكل الناس ، لكنها بقيت صرخة مكتومة ..

ولطالما مثـّلتْ هذه الكلمة جزءًا من تفكيري ، حتى غدت مفتاحا لبوابات عقلي وسلوكي ..

على الجدار المقابل لسريري ، صورة قديمة للعائلة قبل الزلازل .. كانت وجوه الجميع مشرقة مبتسمة .. ابتهلت إلى الله أن تظل الابتسامة على وجوه إخوتي دائما ، حتى في أشد لحظات الحزن والكآبة ..

أما صورة ندى ، فقد ذكرتني بالموناليزا ، فابتسمت لها ، وقلت في نفسي :

كم أحب هذه الطفلة الكبيرة !!

هنا ، انتهت لحظات شرودي حين تذكرت ندى .. فقد نامت مبكرا ، وهي تشكو من ألم في يديها وقدميها ( روماتيزم ) ..

أسرعتُ إلى غرفتها .. غطيتها جيدا ، وعدت ، فوجدت ورقتي لا تزال بيضاء ..

المزيد


هَيْبة الغياب

يناير 28th, 2012 كتبها y m نشر في , تجربة حياة, مقهى البث المباشر

 هَيْبة الغياب 

 

 لعل أغلب الكتابات والتعليقات التي وقعت عليها هنا وهناك ، تتفق على ضرورة وأهمية تكريم المبدعين في حياتهم ، وليس بعد رحيلهم ، كون تكريم المبدع قبل رحيله ، يعني اعترافا صريحا من المجتمع بأهمية مساهماته وإبداعه ، ويمنحه مزيدا من الإصرار على التجلي والعطاء ، ويُشعره بأنه ساهم في وضع لبنة في الصرح ..

وهذا ـ ربما ـ أغلى ما يناله المُكرَّمون الأحياء من مجتمعهم ..

ومن حيث المبدأ ، أنا من دعاة ومؤيدي ذاك الرأي ..

( لكن الخشية أن يقوم المبدع بالتكويع بعد تكريمه ، كما حصل مع توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ، مثلا ) ..

 

وهنا سأناقشه من زاوية أخرى ، وتحديدا ، فيما يختص بـ ( شخصية المكرَّم في الكتابات التكريمية ) ..

 

لا شك أن لتكريم المبدعين آثارا هامة ، حين يُكرَّم المبدع وهو في أوج حياته وعطائه ..

فذاك له متعته وأهدافه الإنسانية النبيلة المطبوعة بالتقدير الرسمي والاجتماعي والثقافي ، من جهة ، وله نتائجه الإيجابية على المكرَّمين وأحوالهم بمختلف وجوهها ، من جهة ثانية .. 

 

وبعيدا عن تلك الآثار ، فإنه إذا حضرنا حفل تكريم مبدع على قيد الحياة ، لوجدنا حفل التكريم كـ "حفل التأبين " ..

إذ تتخذ الكلمات طابع " الرثاء المسبق " الذي يستدر دموع المستمعين ، لكثرة ما يُدعى له بدوام الصحة وطول العمر ، حتى تتكأكأ الآهات والأوجاع ، فيشعر المُكرَّم بدنو الأجل ، وبأنه " قاب قوسين أو أدنى " من حافة قبره ..

ونراه يعبر عن سعادته بقوله : " لو مت الآن سأكون مرتاحا بعد تكريمكم هذا " ..

 

وإذا كان المكرَّم راحلا ، صار حفل التكريم أقرب إلى احتفالية تحوّل المكرّم إلى شخصية أخرى لا يعرفها أقرانه ولا أصحابه ولا أهله ..

 

ويمكن وصف بعض كلمات التكريم عامة ، بأنها موضوعية ، لكنها لا تخلو من التحيز الشخصي أو العاطفي ، فيما بعضها الآخر ، يكون ذا طابع شخصي أو عاطفي ، لكنه أيضا ، ليس بعي

المزيد


حلب ـ مطارحات العشاق

يناير 19th, 2012 كتبها y m نشر في , تجربة حياة, مقهى البث المباشر

 حلب ـ مطارحات العشاق  

 

 كتبتْ لي صديقة عزيزة ، تصبّحُ عليَّ بصباح ، تعرف أني أتشهّاه : 


( صباح الخير ، وصباح جميل من حلب .. كيف حالك ؟

كنت أقرأ للأستاذ وليد إخلاصي ، فوجدت له كلمات يتحدث فيها عن حلب ، أحببت أن أشاركك إياها .. يقول :

" كلما اقتربت منها اشتقت إليها ، أفارقها لكنها لا تفارقني ، وإذ أعود إليها أحبها أكثر ..

وكلما عرفتها أكثر وأكثر ، تبين لي ، أن جهلي بمن أحب يدفعني إلى اكتشافها من جديد ..

والكشف كالفراق .. فيهما ألم ممتع ، ومتعة ليس لها حدود " ..

أدامكِ الله يا حلب ، أدامك رمزاً تاريخيا عظيما بأبنائه وبحضارته ..

تحيتي إليكَ من حلب وصباحك سعيد دائما ) .. 

 

كتبت رادًّا :


يا صباحووو ..

 

في البدء : " كلما " الأستاذ وليد إخلاصي ، ذكرتني بـ " كلما " الشاعر محمود درويش :

( كلما مرّتْ خطايَ على طريق ،

فرّتِ الطرقُ البعيدة والقريبة

كلما آخَيْتُ عاصمة ،

رَمَتـْنِي بالحقيبة ) ..

وبعد ..

كلما اقتربتُ منها ازددتُ عشقا لها .. نعم ..

أفارقها على كرهٍ مني .. ولم تفارقني أبداااا .. نعم ..

أحببتها ، وأحبها ، وأحب من يحبها ، ولن يهدأ حبي ، ولن يمل ، ولن يتقاعد .. نعم ..

لكني أخشى ـ بعد طول الفراق ـ أن تتزيا بما لا يناسب عشقنا ، ولا يحلو به سَهَرُ وسَمَرُ العشاق .. 

أخشى أن تغيّر جلدها ولون عينيها ، وتستعير شَعرا وجدائل ، وتتزين بمساحيق مزيفةٍ ، تشوِّهُ بها خلقتها الربانية البديعة ..

المزيد


احتفالية أبي العلاء المعري

ديسمبر 1st, 2011 كتبها y m نشر في , أدب وثقافة, تجربة حياة, مقهى البث المباشر

 احتفالية أبي العلاء المعري


 د. عمر الدقاق ـ أ. خليل هنداوي ـ أ. محمد كمال - د. فخري قسطندي ـ كلية الآداب ـ جامعة حلب 03 ـ 05 ـ 1976

 

 

 ربما تكون الصور التي التقطتها ، أثناء الانتقال من جامعة حلب إلى ضريح الشاعر أبي العلاء المعري في مدينة المعرة ، هي الذكرى الوحيدة لاحتفالية كلية الآداب بإطلاق اسم الشاعر على أحد مدرجاتها ، واغتنام الفرصة المتاحة بالإضاءة على بعض جوانب ومميزات شعر أبي العلاء وشخصيته وفكره الفلسفي ..

وقبل أن نصل إلى مكان الضريح ، توقعت أن أرى مكانا يليق بمكانة وعبقرية صاحب " اللزوميات " و " سقط الزند " ، لكن مع الأسف ، لا شيء مما توقعت ..

وعلى مبدأ :

تعَبٌ كلها الحياة فما أعْجَبُ إلا من راغبٍ في ازدياد ..

تذكرت مطلع قصيدةٍ شهيرةٍ للأنباري ، في رثاء محمد بن بقية وزير عز الدولة البويهي :

عُلوٌّ في الحياة وفي الممات  لـَحَقٌّ تلكَ إحدى المعجزاتِ !!

 

 لم يكن عددنا يتجاوز العشرين ، ولم تكن الزيارة منسقة مع أحد في معرة أبي العلاء ـ كما يبدو ـ لأننا لم نلحظ قيامهم بواجب تقديم الماء لنا ، مثلا ..

وذلك لا يعفيهم من التبعات ، بعد أن عرفوا أن ضيوفهم جاؤوا من حلب لزيارة قبر" رهين المحبسين " ..

ولم تكن عمادة الكلية في وارد حساب شيء من ذلك ، ولم يأخذونا حتى إلى استراحة في الطريق ، بذريعة أننا يجب أن نعود سريعا إلى الكلية لاستكمال إجراءات افتتاح أسبوع الاحتفالية ، وهي :

إطلاق اسم " المعري " على مدرج في الكلية ، برعاية رئيس الجامعة د. أحمد يوسف الحسن ..

وبالفعل ، أزاح د. أحمد يوسف الحسن رئيس الجامعة الستارة " الصغيرة " عن لوحة " صغيرة " ثبتت إلى يسار باب المدرج ، كتب عليها " مدرج المعري " ..

وإذ دخل الحاضرون إلى المدرج ، ألقى د. عمر الدقاق عميد الكلية كلمة حول المناسبة ، ثم رُفعت الجلسة قليلا ريثما غادر المكانَ رئيسُ الجامعة ..

ثم ارتجل المرحوم الدكتور محمد حموية حديثا مختصرًا عن " شاعر الفلاسفة ، وفيلسوف الشعراء " ..

ووزعت مطبوعة خاصة بالمناسبة ، فيها مواعيد الاحتفالية لأسبوع قادم كامل ، يتضمن عددا من المحاضرات والنشاطات الأخرى ..

وبانتهاء اليوم الأول من الاحتفالية ، توارت فعاليات الأيام التالية وراء انهماك الجميع بدوامة العمل اليومي ..

وبعد أن تلاشى الاهتمام والبريق ، اقتصر الحضور في الأيام التالية ، على عدد محدود جدا من الطلبة وبعض المهتمين من الأساتذة ..

 

الخميس ـ 01/12/2011

 

 

رئيس جامعة حلب الدكتور أحمد يوسف الحسن يزيح الستار عن لوحة تحمل اسم  مدرج المعري  في كلية الآداب ـ 03 ـ 05 ـ 1976

المزيد


المعسكر والمقال وصديقي وأنا

نوفمبر 30th, 2011 كتبها y m نشر في , تجربة حياة, مقهى البث المباشر

 المعسكر والمقال وصديقي وأنا

 

 1 ـ المعسكر صيف 1975 ..

 

طرأت تغيرات عديدة على الأوضاع العامة للمعسكر ، فتغيرت قيادته ، وخُصِّصَ بقطعة أرض شرق مدرسة المشاة ، وبدت قيادته الجديدة ، مهتمة أكثر بالتدريب اليومي والرياضة والنظام العسكري المتشدد ، وبمتابعة الانضباط العام والتقيد بمواعيد التدريب والطعام وما إلى ذلك ، مما فرض مزيدا من الصرامة القاسية ، فوق ما نحن فيه من قسوة المكان والظروف ..

لكن لم يتغير فيه شيء تقريبا ، عن معطيات معسكر العام الماضي ، ولاسيما منظر الخيام والمقطورات والقصع والقطن المضغوط والغبار ..

وإن شاعت عقوبة السجن وما يتبعها من عقوبات إضافية كـ " السخرة " ..

كما شاعت عقوبة " حلاقة " شعر الرأس على الصفر ، كعقوبة إضافية للسجن ، أو كعقوبة فردية على " الطالع والنازل " ..

وغدا منظر الرؤوس الحليقة " ظاهرة " واضحة ، مع التزايد اليومي في أعدادها ..

فقد كان قائد المعسكر دائم التجوال في سيارته اللاند روفر ، مصطحبا معه الحلاقين المهرة ، وكل من يشاهده من الطلاب " يتبلاه ويتصيده " ، ليأمر الحلاق بـ " إزالة شعره " عن الوجود ، وقد يرسله إلى السجن أيضا ..

وكأنه أراد أن يكتسب سطوة يستعيد من خلالها الانضباط العام المفقود في المعسكر ، وهو القادم إلينا من منصب " قائد سلاح المدفعية " ، وشتان بين انضباط الجنود وانضباط الطلبة ..

 

وحين مُنِحْنا مغادرة جماعية لأربع وعشرين ساعة ، في منتصف أيام المعسكر تقريبا ، كانت للاستحمام بالدرجة الأولى ، لعدم توفر الماء والحمّامات الصالحة والكافية في المعسكر ..

 

2 ـ زيارة تسبّبت في رسوبي :

 

في البيت ، أبلغتني زوجتي :

أمس ، اتصلت " غزالة " أخت صديقك " يوسف أخرس " ، بطلبٍ من أخيها ، لتخبرك بوجوده في مستشفى حرستا بدمشق ..

 ( وكان ما يزال طالبا ضابطا في الكلية الحربية ، وقد ظهر عليه المرض منذ أشهر ، من خلال جحوظٍ واضح في عينيه ) ..

سافرتُ إلى دمشق فجرا ، اتصلت من الكراج بصديقنا أبي اصطيف ، ونسقت ذهابنا إلى المشفى معا ..  

وهناك ، صَعَقنا سوءُ حاله ، وجحوظ عينيه ، حتى كدت لا أعرفه ..

وقد أدرك أن ترددي في السلام عليه للوهلة الأولى ، نابع من عدم معرفته بعد تدهور حاله ..

فعاتبني بمرارة الإحساس بدنو الأجل : أمَا عدت تعرفني ؟!

تجلدتُ كي لا أزيد عليه آلامَه وأحزانه ، وإن لم يكن خائفا من الغد ، لإيمانه الشديد بقدَره ، وهو مستقر بعد أن غيروا له دمه قبل أيام ، وقد طمأنه طبيبه " نزار مصاصاتي " بأنه سيتحسن عاجلا ..

أنا وصديقنا أبو اصطيف ، أبدينا له كل التفاؤل ، وبأن أصدقاءنا الآخرين حمّلوني إليه تحياتهم وتمنياتهم ، وأنهم ينتظرون خروجه من المشفى معافى ليلعبوا معه " بالطرنيب ، ويخسّروه " ..

لكن حاله ـ مع الأسف ـ لا تبشر ..

لم يكن اسم د. مصاصاتي غريبا على مسمعي ، سمعته سابقا من المرحوم أخي يصفه بـ " الصديق والأخ " ..

قلت ذلك ليوسف ، وقلت له : أريد أن أعرف مكان عيادته لأزوره وأوصيه بكَ خيرًا ، وأطمئن منه مباشرة عنك ..

استدعى الممرضة ، فأعطتني عنوان العيادة في دمشق ..

ودعناه ، وذهب معي أبو اصطيف إلى عنوان العيادة ، فقيل : إنه مسافر ولن يأتي اليوم ..

 

………………

 

على باب المعسكر ، وفور وصولي متأخرا ، انضممت إلى نقابة " الرؤوس الحليقة " ، وعلمت من الزملاء ، أنهم أدّوا امتحانا كتابيا ومفاجئا وسريعا و " كيديا " ، في يوم غاب أو تأخر فيه كثيرون عن الالتحاق بعد " معجزة " المغادرة ..

ليس مهما ، فقد رأيت صديقي واطمأننت عليه ، ولم أكن أعلم بالطبع ، أنه لقاؤنا الأخير ..

لكنه كان وانتهى الأمر ..

بعد قرابة عشرين يوما ، توفي صديقي يوسف بسرطان الدم ..

وضجت أمه وأخواته بالنواح والنحيب حين رأينني جانب الجثمان ، وتعانقت أنا وأخوه الأكبر " عمر " منتحبيْن ..  

ثم واريناه الثرى في قريته " معارة الأرتيق " قرب حلب ..

تغمده الله بواسع رحمته ..

 

خلـَّفَ رحيله آثارا صعبة جدا عليّ ..

فهو ماثل لي دوما ، ولم نفترق منذ سنوات ، وأمضينا عامين دراسيين جنبا إلى جنب في المرحلة الثانوية ، وعملنا معا في نشاطات طلابية وثقافية متعددة ، رغم أن لكل منا هواه السياسي الواضح ..

وبعد الانصراف من الدوام المدرسي ، كنا نتفق على موعد اللقاء التالي ، لأنه لا توجد لدينا هواتف أرضية ولا خليوية ، ولا يمكن أن نترك لقاءنا للصدفة ..

وإذ يأتي إليّ ، تكون غرفة " المكتبة " جاهزة ..  

ففيها ذاكرنا معا دروسَنا على مدار العامين ، وفيها تكون سهرة الخميس مع بقية أفراد الشلة ، نقضي شطرا من الليل بين لعب الورق والجدل الذي لا ينتهي ..

وقبيل انفضاض السهرة ، يكون بعضهم قد اختار من المكتبة الكتابَ الذي يود قراءته خلال الأسبوع القادم ..

وليوسف في هذه الغرفة سريره الخاص ( سرير عزوبيتي ) ، يقيّل وينام براحته ، وخاصة في ليالي الشتاء الزمهريرية ..

وقد عسكرنا فيها أياما قبل امتحان الثانوية ، حتى جاء عمر ليطمئن عن أخيه يوسف ، ويتأكد من أن غيابه عنهم ليس حردا ولا انزعاجا ..

وفيما بعد ، أسر لي عمر ، أنه : (( في بداية الليالي التي نام فيها يوسف عندك ، كنت أرتدي الكبوت العسكري والجزمة ، وأتلثم من شدة البرد ، وأذهب مشيا إلى بيتكم ليلا ، وأختلس النظر إلى غرفة المكتبة ، في أوقاتٍ يتأخر فيها يوسف عن العودة ، لأطمئن عليه وأعود في " نصاص الليالي والتلج عميندف ندف " )) ..  

وبعد أن التحق يوسف بالكلية الحربية ، كان يأتي إلى بيتنا من حمص مباشرة ، قبل أن يذهب ليرى أمه وأخته وأخاه وعائلته في بيت أخيه ..

وقد ينام في " سريره " ليذهب إليهم في الغد قبيل العودة إلى حمص بسويعات ..

كان قنوعا صبورا ، شهما ، عفيفا ، حييا بما لا يُقاس ، ذا مروءة ونخوة وتعقل وتفاؤل ، يؤمن بقدراته ويعمل بإخلاص وجدٍّ وكدٍّ لتنميتها ، لكن " حظه خائن " كما كان يقول ..

وكاد تعثره في الثانوية العامة ، أن يحبط معنوياته إلى الأبد ، ويفقده حلمه في أن يجد عملا شريفا كريما سريع المردود ، مما دفعه إلى الكلية الحربية بعد النجاح ، فهي الأسرع في تأمين بدائل مناسبة ولو في حدها الأدنى ، لا طمعا ولا تباهيا ولا حبا بالنفوذ ، بل ، ليتخلص من عملٍ مضن يقوم به في عطلة الصيف ، وليعيلَ نفسَه على الأقل ، وليقضيَ أطول وقتٍ خارج البيت ، كي يمارس أخوه وأسرته حريتهم دون وجوده الدائم " المحرج " ، إذ يكفيهم وجود أمه وأخته معهم ..

ولم يمهله أجله شهرين آخرين لتراه أم عمر ضابطا ، ولم تنقطع صلاتي بأخيه عمر لسنوات بعد وفاته ..

وسعيت بعدئذ لمقابلة المقدم الدكتور نزار مصاصاتي بناء على رغبة عمر الملحة ، لطلب المساعدة على توصيف حالة وفاة أخيه في " التقرير الطبي للوفاة " ، لكنه اعتذر بلطف عن تلبية الطلب ، رغم أنه رحب بي طويلا بعد أن شرحت له مقولتي التي بدأت بها حديثي معه :

" أنت صديق أخي ، وأرسلني إليكَ أخو صديقي .. وصديقانا شهيدان " ..

رحمك الله يا يوسف ، فوالله ، لقد كان لك من اسمك نصيب وفير ..

أيها الصديق الشهيد ..

لقد عشنا أحلامَنا معا ، ووُئدت أحلامُنا معا ..

فليس الراحلون ـ أحيانا ـ بأقلّ حظا من المقيمين ..

 

3  ـ أزمة " مقال " في المعسكر الاستثنائي :

  كانون الثاني 1976

 

 ومع بداية العام الجامعي الجديد ، ذهبتُ إلى الكلية لأدفع رسوم التسجيل بشكل اعتيادي كما يحدث كل عام ..

ففوجئت أني راسب في السنة الثانية ، لرسوبي في مادة التدريب العسكري ، فوق المادتين اللتين أحملهما : التاريخ ، واللغة الشرقية السريانية ..

كانت صدمة حقيقية ، استنفرتُ لها ، واستغثت بالمكتب الإداري لاتحاد الطلبة ، فاستنفروا المكتب التنفيذي في دمشق ، والنتيجة :

" لا تراجع ، ولا حل " ..

حسبنا الله ونعم الوكيل ..

وكما يتيحُ اللهُ للفضيلةِ المطويةِ لسانَ حسودٍ لينشرَها ، أتاح لهذه القضية أن تـُحَلَّ ..

فبعد تفاعلات وإرهاصات ، صدر مرسوم : " يُخضِعُ الطلبة الراسبين في مادة التدريب العسكري ، لمعسكر استثنائي ، إذا كان نجاحُهم فيها يعدّل وضعَهم انتقالا أو نجاحا " ..

وحُدِّدَ موعد المعسكر في كانون الثاني 1976 ..

وكان الشتاء قاسيا جدا ، فكيف إذا كان المعسكر في ثكنة هنانو ، الرابضة على مرتفع مكشوفٍ للمدى والريح ، في شرق المدينة ؟! ..

وهي ثكنة قديمة بناها العثمانيون ـ كما يوحي طراز بنائها ـ  ، وطورها الفرنسيون قليلا بما يلبي حاجات جندهم وخيولهم ..

وبينما نحن في ما يسمى بـ " قاعة المطالعة " ـ وهي اسطبل معدل ـ ، كتبت مقالا " من تحت الدست " عن التدريب الجامعي وأهدافه السامية التي لا تتماشى معها ظروفنا القاسية جدا ، المحيطة بنا في مكان " أثري " كهذا ، يفتقد لكل شيء ، كل شيء ..

أرسلتُ المقالَ إلى جريدة البعث بدمشق ، ونسيته نهائيا ، لأنني غير واثق من نشره ..

( مع الأسف لم أعثر في أرشيفي على نسخة منه ) ..

 

وبعد أيام قليلة ، كنا في الدرس الأول ، وفي نفس القاعة ، حين دخل قائد المعسكر المقدم حسين عايدي ، يسأل عني ، ثم طلب مني مرافقته ..

وفي الطريق إلى مكتبه ، سألني كأنه يريد أن يتأكد : أنت فلان ؟؟

قلت : نعم ..

قال : أنا أعرفك من الشباب " الكويسين " ، ماذا فعلت ؟

كنت خالي الذهن تماما ، فقلت مستغربا : لم أفعل شيئا .. ماذا هناك ؟

قال : جاء العميد رئيس فرع التدريب الجامعي ، ويريد أن يراك ، وهو غاضب جدا منك ..

في المكتب ، ليس ثمة سوى عميد ونقيب .. إذن العميد هو رئيس الفرع ، والنقيب أعرفه بالشكل ..

أمرني العميد بالجلوس بعد أدائي التحية العسكرية ..

جلست حيث أشار ..

الثلاثة أمامي ، أم أنا أمامهم ؟؟

عميد ومقدم ونقيب ..  

أ أنا في محكمة عسكرية ؟!

لحظات ثقيلة جدا من الصمت ، وأنا أشرّق وأغرّب باحثا في رأسي

المزيد


من التدريب الجامعي إلى الكلية الجوية

نوفمبر 25th, 2011 كتبها y m نشر في , تجربة حياة, مقهى البث المباشر

 من التدريب الجامعي إلى الكلية الجوية

 

 نحن في صيف 1974 ..

وفي نهاية السنة الأولى من الجامعة ، التحقنا بمعسكر التدريب العسكري الجامعي الصيفي الأول ، الذي تمت ترتيباته على عجل ، واختير مكانه في " مدرسة المشاة " بالقرب من حلب ، ضمن ظروف جوية قاسية ، وحالة نفسية صعبة ، كونها التجربة الأولى لنا وللمسؤولين عنا ، كأول دفعة تنفذ المرسوم الذي أحدَثَ التدريب العسكري الجامعي ، بعد حرب تشرين الأول 1973 ..

 

1 ـ البداية : 

 

وهناك ، قسّمونا إلى مجموعات ، وسلموا أفراد كل مجموعة خيمة ومستلزماتها وأسرّة وقصعا للطعام ….. 

واستلم كل منا بعض المهمات الفردية الخاصة به ، كاللباس والحذاء العسكري والمَطرة ، وكمية من القطن المضغوط ، وحرامات وغلاف فراش وغلاف وسادة ..

وقيل لنا : روحوا " دبروا راسكم " ..

كيف سننصب الخيمة ؟ وكيف ستتسع لثمانية أسِرّة ؟ وكيف سنندف القطن وهو مضغوط كالرصاص ؟ وكيف سنحشوه في غلافي الفراش والوسادة ؟ وكيف سنخيط فوهتهما ؟! ألله تعالى أعلم ..

وَوُزعت علينا المهمات الفردية ( البدلة والبوط ) عشوائيا ، لا على التعيين ، وقيل لنا : تبادلوها فيما بينكم حسب مقاساتكم ..

وهكذا فعلنا ، لكن ، ظل هندامنا كاريكاتيريا رغم كل عمليات التبادل والتجميل الآني ، ولم يتحسن الهندام إلا بعد أول مغادرة للمعسكر ..

أما الأرض التي سننصب خيامنا فيها ، فكانت حجرية حصباء ، وغير مستوية ، لأنها مفلوحة ومزروعة بشعير ، رَعَت الماشية في الربيع كلَّ ما ظهر منه فوق الأرض ، وبقيت جذوره والأشواك وروث الحيوانات ..

مياه الشرب تُملأ في مقطورات تحت أشعة الشمس ، تنفد خلال سويعات .. ويبقى الأمل بما تحتويه مطرة كل منا ..

الحمّامات " كفاكَ لا رواك " ..

السهرة " رومانسية " جدا على ضوء القمر والفوانيس ..

باختصار : كانت الظروف غير مألوفة ولا متوقعة ، ولا تطاق ..

 

2 ـ خذلتني عيناي فأنقذني قلبي :

 

 جاءتني فرصة ثمينة ، أضرب فيها عصفورين بحجر .. 

فقد وصلني إشعار بتارخ 17/07/1974 بوجوب الحضور إلى دمشق لإجراء الفحوص الطبية اللازمة ، لقبولي طالبا ضابطا طيارا في المعهد الجوي من الكلية الجوية ..

وكان هذا بعد طول ترقب وانتظار ، ارتكبت من أجله مخالفات وتجاوزات ..

في صباح اليوم الثاني ، أخذت الإشعار إلى قائد المعسكر العقيد حمادة كوسا ، فأمر " رقيب " القلم ليعدَّ لي " أمر مهمة " إلى دمشق ، للمثول أمام اللجان الطبية ..

وهناك ، اجتزت كل اختبارات اللياقة والصحة ، ورسبت في فحص العينين الشديد الدقة والحساسية ، فقد أخفقت عيناي ـ عبر جهاز يعرض الصور من الفضاء ـ في اختبار " تمييز أجسام صغيرة فوق الأرض " ، وهي المرحلة الأخيرة من اختبار العينين ..

وهذا كافٍ بحد ذاته لإنهاء " الحلم " ، والخروج نهائيا من المسابقة ..

لا أعرف كيف فاجأتني ـ فورا ـ دموعٌ مدرارة من عينيّ ، وأنا ما زلت على الكرسي أمام الجهاز " اللعين " ، حين قال لي العميد الطبيب : إن عينيك لا تساعدانك على أن تكون طيارا حربيا ، هل تريد أن أحوِّلكَ إلى الكلية الحربية ؟ ستكون هناك ضابطا نموذجيا ..

كانت المرة الأولى والأخيرة في حياتي ، تنهمر فيها دموعي بدون إجهاش ولا بكاء ، كأن عيني أدركتا عمق خيبتي ومأساتي بهما ، وأنهما السبب المباشر في تحطيم ما كنت طامحا له ، فأرادتا أن تكفرا عن ذنبهما بذرف الدموع ..

انشدَهَ العميد الطبيب وهو يراقب انهمار دموعي ، واختناق صوتي ..

لا أعرف ما الذي انتابه ، لكنه لم يكتب النتيجة النهائية على بطاقة فحصي ، بانتظار جوابي ..

نظر فيها ، وإلي .. همّ بالكلام ، ثم ، لم يقل شيئا ..

الثواني تمر مؤلمة بطيئة لزجة ..

قال كأنه يعتذر لي : يا بني إن عينيك لم تجتازا الفحص على الجهاز .. وهذا ليس لي فيه حيلة ..

تمالكت نفسي ، حتى تغلبت على حشرجة صوتي ، ثم رجوته أن ينجّحني " لأمنيتي أن أكون طيارا ، ولأنتقم من الصهاينة الذين احتلوا أرضنا وقتلوا شقيقي " ..

وأكملت بتماسك وحسم : إما أن أكون طيارا وإما فلا ..

كان واقفا بجانب الجهاز الذي سبَّبَ رسوبي ..

مشى إلى الطاولة ، جلس ، وسألني عن مزيد من التفاصيل عن أخي ، ثم قال وهو يكتب ويوقع على البطاقة : إنك ـ يا بني ـ سترى عدوك بقلبك أكثر من عينيك .. تكرم عيونك .. تفضل خذ بطاقتك وأكمل فحوصك .. لكن ، اغسل وجهك قبل أن تخرج من هنا ..

أكملت الفحوص بنجاح وأنهيت مهمتي ، لألتحق  بالمعسكر في اليوم التالي ، فصودف أنه اليوم الأخير منه ..

المزيد


الدكتور فؤاد المرعي ـ قطب الرحى وواسطة العقد

نوفمبر 25th, 2011 كتبها y m نشر في , تجربة حياة, مقهى البث المباشر

الدكتور فؤاد المرعي

قطب الرحى وواسطة العقد

 

أولا ـ

 

 لم أشك لحظة قبل الآن ، في أن استحضار كمٍّ من الصور والذكريات ، وتحويلها إلى أحرف تحكي جوانب محددة عن المرحوم أبي وائل ، د. محمد حموية ، ستكون أكثر صعوبة مما هو عليه في استحضارها وتحويلها لتحكي جوانب محددة أخرى عن " قطب الرحى ، وواسطة العقد " أبي خلدون ، د. فؤاد المرعي ….

لكن الوقائع التي انجلت أمامي بعد استحضارها ، جعلتني محرَجا مع نفسي ، حتى صَدَقَ فيني قولهم :

" المياه تكذب الغطاس " ..

وتبيّنتُ حجم العبء الذي أفسدَ عليَّ سكينة ، أحتاجُها لمراجعة القلب في ترتيب الأحبّة على استقامةٍ نسقيةٍ لا تدع مجالا للمفاضلة بينهم .. ولا تسمح بها أبدا ..  

وتريثتُ طويلا قبل الشروع في الكتابة ، وتذرعتُ وترددت ، حتى أتاني اليقين ـ بلا استئذان ـ خاطفا كالحلم اللذيذ ، وما لبث أن تلاشى كغيمة صيف ، فدفعني لإلقاء نفسي في الأتون ، كي أصل إلى ما أريد ، وكي أحظى برضا النفس عن كلماتي .. 

ولا أعرف مصدرا ولا سببا محددا لأحلامي وأوهامي تلك ، غير أن الانقضاء المفاجئ للأجل ، يلوِّن المصيبة بألوانه الدّكن ، فتبدو الصورة المتوَهَّمَة جزءا منها ، وقد يتفرَّع عنها أجزاء أخرى ذات ألوان متفاوتة القتامة ، يتخفّى كلٌّ منا ـ وراء ما يناسبه منها ـ بنظارته التي توحي بالفاجعة ..

ويا لها من فاجعة !! ..

 

وإذ يكون فضاءُ التلاقي محدودَ الزمان والمكان ، تنفرج الرؤى عن أمداءٍ من الذكريات ، وتتغلغل في الصدر روائحُ المودة التي غابت ، فتبني الأسطورة مجدَها على الهرم الأكبر ، وتغني للراحل نشيد الوداع ..

 

ولو استعرضتُ الخريطة " الزمكانية " المفصَّلة ، كفضاءٍ جمعَ ثلاثتنا في تلك المرحلة ، لكان بالتحديد مبنى كلية الآداب ( الحقوق حاليا ) بنسبة 99% ، وهي ـ أيضا ـ لم تخرج نهائيا عن بيوتنا نحن الثلاثة ، إلا عند اجتماعنا في مدينة المعرة ، حول قبر أبي العلاء المعري ، في احتفالية ثقافية دعت إليها كلية الآداب في ذكراه ، شارك فيها عدد من الأساتذة والمدعوين المهتمين (1)..

ولعلي إذ أوَصِّفُ أحداث المرحلة تلك ، أجدني مضطرا لتحديد نقطة فاصلة ، كان ما بعدها مختلفا عما قبلها ..

تلك النقطة هي : العقوبة الانضباطية التي فرضها بحقي د. وهيب طنوس (2) ..

 

والأمانة تقتضي مني القول :

لقد كان د. فؤاد خط الدفاع الأول عني ، في كل ما تعرضتُ له جرّاء تلك الواقعة وما تلاها ، لامتداد آثارها السيئة طيلة سنواتٍ ، ترَبَّعَ فيها د. طنوس على عرش التعليم العالي في البلد ..

ومع أن دفاع أبي خلدون حضاري بامتياز ، ومن النوع " السلمي والناعم وبلا حِدّة ولا مواجهة " ، إلا أنه يكفي لإيصال ما يريد لمن يريد ، ولم تكن الأمور تحتاج أو تحتمل أكثر من ذلك ، وخاصة في السنوات " الطنوسية " التي أغرقتنا طويلا ..

وعليه : فإن المرحوم د. محمد حموية ، كان خط الدفاع الثاني ، لأسبابٍ خاصةٍ به ، لا تماسَّ لها بعلاقتنا ، منها :

ـ كونه ليس على صلة وثيقة بالدكتور وهيب ، ولا بغيره من أصحاب القرار ..

ـ ولزهده بـ " مكافآتهم " الوظيفية مهما غلت ..

ـ ولاهتمامه الهادئ جدا بشؤونه ومحاضراته وعمله كأستاذ وكرئيس لقسم اللغة العربية ، وكأن هذا منتهى الطموح ..

ـ ولشيء من الانعزالية تغلف طبائعه وسلوكه العام ..

( وذاك كله اجتهاد شخصي مني ) ..

ومع ذلك ، تدّخَّلَ لدى د. وهيب من أجلي ، ثم نقل إليّ خيبة أمله من الرد " العنجهي " الذي تلقاه ..

أما د. فؤاد ، فهو وإن كان زاهدا جدا بـ " مكافآتهم " أيضا كزميله وصديقه أبي وائل ، إلا أنه يرتبط بعلاقات مهمة وواسعة ومتينة مع الجميع ـ مسؤولين إداريين وسياسيين في الجامعة ، وأساتذة وطلابا وموظفين ـ وتتسم بالوضوح والإيجابية ، نتيجة انسجام شخصي حرص أبو خلدون على رعايته وتنميته وتقويته والاستفادة من نتائجه لصالح العمل تحديدا ..

كما أن خطوط تواصله ممدودة ومفتوحة معهم ، لتجسير الآراء المرتبكة أو المختلفة أو المتناقضة ، منعا لها من الظهور العلني كـ " هوّةٍ تفصل بينهم " ..

إضافة إلى إيمانه المطلق بفكره ومعتقداته وآرائه ، والتي لا يقبل فيها مناورة ولا مساومة ولا أنصاف حلول ..

وإن كان ـ لكرَم منه وسماحةٍ وشهامةٍ ـ يقبل التلاقيَ أحيانا من بعضهم عند نقطة الحد الأدنى ، وتلك في أضيق الحالات ، ويعدّها أبو خلدون تضحية منه ، لكنه لا يحتسبها واحدة على من استفاد منها ..

وما قابلتُ ندًّا له في سباقه مع نفسه لتقديم مساعدةٍ يحتاجها طالبُها منه ، ما دامت تتمتع بالشرعية الأخلاقية والقانونية ، والإنسانية .. وهذه لها اعتبار خاص ، وميزة خاصة في سلوكه اليومي ومسيرة عمله التدريسي والوظيفي ، وفي علاقاته العامة ..

فإذا طلبتَ منه مساعدة ليست في متناول يده ، يتقصّى ـ بعيدا عن ناظريك ـ عن طريقةٍ شرعية مناسبةٍ للوصول إليها .. وقد تنسى أنتَ طلبكَ بمرور الوقت ، لكن أبا خلدون لا ينسى ..

فإن تعذّرَ تحقيقها ، لا يتوانى في بيان الأسباب التي حالت ، وإبداء الأسف الممزوج بالحرج .. حتى كنت أقول في نفسي : " فليتق الله سائله " ..

ولأن شخصية أبي خلدون شفافة وصادقة ، ولا تعمل ولا تتفاعل إلا فوق الطاولة وفي ضوء النهار ، فهو منسجم أيضا مع محيطه وطلابه وزملائه ، عبر شبكة رائعة من العلاقات الإنسانية الملونة بألوان قوسه القزحي الخاص به ..

وكنت أراقب ذلك عن كثب ، متفائلا ومؤملا بأن يتهيأ لي مستقبلا ما يشبه تلك الحالات الأنيقة الأثيرة ..

 

ثانيا ـ

 

 والمكتب الوحيد الذي ما رأيت بابه مغلقا أثناء الدوام ـ إلا لِمامًا ـ هو باب مكتب د. فؤاد .. سواء باب غرفته الصغرى الكائنة بين غرف الأساتذة ، أو باب غرفته الكبرى ، كوكيل للكلية ..

وأبو خلدون وحده ، يستقبل ضيوفه وقوفا ـ أيا كانوا ـ منذ لحظة رؤيته لهم في باب مكتبه ، وقد جعل طاولته في مكان يسهل عليه الخروج من ورائها لمصافحتهم أو عناقهم .. وقبل الكلام ، يبدأ التفاوض حول الضيافة التي يرغبها الضيف ..

وفي المكتبين ، كنت أعرف كمَّ " الضيافات " التي تـُقدَّمُ يوميا للضيوف والزوار ، وأعلم ـ سرًّا ـ بالمبلغ الشهري الذي يسدِّده ثمنا لها ، ( وكان يعادل في مجموعه ما يسدده جميعُ أساتذة الكلية الآخرون ، بما فيهم عميد الكلية ) ..

والمكتبان ، هما المكان الوحيد الذي يلتقي فيه الأساتذة ببعضهم ، أيام الدوام أو في العطلات الفصلية والصيفية ، ويتكلمون فيه براحتهم ، ويتبادلون النكت والطرائف وآخر الأخبار العامة ، أو المتعلقة بالكلية والطلاب …

وهما ملتقى جميع الفعاليات الثقافية والطلابية والسياسية ، على اختلاف انتماءاتها وتوجهاتها فيما بينها من جهة ، ومع سيد المكان من جهة أخرى ..

وهما المكتبان الوحيدان اللذان كنت فيهما ، أستعين بكراسي المكاتب المجاورة ، كلما تنازلتُ عن مقعدي لأحد الأساتذة الضيوف حين يغصُّ المكان بهم ، وما أكثر ذلك !!

 

هل تحتاج " الحالات " تلك إلى شرح أو توضيح أو استنتاجات أو مداليل ؟؟!!

وبعد ..

إني ما سمعت ، وما عرفت عن علاقة احترام متبادل بين رئيس ومرؤوسين ، كالتي كانت بين د. فؤاد والعاملين في الكلية ..

وكانت تربطني بمعظمهم علاقات ودية أيضا ، وكنت أسمع تقريظا ومديحا واحتراما كبيرا يكنونه له ، حتى غدا مضرب المثل للمقارنة بين وكيلي الكلية ـ آنذاك ـ على الأقل ، بدءا من رأي رئيس الدائرة الأستاذ حمزة شراق ، مرورا برئيسة الامتحانات السيدة منى عاقل ، ونادر عاقل في شؤون الطلاب ، وعدنان سفقلو ونظمية حباب في الديوان ، وسكرتيرة العميد إلهام مولوي … وفيما بعد : نادية حسكور ونجاح الصكبان ووليد …. وحتى عامل مقسم الهاتف أبو البر ، إبراهيم عجور ..

ولم تكن آراؤهم تلك تحكى أمامي " مداهنة أو مراءاة أو تمسيح جوخ " ..

ولمَ ؟! وفيمَ ؟! ..

بل ، ولأنها صادقة أمينة جادة إلى أبعد الحدود ، انعكست إيجابا ـ أيضا ـ على علاقتي بهم ، ولسنين طويلة تلت سنة التخرج  ..

( وإن كان ثمة أسباب شخصية قائمة ، وأخرى طرأت واستجدت ـ خلال عملي في الجامعة ـ فعززتها وزادتها بروزا ومتانة ) ..

 

ثالثا ـ

 

 أن تذوب الحدود والخطوط والمتاريس كلها دفعة واحدة ، وأنت في حضرتهم ، فتحس أن شيئا ضخما قد أزيل من أمامك ، ومن فوق كاهليك .. وأن ثمة مدى مفتوحًا أمامك ، لا يحدّه سوى خطِ الأفق الوهمي ..

 أن يتصرفَ الآخرون أمامك بأريحيتهم .. فلا يتحرجون من كلمةٍ أو وَصْفٍ أو تعليق ، ولا يُشعِرونك أنكَ طارئ عليهم أو أنهم " ينتظرون مغادرتك بفارغ الصبر " كي يتسنى لهم ممارسة التنفس بحريتهم ..

 أن يلبّوا دعوتكَ بطيبِ خاطر ، وبإلحاح منهم " ألا تتكلفَ " ما لا يُطاق ..

 أن تُستَقبَلَ في بيوتهم ومكاتبهم بكل الودّ والترحيب والتأهيل ، أمينا مؤتَمَنا ..

 أن تهاتفهم في أي وقت ، ويهاتفوك ..

 أن تطمئن عنهم ويطمئنوا عنك ..

 أن يَسألوا عن تأخرك أو غيابك أو احتجابك ..

 أن يحدثوك عن متاعبهم وهمومهم ..

 أن تكون بئر أسرارهم ، يستودعونك عليها مطمئنين ..

 أن تكون بينهم مخصوصا بالسلام والكلام والتحية واللقاء ..

 أن يُقال أو يُوحَى للآخرين بـ " أنه منا وفينا " ، فلا يتحَرّجَنّ أحدٌ بوجودك ..

 أن تُخاطـَبَ بكنيتكَ ، أو باسمكَ مسبوقا باللقب اللائق ..

 أن تُستقبَل أنت وأصدقاؤك وصديقاتك في مكاتبهم بنفس درجة الاحترام التي لا تستطيع فرضها عليهم أو انتزاعها منهم ، لو لم تكن علاقتك بهم " حالة إنسانية راقية واعية كهذه " ..

المزيد


جامعيات أثيرة

نوفمبر 18th, 2011 كتبها y m نشر في , تجربة حياة, مقهى البث المباشر

 جامعيات أثيرة

 

 تطابقت آراء بعض أساتذتنا الكرام في كلية الآداب من جامعة حلب ، على أن طلاب دورة 1973 ـ 1977 يتميزون عمن سبقهم وعمن تلاهم .. 

وعدّها بعض الأساتذة " آخر الدورات " المميزة والملتزمة نضجًا ووعيًا ، والمتجاوبة المستجيبة ، وذات الأهمية والشأن في التحصيل العلمي ، والحرص على التفوق الحقيقي ..

وتلك الآراء عبر عنها ، وسمعتها من كل من : د. فؤاد المرعي ، والأستاذ محمود فاخوري ، والمرحوم د. محمد حموية ، والمرحوم الأستاذ محمد الأنطاكي ..

وغالبا ما كان يتم التعبير عن ذلك ، بحضور أساتذة آخرين وفي معرض الإشارة إلى تفوق أعداد من طلاب وطالبات هذه الدورة ، وفي التنويه والإشادة بالعلاقة الحميمة التي تجمع عددا كبيرا منهم بأساتذتهم ، فيوافق الأساتذة الحاضرون على هذا " التقريظ " ويثنون عليه ..

ومنهم : د. أحمد هبو ، د. مصطفى جطل ، د. فايز الداية .

 

وفيما لم أسمع آراء كل من : الدكتور فخر الدين قباوة ، والأستاذ علاء الدين زيتون ، والدكتور وهيب طنوس ، والدكتور توفيق برو ، فقد سمعت شهادات مباشرة تثني أيضا على طلاب هذه الدورة ، من كل من الأستاذة منى برغوث ، والأستاذ كمال خليل هنداوي ..

(الذي حظيتُ منه بدعوة خاصة لزيارته في منزله ، ومشاهدة مكتبة والده الأديب خليل هنداوي ) ..

"" وعلى كل حال ، فإن تلك الآراء ـ عموما ـ ظلت سائدة وتتردد في المناسبات التي نلتقي فيها بأساتذتنا حتى منتصف الثمانينيات الماضية ، ولا أعلم إن طرأت تغيرات عليها فيما بعد ، أو لم تطرأ "" ..

 

1 ـ الأستاذ محمود فاخوري :

 

باستثناء الأستاذ فاخوري ـ الذي عرفته منذ كنت طالبه في المرحلة الثانوية ـ فإن جميع من توطدت علاقتي بهم من الأساتذة في كلية الآداب تحديدا ، كانت عبر التواصل معهم في مكتب الدكتور فؤاد المرعي غالبا ، ومكتب المرحوم الدكتور محمد حموية أحيانا ..

………….

في المرحلتين ، كان الأستاذ محمود مثال العطاء والإخلاص والتفاني ..

ومنذ دخوله المحاضرة ، يفتح حقيبته الجلدية الكبيرة ، ويكبس زر التشغيل الآلي لصوته ، فلا يتوقف إلا بعد أن يتوافد الفضوليون على باب القاعة ، فينتبه إلى أن وقت المحاضرة قد انتهى ..

يفيض كأنه " يغرف من بحر " ..

وينساب حديثه على وتيرة واحدة ، وبنغمة واحدة أيضا ، وكأنه مدوزن على مقام البيات ..

هادئ ، وقور ، لطيف ، كيّس ، سَمْح ..

لا تستطيع ألا تحترمه منذ اللحظة الأولى للقائك به ، ويشعِرُكَ أنكَ ندُّه ، ولو كنتَ أكسل تلاميذه ..

وإذا جادلته ، ترفق بكَ كي لا يجرفكَ طوفانُ علمه ، ويأخذكَ من يدكَ إلى الشاطئ ، ولا يدعكَ إلا بعد أن يُدخِلَ الطمأنينة إلى عقلك ونفسك ..

هو لسان العرب وتاريخ الأدب ومعجم البلدان والأغاني والأمالي والبيان والتبيين ..

هو طبقات الشعراء وأخبارهم ، وهو شرح المعلقات ..

هو أبو الأسود الدؤلي والفراهيدي وابن جني وقدامة ..

هو المدارس النحوية البصرية والكوفية والبغدادية ..

هو الجاحظ والأصفهاني وابن خلدون والأصمعي والفارابي ..

هو عروة بن الورد والشنفرى والأعشى وجرير والفرزدق والأخطل ..

هو المتنبي وسيف الدولة وأبو فراس وابن زيدون ..

هو باختصار : مكتبة ناطقة متنقلة ..

وأنا كنت له " بالمرصادي " ..

استغليتها " أبشع " استغلال في السنوات الأولى من عملي ، إذ كثيرا ما كنت أحتاج إلى جوابٍ شافٍ وسريع عن مسألة أجهلها ، فأختصرُ الوقت والبحث بالاتصال به هاتفيا وفي أي وقت ، للسؤال عنها ، وما أكثر ذلك !!

ولم أكن أرعوي ، ولم يكن يضجر ..

ما أروعك أستاذي العزيز محمود فاخوري !!

أهداني ـ مشكورا ـ كتابه " موسيقا الشعر " المطور والمعدل عن " سفينة الشعراء " ، كما أكرمني بزيارته بيتي مع أستاذيّ العزيزين ..

 

2 ـ الأستاذ محمد الأنطاكي :

 

هو الهيبة والجلال والوقار " والهمشرية والشببلكية " ..

وفوقها ، أضفى عليه الشيب " الجميل " طلة بهية ، فبدا شابا بهيئة شيخ أشيب ..

بمعنى : " يا هيك الشيب يا بلا " ..

له الفضل الكبير عليّ ، وعلينا في فهم واستيعاب مادة النحو في السنة الأولى ، و" فقه اللغة " في السنة الثالثة ، وبينهما : محاضرات تتصف بالطرافة والفائدة ، كانت تعليقا على " النصوص القديمة " التي نتدارسها تفسيرا وتحليلا وفكفكة لعقدٍ نحوية وبلاغية وصرفية ….

ومحاضرة النحو عنده ، مكثفة موجزة مبسطة ، ومستقاة من كتابه " المحيط " ذي الأجزاء الثلاثة ..  

وكان لسانه ويده يتوافقان في النطق والكتابة السريعة المنسقة جيدا على السبورة ، وأنا من المتمكنين بالكتابة السريعة فأتابعه على الدعسة ، لكن ، يبقى الأمل والرجاء لدى الآخرين باللحاق به والكتابة في دفاترهم ..

وهيهات ، حتى يطوف دفتري بين أيدي الأغلبية ويعود إلي في نهاية المحاضرات ..

ومثل الأستاذ فاخوري ، فإن أبا تميم موسوعة متنقلة .. وشخصية ظريفة جدا ، ومحدث بارع ولبق ، يجيد استحضار النكتة وروايتها في الزمان والمكان الأنسبين ، ويستجيب لها إن سمعها من أحد ..

سريع البديهة ، لمّاح ..

كنت أشعر أن له عيونا أخرى في مؤخرة رأسه ، تجعله متيقظا لكل ما يجري من حوله .. حقا ما أقول ولست أبالغ ..

يختبئ تحت هدوئه بركان خامل ، لكنه إذ يثور لا يُبقي ولا يذر ..

تقاربت معه  في السنة الجامعية الأولى ، حين شاركَنا في رحلة إلى الساحل السوري ..

 وتلك كانت ، أول مشاركة لي في رحلة خارج مدينتي الأثيرة " حلب " إلى الساحل ، تتألف من ثلاث حافلات ، ومشتركة مع قسمي اللغة الإنجليزية والفرنسية ..

اخترت الجلوس إلى جانبه .. وأصغيت بشغف المحِب ، لعشقه للطرب الأصيل والموسيقا ، ومنها إلى بحور الشعر ونغماتها التي يوقـِّعُها تفعيلاتٍ في كفيه ، بانسجام مع تأديته لها نطقا فنيا مميزا ..

ثم أسهب في سرد ذكرياته عن عمله مدرسا في حلب ، وعن الأحياء القديمة التي عاش فيها ، وكيف كانت الحياة بسيطة خالية مما نحن فيه الآن ، من مصاعب وتعقيدات ..

"  وكنا في ربيع عام 1974 " ..

وكما عشقت محاضراته في النحو ، أحببت محاضراته في " فقه اللغة " ، وكنت أحد القلائل الذين حرصوا على حضورها ، لقيامه بتجريب صوتي عملي لما أورده في كتابه الشائق ..

قضى أبو تميم مبكرا في حادث سير في أوائل الثمانينيات ..

تغمدك الله بواسع رحمته أبا تميم ..

 

3 ـ الدكتور عمر الدقاق :

 

حين دخلت الجامعة في السنة الأولى ، وعرفت أن عميد كلية الآداب هو د. عمر الدقاق ، انتابني شعور عارم من الفرح قبل أن ألتقيه ..

لا لشيء ، إلا لأن مكتبتي تحتوي على كتابه " الاتجاه القومي في الشعر العربي الحديث " والذي سبق أن أرشدني إليه الأستاذ فاخوري أيام مرحلة الدراسة الثانوية ..

وبدأت المسائل تخبو بعدها رويدا رويدا ..

فقد حاضر فينا في عدد من المقررات الجامعية ، واتفقت آراء كثير من الزملاء على أن د. الدقاق في محاضراته ، ليس هو نفسه في كتبه العديدة ..

فبمقدار ما كنا نرى كتبه مهمة وشاملة وحيوية ، كانت محاضراته تسير " كما المياه في الطلوع " ..

وهو شخصية كلاسيكية قلبا وقالبا ، شكلا وجوهرا ، يحب " الإتيكيت " وينفذه ، وكنت أحييه بانحناءة بسيطة حين نتقابل في الممر ، حرصا مني على احترام " إتيكيته " ..

ولم يكن د. دقاق شخصية مقربة من طلابه ، بل هو أقرب إلى الانعزالية ، حتى إنه كان يلتزم الطرق الجانبية الدائرية في خروجه ودخوله كي يتجنب أماكن التجمعات الطلابية ..

ولم يستطع أن يقاوم غضب د. طنوس عليّ ، فوقـّع بحقي مذكرة عقوبة ظالمة ـ سامحه الله ـ فرضها وكيله ..

وكانت له نشاطات ومساهمات أدبية وفكرية مميزة ، وعمل على تكريس عدد من اللقاءات والمؤتمرات التي استضافتها الكلية في عهده ..

وبجهوده الشخصية استضافت الكلية كثيرا من المبدعين والشعراء وعلى رأسهم : الشاعر محمود درويش ..

إضافة إلى رعايته للحفل السنوي للطلاب الخريجين ..

في أواخر عام 1979 ، كنت أعمل في مديرية التربية بحلب ، فالتقيته صدفة يتابع أمرا ما ، ورافقته حتى أنجزه ، ثم اعتذر عن تلبية دعوتي له بزيارة مكتبي لانشغاله ..

 

 

4 ـ الدكتور مصطفى جطل :

 

 

عندما التقيته في مكتب د. فؤاد ، لم نكن متعارفيْن بعد .. وكان عائدا من الإيفاد حديثا ..

بدا معتدا بنفسه ، واثقا مما لديه ، وإن كان مشغولا في أكثر الأوقات ، في مكتبه ذي الباب الموارب أو المغلق عليه وعلى ضيوفه ..

وقد لفتني ما سمعته منه مرة ، ونحن في نقاش عن القصة والرواية في مكتب د. فؤاد ، حين قال : إن آخر عمل روائي قرأه ( في ذلك الوقت ) ، كان إحدى روايات نجيب محفوظ التي مر عليها أكثر من عشر سنوات ..

المهم .. كنا في السنة الثالثة حين بدأ يحاضر علينا عمليا في " حلقات بحث " لمادة علوم اللغة العربية " النحو " ، التي كان يلقي محاضراتها علينا د. فخر الدين قباوة ..

وهي مادة ضخمة ، وكانت تمثل هي وأستاذها عقبتين هامتين وصعبتي المراس ، تعترضان كل طلاب قسم اللغة العربية آنذاك ..

هو ودود وطيب ، بعكس ما يصفه كثير ممن لم يقتربوا منه ، وإن كان سريع الغضب ، وتتغير كل ملامحه بحسب درجة فورانه ..

وسمعت وصفا يشبّهه بكتابه : " نظام الجملة " ، سعة ، وشمولية ، وحرصا ، وصعوبة أيضا ..

لكنه عملي وذو طموح مفتوح المدى ، وكأنه يحب المغامرة واستكشاف المجهول ، واقتحام الصعاب ..

في البداية ، سارت علاقتي بالدكتور جطل ببطء ، ولم تشهد قفزات حتى بعد أن صار وكيلا للكلية ، ولم أدخل مكتبه زائرا إلا بعد سنوات من ذلك ..

بعد تخرجي تقلبت الأيام بي سريعا ، وغدوت قادرا على تقديم خدمة ما ، لأصدقائي وأساتذتي على مستوى مديرية التربية بحلب ومدارسها ، ولاسيما أيام صدور نتائج امتحانات الإعدادية والثانوية ، حيث كان بالإمكان استخراج النتيجة قبيل ساعات من إعلانها رسميا ، الأمر الذي يراه الآخرون عملا ناجزا وخدمة تأتي قبل أوانها ، وهو في الواقع أمر أصغر من أن يحتسب خدمة على أحد ..

وكنت أنا مَن يعرض هذه الخدمة على أساتذتي تحديدا ..

 وقد أديتها أيضا للدكتور جطل الذي تواصل معي عبر د. فؤاد أولا ..

وعندما كثرت الطلبات الملحة عليه من زوجته في اللاذقية بعد أن شاع خبر نجاح أخيها ، اتصل بي مباشرة ليملي علي أرقام عدد لا بأس به من الطلاب لاستخراج نتائجهم ، وهم من أقرباء زوجته وجيرانها هناك ..

وكانت تلك بداية " تساقينا الهوى " ..

إلى أن غاب عن الجامعة حين صار مدير مكتب صديقه د. طنوس في القيادة القطرية ، ثم سافر إلى أكثر من بلد عربي للتدريس فيه على ما أعتقد ، حتى عاد واستقر به المقام في جامعة حلب ..

وقبل سنوات ، كنت في زيارة لمبنى رئاسة الجامعة ، فقالت لي الصديقة عزيزة حذيفة " مديرة مكتب مجلس الجامعة " : ألا تريد أن تبارك لصديقك بمنصب وكيل الجامعة للشؤون الإدارية ؟

ذهبنا معا ، استقبلنا بود ، وتوقع أني جنيت مبلغا ضخما من غربتي ، فضحكتْ عزيزة ، وعلقت أنا : لقد ردّتْ عليك ، فهي تعرف تماما كم جنيت والحمد لله .. قال : لمَ أنت هناك إذن ؟!

تناولنا قهوتنا ، وودعَنا بحفاوة فاقت استقباله ..

 

 

 5 ـ الأستاذ علاء الدين زيتون : سقوط الرخ :

 

عرفته منذ العام الأول في الجامعة .. درّسنا مقرر الثقافة القومية في أول سنتين ، ثم التاريخ في السنتين الأخريين ..

وكان بيننا سلام عادي أقرب إلى الفتور ، إذ يتعاطى الأستاذ زيتون معنا كمن له ضربة لازمة على العالمين ، ولا يتماس ـ كغيره من أساتذتنا ـ مع أحد ، مما أفقده " الشعبية " في أوساط الطلاب ..

وكأنه يعلم بأنه سيصير مسؤولا في يوم من الأيام ..

وحين صار الأستاذ علاء الدين زيتون بالفعل أعلى مسؤول سياسي في جامعة حلب في أوائل الثمانينيات ، كان يعرف تماما من أين تؤكل الكتف ، ومتى ، وأين ..

ففي ظل قانون التفرغ الجامعي ومكافآت التأليف ، ارتأى أن يحوِّل " أملية جامعية " إلى كتاب جامعي ، فقدّمها لمطابع الجامعة باسمه ، ليستفيد من فرصة " نسبة الكتاب إليه ، وليقبض هو مكافأة التأليف التي ليست من حقه " ..

والأملية ، ليست له أساسا ، ولا هو مؤلفها ، ولا هو مجرد شريك في تأليفها .. وما كان باستطاعته أن يفعل ذلك ، لولا استغلاله الجشع لمنصبه ـ مع الأسف الشديد ـ ..

وهي بعنوان : محاضرات في التاريخ العباسي والأندلسي للدكتور توفيق برو .

 

وصلت النسخة التجريبية المطبوعة من الكتاب ، للدكتور فؤاد ـ وكان وكيلا للكلية ـ مع طلبٍ شخصي من " لاطشه " ، بتكليف من يقوم بتصحيحها من الأخطاء قبل الطباعة النهائية ..

المزيد


الدكتور محمد حموية ـ تحية حب ووفاء

نوفمبر 13th, 2011 كتبها y m نشر في , تجربة حياة, مقهى البث المباشر

 الدكتور محمد حموية ـ تحية حب ووفاء

 

1 ـ

ربما كنتُ الأكثرَ حظا بين أقراني وزملائي ، بأن حظيت بالرباط الأوثق الذي جمعني بأعز أستاذين صديقين في المرحلة الجامعية .. هما : " أبو خلدون د. فؤاد المرعي ، وأبو وائل د. محمد حموية " ..

و " بين الحبيبَين ، ما قلبي بمنقسِم "

ولئن ما زلت أتهيب الخوض في غمار تلك الوشائج ، إلا أنني ـ مدفوعا بالحب والتقدير والوفاء ـ أرى أنه آن موعدي معهما ، لأستجلي صورة أيام وسنوات مضت ، كان لها عميق التأثير الإيجابي عليّ شخصيا ، وعلى مسيرة حياتي العملية فيما بعدها ..

 

ولعل حديثي ـ أولا ـ عن الراحل د . محمد حموية ، ـ رحمه الله ـ سيكون الأصعب والأقسى في استكشاف واستخراج مكنوناتِ الودّ ونشرها وتعميمها ، لأنها " حالة " لا تـُوَصَّفُ ، ولا يُعَبَّرُ عنها ، ولا حتى بحروف العربية التي استوعبت كلَّ شيء ..

لستُ أبالغ ، وليس من قبيل السائد المعروف بـ " تكريم ما بعد الموت " ..

وليس رثاءً فات أوانه منذ زمن ..

وليس من باب " اذكروا محاسن موتاكم " فحسب ..

إنما هي وقفة احترام لحياته ولرحيله ، وتقديرٌ لعطائه ، ووفاءٌ آجلٌ ومستحق ، وعربونُ محبةٍ خالصةٍ ، وفاتحة الكتاب تتلى مزجاةً له أبدًا ، في غيابه الفاجع ، وفي ذكراه الزكية ..

فلقد كان ما كان .. لكن الغياب أولا ، والرحيل ثانيا ، أرخيا سدولاً قاتمة ، حجبَتْ كثيرًا من الرؤى والمباهج .. ولم يعد ينفع الراحلين سوى الرحمةِ والمغفرةِ ، نطلبهما لهم من العلي القدير ، ليبقى سلام أرواحهم آمنا مطمئنا في علياء الملكوت ..

فـ أبو وائل الإنسان ، ضميمة من ريحان ونور ، وكينونة متفردة ، ذات خصوصية وبهاء ..

لا يشبهه أحدٌ في حلمه ووقاره واتزانه ..

ولا يشبه أحدًا في أناته ورويته وهدوئه ..

اعتاد عليه الصبر الجميل ، فتآلفا كعصفورين في قفص ..

واكتسب من الفارسية ـ التي عَجَمَت لسانه وقلبَه ولم تستحكم بهما ـ طقوسَ الفرح الحزين ، والحزن الغامر ، وذاق طعم السكينة ، ونهل منها حتى الارتواء ..

وبقيت " فوضاه " أقنوما طاغيا عصيّا على التغير .. فما بالك بالزوال ؟! ..

هو مزيج من حضارات شرقية عاش بداياتها على ضفاف الفرات قبل " التشرّق " ، واستكملها بعده ، فسكنت فيه بكل ألوانها وأوجاعها ، وتلازمَا وتساكنا " سُكنى اللون في العلم " الشامي الأصيل ..

ومنذ أن يَمَّم وجهَه للغوص في الآداب شرقا ، ظل الغرب غاربا في مرآته ، ثم رماه وراء خط أفق غروبِ المتوسط ، وظل نَفورا منه ، حتى إذا ما تماسّا لضرورة ، جدّد وضوءَه قبل التوجّه إلى محراب العبادة ..

 

2 ـ

 

 لم أعد أذكر كيف التقينا ، وتصادقنا ، وتحاببنا ، وتعاشرنا ، في لحظةٍ واحدةٍ ، من يوم واحدٍ ، نسيَ التاريخُ ما قبله ، وقفز الحاضرُ نحو غدٍ آتٍ كأنه البراق ..

ولا أذكر كيف تجمَّعَتْ على أبواب الأفئدة كلُّ تلك المحبة والنقاء .. فكأننا كذلك مذ خلقنا ، أو ربما بُعيد البداية ببرهة امتدت اثنين وعشرين عاما ، فانشطر العمر لها شطرين ..

قبل البداية كانت أعداد السنين ضحلة ، وبعدها صارت الأيام ماردا ..

كيف تكوّنتْ ، ولماذا ؟ وأين ؟ ومتى ؟ ..

لا أعرف .. ولا أذكر ..

كل ما أعرفه : أنها وُلِدَت بكاااااامل كمال هيئتها ورونقها وزخرفها .. وازّيّنتْ بكل ما يملأ ربيع الكون ..

كانت ولادتها طبيعية ، وليست قيصرية ..

كانت خِلقة ربانية ، وليست صَنعة ..

كانت جبلـّتُها لحمًا حيا ، وعظمًا صلبًا ، ودمًا قانيا حارًا ..

اكتسبتْ من البراءة طهرًا ، وكساها الصدقُ ألفة ومحبة ، فتنزهَتْ عن كل المدنِّساتِ والموبقات والشكليات المزيَّفة ..

لذاك كله ، كان أبو وائل يؤثر أن يخاطبني بـ " كنيتي " مودة ولطفا وتواضعا .. وأخاطبه بـ " كنيته " تحببا وتهيبا واحتراما ..

كيف لا ، وقد حدث ذات يوم ، أني قصدت مكتبه بعد أدائي امتحان مادة له ، فوجدت عنده طالبا " vip " هو أعلى مسؤول سياسي في حلب ـ وكنت التقيته عرضا في أماكن أخرى أكثر من مرة ـ ، فأردت الانسحاب لظني بوجود حديث خاص ، لكن أبا وائل أصر عليّ ألا أغادر ، ونهض يستقبلني بحفاوةٍ أربكتني ، مما دفع بضيفه أن يحذو حذوه ، وقدمني له على أني : صديق عزيز .. مضيفا : تفضل اجلس يا أبا نضال " نتقهون " معا .. 

 

3 ـ

 

 وإذ تعتريكَ الهيبة من بلوغك أقاصي أسيجة الحِمى ، فكيف السبيل لدخولكَ العرين ؟!

إني ما زلت أتهيَّب عرينكَ أيها الراحل العزيز ، الحاضر الحاضر ..

أ أغبطك على حياتك ، وكانت كدّا وكدحًا وعطاء ؟!

أم على رحيلك ، وكان قاسيا وصعبا وفاجعا ؟!

أ تغبطنا على حياتنا المديدة " الأليمة " بعدك ؟!

أم نغبطك على رحيلك عنا قبل بلوغ شمسك رابعة نهاراتنا المظلمة ؟!

أ نفرَحُ بتطاول أيامنا بعدكَ حتى التلاشي في مستنقعات الأسن والأوبئة ؟!

المزيد


عوقبت بعشرة أضعاف ما أستحق

أكتوبر 24th, 2011 كتبها y m نشر في , تجربة حياة, مقهى البث المباشر

 عوقبت بعشرة أضعاف ما أستحق

 

 منذ التقينا في الكلية ، كانت ثمة وشائج متعددة تربط بيننا ، وتجعل من احترامنا له ـ كمدرس عائد من الإيفاد ـ أمرا طبيعيا ..

وقد جمعتنا لقاءات مشتركة ، رسمية وودية ، تعززت حين بدأ يملي علينا محاضراته عن الشاعر " أسامة بن منقذ " ، بعدما انتقلتُ إلى السنة الثالثة " بعملية قيصرية " ، سببتْها مادة التدريب العسكري الجامعي ( وسيأتي الحديث عنها في مقال آخر ) .. وجاء انتقالي في أواخر شهر شباط من عام 1976 ..

المهم ، لم يكن بيني وبين الدكتور وهيب طنوس إلا كل الخير والمودة ..

والصورة المرفقة رقم /1/ توضح شيئا من تلك الحالة ..

وهي ملتقطة بتاريخ 28/01/1976 في مقصف كلية الآداب ، أثناء حفل إفطار تكريمي له بعد تكليفه وكيلا للكلية ..

والصورة رقم /2/ ملتقطة بتاريخ 13/01/1977 في مدرج الجاحظ خلال مؤتمر طلابي ..

 

وأشهد أنه لم يقصّر معي في تلبية ما طلبته منه ، ضمن دائرته الخاصة كمدرس أو كوكيل للكلية ..

وكنا نتعامل بكل الاحترام المتبادل ، بل ، انتقلنا إلى مرحلة أقرب إلى الصداقة حين ذهبنا معا في رحلة جامعية إلى الأردن ..

ففي طريقنا إلى دمشق ، شرحتُ للزميلة رغدة ظروفا استجدت مؤخرا معي ، تلزمني البقاء في دمشق لمتابعة إجراءاتها بين المكتب التنفيذي لاتحاد الطلبة ووزارة التعليم العالي ..

وقد تفهّمت رغدة أسبابي .. لكن الجميع فوجئوا بقراري ، وظنوا أن في الأمر خلافا معها ، ولم يصدقوا نفينا ، وحاول د. وهيب أن يتقصى مني ـ على انفراد ـ سببا موجبا " لقرار كهذا في رحلة تاريخية كهذه " ، فشرحته له ، وتفهمه ، وباركه الصديق عبد الستار السيد أحمد ..

بينما " هلـّل " لقراري زملاء آخرون ممن حاولوا ـ مازحين ـ مقايضتي بالمكان بأي ثمن ..

كل ذلك كان على ما يرام حتى أيلول 1977 ، أيام امتحانات الدورة الثانية ، حسب النظام السنوي الذي كان متبعا ..

 كنت في نهاية السنة الرابعة ، وبقيت عليّ مادتان : اللغة الإنجليزية من السنة الرابعة ، وعلوم اللغة العربية من السنة الثالثة ، وهذه لم أكن قد تقدمت لامتحانها في أي دورة سابقة ، نظرا لتأخر صدور قرار انتقالي من السنة الثانية إلى الثالثة إلى ما بعد منتصف العام الدراسي ـ كما مرّ ـ ، الأمر الذي حرمني من متابعة محاضرات النحو والعلوم الأخرى لكل من الأستاذين : الدكتور فخر الدين قباوة ، والدكتور مصطفى جطل ..

كان عدد المتقدمين لامتحان هذه المادة كبيرا جدا ، الأمر الذي أربك إدارة الكلية وموظفيها ، واتخذوا قرارات ارتجالية فساهمت في مزيد من الفوضى ..

ومع ذلك ، توجهتُ مع آخرين من البهو السفلي في الكلية إلى مدرج الجاحظ بناء على توجيه رسمي لإعادة توزيعنا على القاعات الامتحانية ..

وهناك ، لم يكن الوضع أفضل ، فاتخذت مكانا في وسط مقعد أمام باب المدرج ، وبدأت أحض زملائي ـ وكنت أعرف كثيرين منهم ـ على التزام أماكنهم حسب تعليمات المسؤولين في القاعة ..

ولا أعرف كيف فهم رئيس القاعة تصرفي " نوعا من الفوضى أو تحريضا عليها " .. أللهم ، إلا إذا كان يريد " كبش فداء " .. ( ورئيس القاعة هذا من بين الأشخاص النادرين الذين لا أعرفهم على مستوى الكلية ، وتبين أنه محاضر من خارج الجامعة في قسم اللغة الفرنسية ) ..

تزامن ذلك مع دخول د. وهيب إلى المدرج ، فهمس له رئيس القاعة بكلام ، هُرع على إثره إليّ بغضب أحمق ، طالبا هويتي الجامعية .. التقطها من يدي ، وناولها لرئيس القاعة ، وانتظره حتى انتهى من كتابة التقرير ، فاستلمه منه وغادر بنفس الغضب والحمق المعهودين فيه ..

ولم تكن أوراق الأسئلة قد وُزعت حتى تلك اللحظة ..

وحين وزعت أوراق الأسئلة ، لم أشرع بالكتابة ، وبقيت مأخوذا بالاستغراب والاستهجان ، منتظرا ما سيحصل من عواقب ، توقعت أن تنتج عن هذه الاستشاطة الغضبى ..

وبعد دقائق بدأت التفاعلات ، فجاءني العميد د. عمر الدقاق يستفسر عما حصل ..

حكيت له ، وطلبت منه أن يسأل كلَّ مَن حولي عن حقيقة مزاعم رئيس القاعة .. وقلت له : إن كنت سأعاقب ، فسأخرج من الامتحان دون أن أتكلف عناء الإجابة .. فقال : أكمل امتحانك ، وسنرى فيما بعد ..

وعندما خرجت من الامتحان ، وجدت مذكرة معلنة في لوحة الإعلانات ، ممهورة بتوقيع العميد وليس الوكيل ، تفرض بحقي " عقوبة درجة الصفر في المادة المذكورة لقيامي بالشغب داخل قاعة الامتحان " ..

 

فيما بعد :

ـ بدا العميد مغلوبا على أمره ، ومُحرَجا وهو يتلكأ في تسويغ القرار ..

ـ لم يستجب د. وهيب لتدخل أستاذي وصديقنا د. فؤاد المرعي ، وكذلك أستاذي وصديقي المرحوم د. محمد حموية .. وآخرين ..  

ـ ولم يُجدِ معه تدخل الدكتور محمد سعيد فرهود في تخفيف غلوائه ..

( وكان وكيلا لكلية الاقتصاد والتجارة ، وكنت موظفا فيها وقتذاك ، وصار فيما بعد رئيس جامعة حلب ) ..

ـ أجاب د. وهيب في اجتماع لاحق ، على سؤالي عن سبب شدة العقوبة وتمسكه بها ، فاعترف بأنه عاقبني " بعشرة أضعاف ما أستحق كي أكون عبرة لغيري ممن يظنون أنني لن أعاقب " ..

المزيد


التالي