Yahoo!

احتفالية أبي العلاء المعري

ديسمبر 1st, 2011 كتبها y m نشر في , أدب وثقافة, تجربة حياة, مقهى البث المباشر

 احتفالية أبي العلاء المعري


 د. عمر الدقاق ـ أ. خليل هنداوي ـ أ. محمد كمال - د. فخري قسطندي ـ كلية الآداب ـ جامعة حلب 03 ـ 05 ـ 1976

 

 

 ربما تكون الصور التي التقطتها ، أثناء الانتقال من جامعة حلب إلى ضريح الشاعر أبي العلاء المعري في مدينة المعرة ، هي الذكرى الوحيدة لاحتفالية كلية الآداب بإطلاق اسم الشاعر على أحد مدرجاتها ، واغتنام الفرصة المتاحة بالإضاءة على بعض جوانب ومميزات شعر أبي العلاء وشخصيته وفكره الفلسفي ..

وقبل أن نصل إلى مكان الضريح ، توقعت أن أرى مكانا يليق بمكانة وعبقرية صاحب " اللزوميات " و " سقط الزند " ، لكن مع الأسف ، لا شيء مما توقعت ..

وعلى مبدأ :

تعَبٌ كلها الحياة فما أعْجَبُ إلا من راغبٍ في ازدياد ..

تذكرت مطلع قصيدةٍ شهيرةٍ للأنباري ، في رثاء محمد بن بقية وزير عز الدولة البويهي :

عُلوٌّ في الحياة وفي الممات  لـَحَقٌّ تلكَ إحدى المعجزاتِ !!

 

 لم يكن عددنا يتجاوز العشرين ، ولم تكن الزيارة منسقة مع أحد في معرة أبي العلاء ـ كما يبدو ـ لأننا لم نلحظ قيامهم بواجب تقديم الماء لنا ، مثلا ..

وذلك لا يعفيهم من التبعات ، بعد أن عرفوا أن ضيوفهم جاؤوا من حلب لزيارة قبر" رهين المحبسين " ..

ولم تكن عمادة الكلية في وارد حساب شيء من ذلك ، ولم يأخذونا حتى إلى استراحة في الطريق ، بذريعة أننا يجب أن نعود سريعا إلى الكلية لاستكمال إجراءات افتتاح أسبوع الاحتفالية ، وهي :

إطلاق اسم " المعري " على مدرج في الكلية ، برعاية رئيس الجامعة د. أحمد يوسف الحسن ..

وبالفعل ، أزاح د. أحمد يوسف الحسن رئيس الجامعة الستارة " الصغيرة " عن لوحة " صغيرة " ثبتت إلى يسار باب المدرج ، كتب عليها " مدرج المعري " ..

وإذ دخل الحاضرون إلى المدرج ، ألقى د. عمر الدقاق عميد الكلية كلمة حول المناسبة ، ثم رُفعت الجلسة قليلا ريثما غادر المكانَ رئيسُ الجامعة ..

ثم ارتجل المرحوم الدكتور محمد حموية حديثا مختصرًا عن " شاعر الفلاسفة ، وفيلسوف الشعراء " ..

ووزعت مطبوعة خاصة بالمناسبة ، فيها مواعيد الاحتفالية لأسبوع قادم كامل ، يتضمن عددا من المحاضرات والنشاطات الأخرى ..

وبانتهاء اليوم الأول من الاحتفالية ، توارت فعاليات الأيام التالية وراء انهماك الجميع بدوامة العمل اليومي ..

وبعد أن تلاشى الاهتمام والبريق ، اقتصر الحضور في الأيام التالية ، على عدد محدود جدا من الطلبة وبعض المهتمين من الأساتذة ..

 

الخميس ـ 01/12/2011

 

 

رئيس جامعة حلب الدكتور أحمد يوسف الحسن يزيح الستار عن لوحة تحمل اسم  مدرج المعري  في كلية الآداب ـ 03 ـ 05 ـ 1976

المزيد


يا لسذاجتي !!

أكتوبر 5th, 2011 كتبها y m نشر في , أدب وثقافة, تجربة حياة, مقهى البث المباشر

 يا لسذاجتي !!

 

 الآن ، أدركت ما غـُيِّبَ عني طويلا ، وتيقنت مما أثار دهشتي في ذلك الوقت ، بأن وراء الأكمة ما وراءها .. وأشعرني أني كنت ساذجا إلى حد الغفلة ..

فقد أدهشني أن تنشر دراسة " النقد والإيديولوجيا " هكذا " ببساطة " ، في " الملحق الثقافي لجريدة الثورة " وتمر من بين يدي رئيس تحريره آنذاك الشاعر المرحوم " محمد عمران " ..

ولم يخطر ببالي أن تكون عملية النشر بحد ذاتها " اصطفافا سياسيا وشخصيا " ، " ومنصة لمحاكمة سياسية " لصالح فريق الهجوم السياسي الآخر ..

الآن ، وبعد قراءتي جزأيْ مقال " النقد والإيديولوجيا " معًا ، رثيت لحالي وغفلتي ..

 حقا ، لقد قرأتُ أنا الجزءَ الأول قبل نشره في حينه في الملحق الثقافي ، لكني لم أقرأ الجزء الثاني مطلقا ، لا قبل نشره ولا بعد النشر ، وقد أخطِرْتُ بانتهاء الصياغة وإرساله للنشر ، ولم أره إلا بعد نشره بفترة لا بأس بها ، ونسيتُ الظرف الذي منعني من قراءته ..

حتى فوجئت بما ورد فيه ، وأنا أنسخه مؤخرا لإعادة نشره ههنا ..

ومع ذلك نشرته كما هو امتثالا لدواعي الأمانة ، وللتاريخ ..

ولم أشِرْ في ثنايا النشر الجديد ، إلى ما أفصِحُ عنه الآن ، رغبة مني في عدم التأثير المسبق على القارئ الكريم ..

وعَمَدْتُ إلى أصل الدراسة تلك ـ التي كتبتها ونشرت عام 1977 في جريدة الدستور الأردنية ـ فنشرتها من جديد هنا ، كي يتمكن السادة القراء من الوقوف على التباين الكبير بين الدراستين والمنهجين ، وأن المسألة ليست تباينا في منهج التناول النقدي فحسب ..

 

وإن كان القسم الأول من الدراسة " المطوَّرَة " قد كـُرِّسَ للتقويم والنقد الإيديولوجيين ، إلا أن القسم الثاني هو دعوة صريحة لتبني فكر سياسي وعقائدي معين ليس له علاقة بالأدب ولا بالنقد .. وبمقدار ما طفح القسم الأول تجريحا وتشهيرا ، جاء القسم الثاني معاكسا له تماما ، فكال المديح والثناء ، وأعطى براءات الذمة والأوسمة البراقة لفرسانه ، ومع سبق الإصرار والترصد ..

المزيد


النقد والنقاد في سورية / دراسة في المناهج النقدية وتطبيقاتها

سبتمبر 28th, 2011 كتبها y m نشر في , أدب وثقافة, مقهى البث المباشر

 النقد والنقاد في سورية

دراسة في المناهج النقدية وتطبيقاتها

 

 ثمة حكم عام ، يمكننا أن نسم به أدب الخمسينيات ، مفاده : أنه صوّرَ معاناة الجماهير ، وتحدّث عن أمراض المجتمع وآفاته ، وطرح تساؤلاتٍ عدة حول مجمل القضايا التي سادت ..

ثم حاول البعض التطلع ـ من خلال ذلك ـ إلى رؤية مستقبلية ، تستهدف استشفاف بؤرة ضوء في مستقبل الوطن ، مستلهمين بذلك ، الحوادث التاريخية التي مر بها العالم العربي وما عاناه من أشكال الاستعمار الحديث وآثاره ، تخلفا وفقرا مدقعا ، وتجزئة مريرة ، وأمية قاتمة ، إلى آخر ما هنالك من أوصاف كان المجتمع يزخر بالعديد العديد منها ..

 وجاءت سنوات الوحدة ـ التي اعتبرها الأدباء ثمرة من ثمار أشجارهم التي زرعوها ورووها ورعوها طويلا ـ فاستبشر الأدباء خيرا ، وسجلوا بذلك نقطة تحول حقيقية في التاريخ الوطني الحديث .

فكان لا بد من أن يرافقَ التحوّلَ السياسي ، تحوُّلٌ اجتماعي ، فظهرت على الساحة قوى جديدة ، تبعها ـ بشكل عفوي حينا ، ومدروس حينا آخر ـ تحولٌ أدبي ..

وهكذا ، فإن تشابك ظروف الحياة ، وتعقيداتها ، وظهور التيارات المتآلفة والمتناقضة والأفكار المستوردة ، إضافة إلى مجموعة من التحولات المختلفة ، كل ذلك ، جعل من الأدب ملاحمَ ترصد هذه التحولات وتعايشها ، وتمتح من معينها ، وصفا وتحليلا وهجاء ومدحا ، كل حسب ما يدور في خلفيته ..

يضاف إلى ذلك ، انتشار شيء من الوعي بين الأوساط الجماهيرية ، وبين الطلبة والمثقفين بشكل خاص ، مما جعل الجو مناسبا لإحداث هذا التغيير الحتمي نحو اتجاه معين ظهر مواكبا لتطور الأحداث في مطلع الستينات ، حيث كانت هذه الفترة مليئة بأهم الإرهاصات السياسية في المنطقة العربية عامة ..

 

 وقد واكب الأدب مسير الثورة في سورية ، يمتد لامتدادها ، وينحسر لتقوقعها ، متتبعا بذلك الخطوات التي ترتادها ، والتي اعتبرت في وقت من الأوقات ، إكمالا لما بدأته سنوات الوحدة ..

ثم كان لنكسة حزيران ـ ذلك الانعطاف الأهم في التاريخ العربي لتلك الفترة ـ الأثر الأكبر في نفوس الأدباء وقرائهم .. فنكسة حزيران ، خلقت وضعا جديدا في مسار الأدب ، إذ بدا انهزاميا ، مخلخلا ، هزيلا ، ينعى العرب ، وينال منهم أحيانا .. واليأس والقنوط ، صفة معظم ما كتب ..

هذه النظرة السوداوية القاتمة ، التي شملت أدب تلك المرحلة ، ساهمت إلى حد بعيد في تثبيط همم القراء ، انسجاما مع ما يقرؤون ، بحيث أفقدتهم الثقة بقدرات الوطن ، وجعلتهم يعيشون حالة قهر داخلي ممزوج بكراهيةٍ للذات العربية التي خسرت الحرب أمام شرذمة قليلة ، وخرج الجميع بخيبة أمل ، بعدما ترددت صيحات مدوية كثيرة توحي بقوة العرب ، وشدة مراسهم ..

ومع تأصل جذور تلك الأحداث في الواقع العربي ، كان لابد للأدب أيضا ، من أن يعمق مجراه أكثر فأكثر ، فبدت الواقعية أشد التصاقا بالذات العربية ، وصار الالتزام راية ترفرف في سماء الأدب ، وثار جدال طويل ، امتدادا لما مضى حول الالتزام والإلزام ، وعالج الأدباء مأساة الهزيمة ضمن إطار تاريخي ، آخذين بعين الاعتبار مجمل التحولات التي شهدها الوطن في تلك المرحلة ، والتي تتمثل فيما كتب كل من : صدقي إسماعيل ، وفارس زرزور ، ومحمد الماغوط ، وعلي الجندي ، وممدوح عدوان ، ومحمد عمران ، وسعد الله ونوس ، وسليمان العيسى ، وزكريا تامر ، وشوقي بغدادي ، وفايز خضور ….

وآخرون كثيرون غيرهم ، متبعين طرقا شتى ، رمزا وإيحاء ومباشرة وإسقاطا وتاريخيا ..

والنقد ، " ذلك الفعالية التابعة " ، استطاع أن يواكب الأدب في مسيره ، لكنه ظل أقل منه تأثيرا وتأثرا بما حوله ..

موجز لنشأة النقد :

فاليونان القدماء ، هم الذين سبقوا إلى وضع أصول النقد وقواعده ، لكنه ، ابتدأ عندهم ابتداء ساذجا ، ثم أخذ يتعقد شيئا فشيئا ، حتى أخذ شكله النهائي عند أرسطو .

وإذا انتقلنا إلى أوربا بعد عصورها المظلمة ، لا حظنا أن النقد الأدبي يمر فيها بعصور ثلاثة :

ـ عصر النهضة وما يليه إلى نهاية القرن الثامن عشر .

ـ القرن التاسع عشر .

ـ قرننا الذي نعيش فيه . (( أي القرن العشرون وقت كتابة الدراسة سنة 1977 )) .

وفي الجاهلية العربية ، كانت الصياغة والمعاني هي ما يُنتقد في الشعر ، يتمثل ذلك في : أفضل بيت يقال في هذا المعنى أو ذاك ..

وشواهد سوق عكاظ أكثر من أن تحصى .

ولو صحت قضية المعلقات ، لأمكن القول : إن ذلك كان نوعا من أنواع النقد ، إذ أنها اختيار لقصائد بعينها ، وحكمٌ ضمني بجودتها وتفضيلها على سواها .

وأعقب ذلك ظهور الكتابات النقدية لدى كل من : الأميري والجرجاني وقدامة بن جعفر وابن سلام وغيرهم ، مبثوثة في الكتب التي ألفوها .

فقد حكم ابن سلام على الشعر والشعراء معا ، وأجرى تمحيصا مطولا في الشعر المنحول ، وجعل الشعراء في طبقات تبعا لعوامل محددة ..

ومع ذلك فقد ظل النقد ذاتيا ، يقوم على الشعور والذوق ، ويختلف باختلاف الأذواق والنقاد .

 

موقف :

++ يقول زكريا تامر : " إن معظم ما قدم على أنه دراسات نقدية محلية ، ما هو إلا تعليقات كتبت بسرعة كي تنشر في صفحات أدبية في الصحف وبعض المجلات وهدفها المغنم المادي " ..

فهل حقا بلغ الأمر بالنقاد ألا يكتبوا إلا لمغنم مادي فقط ؟!

يبدو أن الأمر أبعد وأعمق .. وأردّه إلى أنه من قبيل " العداء التاريخي الأزلي بين الكاتب والناقد " شأنهما شأن العداء بين الكنة وحماتها ..

وإلا ، ما الذي يجعل كاتبا كـ " زكريا تامر " ينطلق بالحكم على النقد السوري بأنه ذو هدف مادي ؟!

إنها مصادرة حقيقية تعني شل الحركة النقدية ، بل ، إلغاءها من خلال هذا المنظار القاتم الذي يعلو وجه كاتبنا ..

 

++ المنهج في النقد العربي المعاصر :

هل للنقد منهج ؟ أم هو مزاج خاص بكل ناقد ؟

هل للنقد مفاهيم محددة كالعلم ؟

وفي حال وجودها ، أين تكمن ؟

وما هي تلك المفاهيم ؟ ومن الذي وضعها ؟

أسئلة كثيرة أثيرت حول هذا الموضوع بالذات ، وأخذت من النقاد وقتا طويلا ، يبحثون هنا وهناك ، ويدققون ، ويعقدون اللقاءات والندوات ، يناقشون فيها الأمور تفصيلا وجملة ، في محاولة منهم لتأطير النقد ، ووضعه ضمن أسس ينطلق منها كل نقد . 

 

ولعل المنهج في النقد ، أقرب ما يكون إلى المذهب السياسي ، كلٌّ يحاول أن يقنع الآخرين بصواب منهجه أو مذهبه . والكل مصيبون في نظر أنفسهم ، على الأقل ..

ففي صيف عام 1972 ، عقدت ندوة تبحث " أزمة المنهج في النقد العربي المعاصر " ، ناقش فيها مجموعة من النقاد تلك الأزمة المستعصية وظواهرها ومسبباتها ، وحاولوا الخروج منها بأرضية مشتركة ، لكن الدليل على إخفاقها أنه ظهرت مؤخرا وقائع ندوة أخرى ، تبحث الموضوع نفسه ، دون تغيير يذكر في الشخصيات المشاركة .

ومن خلال الحديث عن الاتجاهات النقدية ، سنعرض لأهم ما تعرضت له هاتان الندوتان النقديتان على لسان أحد المشاركين فيهما :

الدكتور حسام الخطيب :

" إنه لا يود المبالغة في الميل إلى إعدام النقد الأدبي العربي الحديث " .. ويضيف قائلا : " أعتقد أن المفقود ليس المنهج ، لكن المفقود هو وجود معيار عام مشترك يميز الساحة النقدية العربية المعاصرة " ..

كما أن مشكلة النقد ـ عنده ـ تتمثل في أنه مضطر للتركيز على النواحي المضمونية ، لأن معظم الأعمال التي سيتعرض لها ، ما زالت في مرحلة ما قبل التشكل ..

ويرجِع ضعف النقد الأدبي إلى عدة أسباب ، منها :

طبيعة النقد الذي يتطور آخرا ، باعتباره آخر الفعاليات الفنية ، إضافة إلى البلبلة الثقافية والاجتماعية والسياسية الموجودة في الوطن العربي ، وإلى أن الأدب العربي ما يزال يتلمس طريقه ..

ثم يبدي الدكتور الخطيب تخوفه من فقدان الأعمال الأدبية في حال تمسك النقاد بالمعيار الفني الجمالي ، ويعد نفسه مناصرا لنوع من التوازن بين المعايير المضمونية والمعايير الفنية الجمالية ..

ويرى أن الناقد لم يعد وسيطا سلبيا يحاول أن يشرح بأمانة مضامين وإيحاءات الأثر الأدبي من زاوية مقاصد مؤلفه ، بل أصبح الناقد " يعيد خلق " الأثر الفني ، ويعطيه من ثقافته ومن رؤياه الشخصية ومن ذوقه ، الشيء الكثير ، وربما قدّمه كشيء جديد نسبيا ..

وفي رأيه ، أن المذاهب النقدية قد ساهمت في تسليط أضواء عميقة أدت إلى إغناء فهمنا للتراث الأدبي الإنساني ..

فالمنهج الأخلاقي كما يقول : أعطى الكثير في مجال ربط التجربة الأدبية بالمصير الميتافيزيقي للإنسان ، أو بكفاحه من خلال الظروف الاجتماعية ، لكنه أسرف في التركيز على المضمون دون الشكل ..

والمنهج النفسي : أتاح لنا فرصا للتعمق في فهم كل من عملية الخلق الفني ، وأسلوب الشعراء في تطوير رموزهم ..

والمنهج الاجتماعي : أضاف بعدا جديا ومهما ، حين ربط الإنتاج الأدبي بالظروف الاجتماعية ، وأوضح العلاقة الديالكتيكية بين الأدب وبيئته الفكرية والسياسية والاجتماعية ..

ويأخذ الخطيب على هذا المذهب ، تجاهله الفروق بين الأفراد الموهوبين ، والأفراد العاديين ..

أما المنهج الأسطوري : فقد استطاع أن يبرز الأنماط الأسطورية المتكررة دائما في الإنتاج الأدبي للإنسان ..

ومن ثم ينطلق الدكتور الخطيب متنبئا للمناهج النقدية بالزيادة والتشعب تبعا لتطور المعارف الإنسانية ، ويدعو إلى الأخذ بشمائل هذه المناهج قائلا : والناقد المتزن هو الذي يستفيد من معطيات هذه المناهج جميعا ، ويتمثلها ويستخدمها لإغناء العمليات النقدية الأساسية الثلاث : الشرح ، والتحليل  والتقويم ، متوافقا بذلك مع الناقد خلدون الشمعة ، ويتوافق مع محي الدين صبحي ، حينما يسير بالنقد حسبما تقتضي طبيعة النص المدروس ..

ويردد حسام الخطيب الصدى نفسه في مقدمة كتابه : أبحاث نقدية ومقارنة ، حينما يتحدث عن تقديم المبادئ الأساسية لنظرية النقد من خلال نظرة أدبية تكاملية تحاول إقامة شيء من التوازن بين طبيعة الأدب ووظيفته ، فيقول :

نظرية الأدب ، تنقسم إلى : نظرية أخلاقية ، ونظرية شكلية .. الأولى تعني : وظيفة الأدب . والثانية تعني : طبيعة الأدب .

 كما أن الدكتور جمال شحيد ، يضع المنهج التكاملي أساسا للنقد ، فيقول : الناقد يجب أن يستفيد من كافة المعطيات الحديثة ، نفسية كانت أو نقدية أو سياسية أو اجتماعية .. ولا أفضل أن يكون هناك نقد نفسي منفصل بذاته .. كل هذه العلوم يمكن أن تكون موجودة ضمن نقد يكون أغنى ..

 

وعلى المنهج نفسه ، يسير نقاد آخرون ، تملأ مواضيعهم صفحات الجرائد والمجلات ..

 

ولعل المنهج التكاملي الذي اتفق عليه حسام الخطيب وجمال شحيد ، فيه من الشمولية ما يؤهله لاستيعاب أنواع العلوم الأخرى ، ليفيد منها الناقد في عملية خلقه للنص من جديد ، متجاوزين الوتر الواحد الذي يُؤثر كثير من النقاد العزف عليه ، إذ لا يسمِعوننا سوى نغم واحد ، وصوت واحد ، وهذه عملية نسخ لكثير من جهود العلماء في استنباطهم للعلوم الأخرى ..

وكان يمكن الاكتفاء بكشفٍ واحدٍ لنوع واحدٍ من أنواع العلوم الإنسانية جميعا ..

 

خلدون الشمعة وهرطقة الأفكار المسبقة :

المنهج لديه ، هو " طريقة الرؤية " أو " طريقة النظر إلى العمل الفني " .. ويرى أن العمل الفني هو " الأصل " ، لذلك لا بد أن تكون هناك مناهج ..

ويعتقد أن النقد الحديث ـ في معظمه ـ يؤكد على النقد الوصفي ، أي : يتناول العمل لكي يصفه ويسبر مطاويه ..

ويناقض خلدون الشمعة أدونيس في نقد البنية ، فيقول :

هذا النقد لا يتضمن أي شيء مسبق ، لأنك لا ترى في البنية إلا ما  فيها ، لا ما ليس فيها ..

ثم ينتهي إلى القول بـ " تعدد مناهج النقد ، وأنه ليس هناك منهج واحد مادام العمل الفني هو الأصل ، وهذا يفسر تعدد النقاد ، وتعدد الآراء " ..

ويؤكد رأيه السابق في مكان آخر ، فيقول : من المتعذر اكتشاف حياة الكاتب في العمل الفني ، والأنا الروائية تختلف عن أنا الكاتب ، إذ ينبغي رؤية العمل الفني حسب شروطه ..

وههنا يقترب خلدون الشمعة من حسام الخطيب في قول الأول : بالطبع ، لا نستطيع إهمال العوامل الخارجية كالمجتمع ، والبيئة ، وأثرهما في العمل الأدبي ..

لكنه " خلدون الشمعة " ينأى ثانية ، ويرجع إلى النص معتبرا إياه الأساس في العملية النقدية . ويعترف بفرادة العمل الأدبي وتماسكه كعمل أدبي .. وبعد ذلك فقط ، يمكن أن يعير اهتمامه إلى العوامل الاجتماعية والبيئة التي قامت بدور الحاضنة لذاك النص ..

ثم يعيب الناقد على بعض النقاد اعتناقهم الأفكار المسبقة في تحليلهم للنصوص ، فيقول : هناك نقاد ماركسيون جيدون ، لكن اعتراضي على بعضهم ينطلق من أنهم يتعاملون مع العمل الأدبي بفكرة مسبقة ، سواء بما يتصل ببنية العمل الأدبي ، أو المغزى الشامل له .. والضعف نفسه يبدو ماثلا في النقد الفرويدي والنفسي والتاريخي ..

ويهاجم خلدون الشمعة تلك النظرة التعميمية الجارفة التي لا تفي كلا من المراحل التالية حقها ، والمراحل هي :

1ـ التمييز بين الأنواع الأدبية .

2 ـ التقويم : وهو التوصل إلى تحديد قيمة العمل الأدبي .

3 ـ التاريخ : وهو وضع العمل في موضعه من سياق قائم أو مفترض ، كالسياق البلاغي أو الأدبي ، أو الثقافي أو الحضاري ..

وهكذا يمضي خلدون الشمعة ، لينعى على النقاد هرطقتهم ، التي هي برأيه : خروجهم على النظرية السائدة . لكنه لا يلبث أن يستنكر هذا المفهوم على هؤلاء المهرطقين ، لأن الخروج على النظرية ينطوي على معرفة لتلك النظرية .. ويضيف : إن النقد العربي المعاصر ، ما يزال في جزء غير يسير منه أسيرا لجملة من الهرطقات التي تفصح عن تصور فاضح في إدراك العلاقة بين النقد والإبداع ، وبين النقد والكاتب ، وبين النقد والقارئ ، وبين النقد والعصر الذي ينتمي إليه النص المنقود ، يستوي في ذلك عنده : النقد الصحفي والمدرسي أو الأكاديمي الذي " يكرس واقعا نقديا لا يتسم بالتواصل بين مراحله المتخلفة " لكن " من واجب الناقد أن يبني حكمه على التفاصيل ، وأن يبني الكل على التفاصيل " ..

وفي النهاية ، يؤطر خلدون الشمعة جميع المناهج النقدية تحت اتجاهين رئيسيين :

ـ منهج خارجي ، يلجأ إلى تطبيق مناهج العلوم الاجتماعية على الأدب .

ـ ومنهج داخلي ، ينطلق من الوجود الموضوعي للعمل الأدبي ، ومن قيمه الداخلية المتولدة من الأعمال الأدبية العظيمة .

ويبدي الشمعة اشمئزازه من الناقد الذي يريد أن يطبّق نظرة مسبقة على عمل أدبي ما ، ويشبهه بمن جاء لحضور مسرحية ما ، ولكن ليس لمشاهدة العرض ، وإنما لكي يغمض عينيه بشدة ، ويرهف أذنيه لسماع الموسيقى التصويرية الملازمة للعرض ، ثم يزعم أنه قد شاهد المسرحية أفضل من أي متفرج آخر ..

هذا هو برأيه أحد محاور الوضع الأقصى لتطبيق المنهج الخارجي الذي يستمد نفسه من العلوم الاجتماعية والتي يريدها أن تكون بمثابة تكتيك في الإستراتيجية العامة ، إضافة إلى أن مناهج العلوم الاجتماعية لا تصدر لإصدار أحكام القيمة على العمل الفني باعتبار أنها وصفية وليست معيارية .. ولا ينسى الناقد أن يردد ثانية : أن المنهج النقدي لديه هو علم أو نظام أو فن أو أسلوب التناول النقدي للعمل الفني على ضوء طبيعة الأدب وطبيعة النقد ..

المزيد


معارك ثقافية في سورية 1975 ـ 1977 / القسم الثاني

سبتمبر 22nd, 2011 كتبها y m نشر في , أدب وثقافة, مقهى البث المباشر

 معارك ثقافية في سورية

1975 ـ 1977

القسم الثاني

 

أجد من الضرورة بمكان ، إعادة نشر بطاقة التعريف التي ذكرت في القسم الأول من هذه الدراسة ، ويمكن الاستغناء عن قراءتها لمن قرأها سابقا :  

 "" ذاك عنوان كتاب هام ، أرشف للمعارك الثقافية التي دارت رحاها في الساحة الثقافية السورية بين عامي 1975 ـ 1977 أعدَّه كل من الأساتذة :

محمد كامل خطيب ـ ونبيل سليمان ـ وبو علي ياسين ..

وصدر عن دار ابن رشد للطباعة والنشر في خريف 1978..

والمعركة الأخيرة من الكتاب ص " 288 ـ 312 " ، هي معركة :

" النقد والإيديولوجيا في سوريا "

والمقال ، دراسة نقدية ، قدمْتها ـ أساسا ـ كحلقة بحث للأستاذ الدكتور فؤاد المرعي ، في السنة الرابعة في قسم اللغة العربية في جامعة حلب ..  بعنوان " النقد والنقاد في سورية ـ دراسة في المناهج النقدية وتطبيقاتها "

وبنفس العنوان نشر الجزء الأول منه ، في جريدة الدستور الأردنية ـ العدد 3558 / تاريخ 24/06/1977.

 وفيها أيضا ، نشر الجزء الثاني  بعنوان : " وقفة مع ثلاثة نقاد من سوريا " ـ العدد 3705 / تاريخ 25/11/1977.

(( وسأنشرها لاحقا في صياغتها هذه )) ..

 

وحينها ، اقترح علي الصديق محمد جمال باروت أن يعيد صياغة الدراسة بمنظور منهج نقدي مختلف ، لينشرها في " الملحق الثقافي " لجريدة الثورة الدمشقية ..

وساهم معه في الصياغة الصديق صالح الرزوق ، ونشرت على قسمين في الملحق الثقافي لجريدة الثورة الدمشقية ، بعنوان :

"" النقد والإيديولوجيا في سوريا "" :

القسم الأول : نشر في العدد 36 ـ تاريخ : 17/11/1977

القسم الثاني : نشر في العدد 41 ـ تاريخ : 29/12/1977

" ولأني لم أعثر على النص الأصلي الذي نشر في الملحق الثقافي ، اعتمدت النص المنشور في الكتاب المشار إليه ، وقد نقلته بحذافيره ، ماعدا بعض علامات الترقيم " .   

 

القسم الثاني

 نشر في الملحق الثقافي ـ دمشق ـ العدد 41 ـ تاريخ : 29/12/1977

 

إشارة أولى :

 من خلال الصيرورة التاريخية تنفرز المواقف ، وتخلق كل طبقة منهجيتها وروادها ، وبالتالي ، فإن الصراع ما بين هذه المنهجيات على المستوى النقدي ، هو انعكاس بطريقة معدة ولا مباشرة لصراع الطبقات في واقع المجتمع ، لأنه لا يوجد ، ولم يوجد ، ولن يوجد نقد مجرد يعيش في يوتوبيا معزولة عن السياق الحضاري ، والواقع الطبقي ـ الاجتماعي . فكما خلق التواطؤ التاريخي بين الإقطاع والبورجوازية منهجه السلفي التجديدي ، وكما خلقت شريحة البورجوازية الصغيرة مناهجها المتعددة بتعدد واختلاف نزوعها المتداخل فيما بينه إلى الطبقات المتمايزة، فإن البروليتاريا ـ كطبقة متمايزة ـ قد خلقت منهجها النقدي أيضا ، الذي يطبق رؤيتها لحركة الواقع والعالم على المبدعات الإنسانية .

 

إشارة ثانية :

 إن كل دوغمائية أو ميكانيكية إيديولوجية تظهر في النقد التطبيقي ، دلالة ـ بشكل أو بآخر ـ على موقع اجتماعي معين ، أي : إنها مرتبطة بدوغمائية وميكانيكية البنية الفوقية لهذا الموقع ، ولكنها عندما ترتبط بالمفصل الإيديولوجي الاشتراكي العلمي ، فإنها تشكل ظاهرة مرضية وخطيرة ، تشابه عملية مط الحنجرة حسب مقياس معين سلفا . ولا تهمّ هنا ، طبيعة الوحدة القياسية ، هل السنتيمتر أو المليمتر أو حتى الكيلومتر ، ما دامت القضية قضية بحث عن حيز قابل لاستيعاب عدة حلقات قواعدية نظرية ، لأن الدوغمائية والميكانيكية تجمدان المبدع الأدبي في طوطم سكوني ، وتتجاهلان أول مقولة للاشتراكية العلمية ، وهي الجدلية .

إذن ، هما في الاشتراكية العلمية مرتبطان بطريقة فهم النظرية ، لا النظرية بحد ذاتها .

 

إشارة ثالثة :

 "" إن التغير في الأساس الاقتصادي يلحق ـ بسرعة تزيد أو تقل ـ الاختلال والتحول بكامل البنية الفوقية الضخمة . وعندما نتأمل في مثل هذه الاختلالات والتحولات ، يجدر دوما أن نفرِّق ونميّز بين الاختلال ، والتحول المادي في شروط الإنتاج الاقتصادية ـ الذي يمكن لحظه والتثبت فيه بالطرق العلمية البحتة ـ وبين الأشكال الحقوقية والسياسية والدينية والفنية والفلسفية ، وبالاختصار ، الأشكال الإيديولوجية التي من خلالها ، وبقناعها ، يحصل البشر على وعي هذا النزاع ويتابعونه حتى نهايته "" . ( كارل ماركس : مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي ) .

 

 من هنا ، فإننا نميز ـ من المناهج المعبرة عن صمود الطبقة العاملة ، والمد التقدمي الثوري في المنطقة ـ تيارين ينبعان من منهل إيديولوجي واحد ، ولكن كلا منهما يذهب في اتجاهٍ تطبيقي خاص ، هو بالضرورة لا تناحري ..

 هذان التياران هما :

1 ـ الاتجاه التاريخي ـ في سبيل مفهوم ثوري للطليعة العربية  . ( وسنبحثه في هذا الفصل ) .

2 ـ الاتجاه التاريخي الجدلي وبداية وعي الذات . ( سندرسه في الفصل المقبل ) .

 

ملاحظة حالية مني : هنا ، توقع معدّو الكتاب أن يكون للدراسة فصل ثالث لم ينشر ، بناء على ما جاء في الفقرة السابقة رقم (2) . لكني لا أعلم أبدا أن للدراسة فصلا ثالثا ، وربما كان أحدهما أو كلاهما " محمد جمال باروت ، وصالح الرزوق " يعدّ قسما ثالثا لها دون أن أعلم ..  

 

فائق المحمد :

 

 في ضوء المعطيات التاريخية الجديدة ، أصبح لزاما على فكر البروليتاريا  أن يكوِّن نفسَه ، ويصير شخصية مكتملة ( غير منتهية النمو بالطبع ) بإمكانها تحقيق نزوعها الثوري .

انطلاقا من هذه المقولة المُسَلم بها ، أفرزت الطبقة العاملة فكرا ثوريا خارجا على كل الأقاليم والطقوس القديمة المُراوحة بين هشاشة الفكر الإصلاحي ، وصدأ النظريات التبريرية .

وقد مثل منهج فائق المحمد النقدي ، الرؤية الجدلية التاريخية الحقيقية للمبدعات الأدبية ، حيث استطاع من خلال هذه الرؤية تعميق مفهوم الطليعة العربية الثورية في أبحاثه المتعددة .

& ـ دفاع عن الغموض في الشعر : ( مجلة الموقف الأدبي ، العدد الخامس 1974 ) :

يرى فائق المحمد أن رفض الغموض في الشعر عملية غائية غير مستندة إلى نقد ممنهج " فكلما ولدت مدرسة فكرية أو مذهب جديد ، انبرى المدافعون والغيورون يفتقون المعاني ، وينبشون الصفحات بحثا عن جذور تلك المدرسة ـ النائمة ـ في صفحات تراثنا " ..

إنه يرى في الغموض مذهبا ومدرسة ، أي : ظاهرة حضارية ، ليس مشكلة طارئة ( لم يعد مطلوبا من الشاعر أن يرفع عقيرته بالغناء ، ويدبج الحوليات والمعلقات على جباه الحكام وأنصارهم ، وعندما تغيَّر المضمون الشعري تبعه الشكل الخارجي ) .

وبناء على ذلك ، فإن العقيدة الحديثة ( ذات صبغة استقلالية ، تأخذ من القديم ما يناسب أجواءها وتركيبها ، وتضيف إضاءات ورؤى جديدة لها طوابع المعاصرة ) .

وأخيرا ، يربط السهولة بالغموض ، ويفرِّق بين :

1 ـ غموض تفرضه الرداءة والعجز ، وهو عبءٌ تنظيمي على إيديولوجية الفن الحديث .

2 ـ غموض شعري تمليه طبيعة المرحلة الحضارية .

& ـ أزمة المحتوى والشكل عند محفوظ في الكرنك : ( مجلة الموقف الأدبي ـ نيسان ـ 1975 ) :

( إن تحدد المحتوى عند محفوظ وبلورته للوقائع السياسية والاجتماعية عند محفوظ ، لا يقابله تنوعٌ في الأداء وثراٌ في الأساليب ) .

ويتابع الأستاذ فائق المحمد : ( إن تفكك الرواية الجديدة ليس غرضا ، وإنما وسيلة للوصول إلى التداعيات الباطنية والمؤثرات الخارجية ) .

& ـ صورة البطل في أعمال حنا مينه : " ملحق الثورة الثقافي ، العدد 12 ـ 1977 " .

يجد أن البطل أكثر نضجا ووعيا ، حين يتحول من متفرج ينشد العدالة والمساواة إلى ملتزم بعقيدة سياسية تعزز وتؤطر جميع تحركاته ، وقد انعكست على قامة البطل حتمية الصراع التي يؤمن بها في ظل ظروف الإنتاج القائمة ، وفي ظل التفاوت الطبقي .

& ـ النقد يدخل دوار البحر : " نفس المصدر السابق ، العدد 21 ـ 1976 " .  

يقوم هذا البحث على فكرتين رئيسيتين :

1 ـ إن الالتزام الوحيد الذي يمكن أن نطالب به المبدع ، هو أن يكون مبدعا .

2 ـ الواقعية النقدية ليست متحجرة بالصورة التي يحاول البعض قسرها فيه ، وليس أخطر على الواقعية من تجميدها في قوالب .

 

نحو مفهوم ثوري للطليعة العربية :

تقدِم أبحاث فائق المحمد على تجذير الموقف السياسي ، لذلك نحمل في داخلها نظرية إيديولوجية متكاملة . ففي عمليتي الرفض والقبول ، الإدانة والمناصرة ، تتحدد نقاط فكرية هامة تشكل سلسلة مترابطة ، ونقطة البداية لتفسير آلية رفضه وقبوله ، نجدها في محاولته لتحديد ملامح الشخصية المحلية ، ومدى مطابقتها أو تباعدها عن الشخصية القومية ، حيث يبدأ من الصراع الطبقي كبوابة عامة تدخل منها التفصيلات .. الانتماء الطبقي .. المصالح الطبقية .. الظروف الحضارية .. والتنظيمات السياسية ذوات النظريات والمناهج الناتجة عن حطام التجربة العقلية والمعاناة الميدانية .

وليس دفاعه عن الغموض ـ كظاهرة حضارية أو تنبيه للمدارس الأدبية الجديدة ـ إلا صرخة واضحة ضد المذاهب القديمة ، أو بالأحرى ، المفاهيم الاستاتيكية التي تقيم للتراث تمثالا برونزيا في الساحة ـ لا يحول ولا يزول ـ على أنه الفارس الوحيد .

كذلك ، فإن تأطيره لرفض ( التوستالجية ) عملية جدلية واقعية تدين القائلين بتجانس التراث .

إذن ، فـ " فائق المحمد " ، يدعو إلى الاتجاه الجدلي التاريخي ، ومضمونه : الرجوع إلى التراث ضمن مقتضيات الحركة السياسية والاجتماعية والاقتصادية المعاصرة في الوطن العربي .

وهذه النظرية مناقضة ـ من حيث المبدأ ـ للإيديولوجية الإقطاعية التبريرية ، وللإيديولوجية البورجوازية الإصلاحية ، وتعمل على بلورة مفهوم علمي مركب في أبراج لولبية تعاند حقيقة الجاذبية الأرضية بأسلوب تشنجي .

وما دامت هذه النظرية لا تحني ركبتيها أمام خفراء القوانين السلفية اللاعقلانية ، فهي مؤهلة لتكون برنامج عمل البروليتاريين العرب :

ـ لا للسلفية .

ـ لا للتجديد المطلق .

ـ ولا للميكانيكية .

المزيد


” معارك ثقافية في سورية ” 1975 ـ 1977 / تتمة القسم الأول

سبتمبر 20th, 2011 كتبها y m نشر في , أدب وثقافة, مقهى البث المباشر

" معارك ثقافية في سورية "

1975 ـ 1977

تتمة القسم الأول

 

 " يوسف اليوسف .. والخروج من أزمة الشريحة باتجاه اليسار " ..

( من المنهج النفسي ، إلى المنهج المتكامل ) .

 

يقدم لنا يوسف اليوسف نفسه من خلال عطائه النقدي ، الذي اتسم منذ ظهوره بالمنهج النفسي ـ الفرويدي خاصة ـ ، ولكنه ، وبعد مرحلة طويلة ، كتب خلالها الكثير من الدراسات ، استنادا على معطيات هذا المنهج ، ورفضه ، ودعا إلى استبداله بـ " المنهج المتكامل " .

ولم يكن طرح يوسف اليوسف مرتبطا بالاستنتاجات الخاطئة والمرفوضة التي وصل إليها من خلال المنهج فحسب ، بل إنه مرتبط أيضا ، بموقع اجتماعي معين ، وبطريقة تفكير معينة .

لذا ، وتأسيسا على ذلك ، فإننا لا نعلم فيما إذا كان يوسف اليوسف سيتخلى عن منهجه المتكامل هذا أيضا ويؤمن بمنهج بديل .. ولكننا نعرف جيدا ، أن ما مرَّ به يوسف اليوسف ، يمثل إحدى خصائص البورجوازية الصغيرة ، وهي تنزع للخلاص من أزمة طبقتها .. وهذا الشيء الذي تراه عنده كفرد ، يعبر أيضا عن قطاع اجتماعي يتخذ صورة مجسمة تكشف كل ازدواجية وتخبط هذا القطاع .

هذه الصورة ـ التجريبية ـ هي التي تطبقها البورجوازية الصغيرة من خلال السياسة ، والاقتصاد ، والفكر ، والأدب أيضا .. أي : إنها تتنكر لكل التجربة الحضارية الإنسانية ، وتدعو إلى خلق التجربة الخصوصية من خلال التجريب . إن نموذج يوسف اليوسف ، هو بُعْدٌ مكثف لهذه الصورة .. أي : إننا نسمح لأنفسنا بالقول : إن ما مرّ به يوسف اليوسف كناقد ـ فرد ، يتحول إلى ـ تجريبية ـ كاملة فيما إذا كان في إطار الجماعة البورجوازية الصغيرة .

وانطلاقا من هذا التحليل ، فإن عدم جذرية البورجوازية الصغيرة ، وتخلخل موقعها الطبقي بين البروليتاريا والبورجوازية الكبيرة ، لا تسمح لها باتخاذ منهج محدد ، أو ، إنها تنزلق إلى مناهج تعبر عن ازدواجيتها ، أو تأخذ شكلا آخر ، فتبني منهجها من خلال التجريب .

ويوسف اليوسف ، نموذج حي لهذه الحالة بالضبط .

فخلال مرحلة اللاوعي ، كان يجهد نفسه كثيرا في أن يلائم ـ ولكن قسريا ـ ما بين النظرية الفرويدية ، والنتاج الأدبي الذي ينقده ( على وجه التحديد : الشعر الجاهلي ) .

فهو ، بالإضافة إلى أنه حجَّمَ العمل الإبداعي في مجموعة عقد نفسية ، نجد شرحها النصي الكامل في كتب فرويد ، فإنه لم يستطع أن يقدم من خلال هذا المنهج تفسيرا للجانب الواعي المرتبط بجملة أمور اجتماعية وطبقية وفكرية معقدة .

ونحن نجنح إلى أن عدم دراسة يوسف اليوسف للشعر الحديث ، كان مرتبطا بعدم استطاعة هذا المنهج ، أن يقدم إجابات للجانب اللاواعي أو النفسي في العمل الأدبي ، فكيف يستطيع تقديم مثل هذه الإجابات للجانب الواعي ؟!.

وكمثال عملي على ذلك ، نذكر القصيدة الحديثة التي قطعت شوطا كبيرا في مسيرة ما يمن تسميته بـ ( القصيدة التركيبية ) التي تمزج : الحب ، بالأرض ، بالثورة ، بالإنسان ، بالطبقة ، بالأمة ، بالتاريخ ، بالحضارة .. فهذه القصيدة حصيلة لعملية فكرية معقدة ، وتراكم ثقافي هائل ، وواع بالدرجة الأولى . فكيف يستطيع المنهج النفسي ، بنظرته الأحادية أن ينقد مثل هذا العمل الأدبي ؟! .

من الواضح أنه لا يمتلك القدرة ، ولو الجزئية ، على ذلك … ولهذا نرى هروب ممثلي المنهج النفسي إلى الشعر القديم الذي يمثل محصلة للحظةٍ انفعاليةٍ لا شك أن لها رابطها الاجتماعي ..

ففي دراسته لرواية الطيب صالح " موسم الهجرة إلى الشمال " يقزِّم هذا العمل في مجموعة من العقد النفسية .. فيرى أن الطيب صالح قد " تعمَّدَ الجنس ، وربما عقده أيضا ، واتخذه أرضية يبني عليها بنيانا ذا صلةٍ بالإيديولوجيا الاجتماعية والتاريخية " .

واضح في هذا التحليل ، أن هناك قسرا لنظرية فرويد ، ومحاولة استخلاص تأثيراتها في هذا العمل ، مما جعل يوسف اليوسف ، يلحِق بهذه العقد ـ وبما سماه : تعمّد الجنس عند الطيب صالح ـ كلَّ الهمِّ الاجتماعي والإيديولوجي فيها ، رغم أن هذا الهمَّ هو البارز لكل قارئ أو ناقد للرواية .

وهذا ما أكده ( محمد كامل الخطيب ) في كتابه ( المغامرة الم

المزيد


” معارك ثقافية في سورية ” 1975 ـ 1977

سبتمبر 19th, 2011 كتبها y m نشر في , أدب وثقافة, مقهى البث المباشر

 " معارك ثقافية في سورية "

 

1975 ـ 1977

 

 ذاك عنوان كتاب هام ، أرشف للمعارك الثقافية التي دارت رحاها في الساحة الثقافية السورية بين عامي 1975 ـ 1977 أعدَّه كل من الأساتذة :

محمد كامل خطيب ـ ونبيل سليمان ـ وبو علي ياسين ..

وصدر عن دار ابن رشد للطباعة والنشر في خريف 1978..

والمعركة الأخيرة من الكتاب ص " 288 ـ 312 " ، هي معركة :

" النقد والإيديولوجيا في سوريا "

والمقال ، دراسة نقدية ، قدمْتها ـ أساسا ـ كحلقة بحث للأستاذ الدكتور فؤاد المرعي ، في السنة الرابعة في قسم اللغة العربية في جامعة حلب ..  بعنوان " النقد والنقاد في سورية ـ دراسة في المناهج النقدية وتطبيقاتها "

وبنفس العنوان نشر الجزء الأول منه ، في جريدة الدستور الأردنية ـ العدد 3558 / تاريخ 24/06/1977.

 وفيها أيضا ، نشر الجزء الثاني  بعنوان : " وقفة مع ثلاثة نقاد من سوريا " ـ العدد 3705 / تاريخ 25/11/1977.

(( وسأنشرها لاحقا في صياغتها هذه )) ..

 

وحينها ، اقترح علي الصديق محمد جمال باروت أن يعيد صياغة الدراسة بمنظور منهج نقدي مختلف ، لينشرها في " الملحق الثقافي " لجريدة الثورة الدمشقية ..

وساهم معه في الصياغة الصديق صالح الرزوق ، ونشرت على قسمين في الملحق الثقافي لجريدة الثورة الدمشقية ، بعنوان :

"" النقد والإيديولوجيا في سوريا "" :

القسم الأول : نشر في العدد 36 ـ تاريخ : 17/11/1977

القسم الثاني : نشر في العدد 41 ـ تاريخ : 29/12/1977

" ولأني لم أعثر على النص الأصلي الذي نشر في الملحق الثقافي ، اعتمدت النص المنشور في الكتاب المشار إليه ، وقد نقلته بحذافيره ، ماعدا بعض علامات الترقيم " .   

النقد والإيديولوجيا في سوريا

 

القسم الأول :

  "" تحاول هذه الدراسة أن تستقرئ علاقة المناهج النقدية السائدة بالإيديولوجيا ، دون حد الطموح إلى طرح منهج نقدي بديل ، لأن ذلك ليس من مهمتها ، وبالتأكيد ..

لكنها ـ في نفس الوقت ـ تستند إلى منهجية علمية متماسكة ، ورؤيا مادية ديالكتيكية ، ترفض بحزم ، الميكانيكية والدوغمائية معا ..

وذلك يشكل خطوة أخرى لما بدأه : نبيل سليمان وبوعلي ياسين في كتابهما المشترك " الأدب والإيديولوجيا في سوريا ""

 

1 ـ الاتجاه السلفي التجديدي :

محي الدين صبحي والمنهج النقدي السلفي التجديدي :

يمثل محي الدين صبحي احتضار الفكر السلفي عندما يتجاوزه التاريخ .. فقد جسّد هذا الناقد ـ ومنذ البداية ـ القيمَ البورجوازية ـ الإقطاعية بشكل " مزجي " وتوفيقي مرتبط بطبيعة التشكيلة الاجتماعية ـ الاقتصادية لكل من الإقطاع والبورجوازية العربية ..

فقد شهدت التجربة الحضارية العربية ذلك التواطؤ المريع بين البورجوازية والإقطاع ، وكمحصلة لهذا التواطؤ ، لم تستطع البورجوازية أن تكون ثورية ، وتنسف المرتكزات الاقتصادية والإيديولوجية لنمط التشكيل الإقطاعي على خلاف البورجوازية الأوربية التي وجدت نفسها وجها لوجه أمام أسلوب الإنتاج الإقطاعي ، فنسّقته إيديولوجيا واقتصاديا وقوميا . من هنا أصبحت السمة المشتركة لتواطؤ الإقطاع والبورجوازية هي السمة السلفية الرجعية ، لكن السلفية برهنت ـ من خلال تاريخها الطويل ـ على أنها قادرة على القيام بعدة عمليات قيصرية للحفاظ على ديمومتها في ظل صيرورة التاريخ . إلا أن هذا التوافق بين ذاتها المحتضِرة ، وتطور المعارف الحديثة ، يبقى في إطار الفكر السلفي ، وإن امتدَّ أحيانا ليتجاوز جزءًا من تكويناته التي لا تعطي في كل الأحوال مؤشرا على التجاوز العام .

إن المنهج النقدي لمحي الدين صبحي هو نموذج لتلك الانتقائية بين الفكر السلفي التراثي والفكر البورجوازي المعاصر . فالمقياس الذي يعتمد عليه الناقد هو ( الفعاليات الخلاقة السابقة " التراث " ) مستنتجا منها معاييره . كما أنه يتخذ من " استبصارات العلوم الإنسانية الأخرى ، ومجريات تطور العلوم روافد تقوّم مجراه وتغنيه " ، " وبذلك يكون للنقد ثوابته التي تعتمد على نظرة الأنواع الأدبية " .

وهنا نجد أن محي الدين صبحي ينطلق من السلفية التراثية ، لكن هذه الانطلاقة لا تعني انغلاقه ضمن الأطر المعروفة لهذا النتاج الإنساني ، بل إنه يستفيد من منجزات العلوم الإنسانية الأخرى ، والمعارف الحديثة ، وعلى أساس هذا التكوين المزجي بين سلفية الأساس ، وثانوية المنجزات المعاصرة ، يكوّن محي الدين صبحي منهجه النقدي .

وقد جانبَ الصوابَ الأستاذ نبيل سليمان حينما صنف محي الدين صبحي مع خلدون الشمعة في نطاق ( النقد البورجوازي ) ، لأن محي الدين صبحي يمثل السلفية الجديدة ، والمنطق السلفي التجديدي ، وهما بنية فوقية للتحالف التاريخي بين الإقطاع والبورجوازية ..

وعلى هذا الأساس ، فإن محي الدين صبحي ، من خلال منهجه النقدي ، يمثل الإيديولوجية الإقطاعية وهي تتلمس ـ بشكل محافظ ، وبحبال متينة تربطها بتراثيتها ـ الإيديولوجية البورجوازية المعاصرة ، وهذا مخالف لمنهج خلدون الشمعة الذي يمثل يمين البورجوازية الصغيرة ، و " كولونياليتها الميكانيكية للثقافة البورجوازية الغربية ، كما سيتضح ذلك بعد قليل .

لقد تميز هذا المزيج الطبقي من التشكيلين الاجتماعيين السالفين ، بروحه الفردية ، في البحث العلمي ، لهذا ، فإننا نرى محي الدين صبحي يعتمد أولا وأخيرا على الإدراك العام ، والذوق الفردي . ولكن ما هو هذا الإدراك العام ؟ وما هي أبعاده ؟ وما هي خصائص الذوق الفردي المثقف ليصلح حكما نقديا ؟

 .. إن الإجابة على هذه التساؤلات ، غير واردة عند محي الدين صبحي ، ولكن يمكن للباحث أن يجد الروابط التي يعتمد عليها ناقدنا أولا وأخيرا .. أي : الإدراك العام ، والذوق الفردي المثقف .. بثنائية التوفيق بين الفكر السلفي الإقطاعي ، والفكر البورجوازي المعاصر .

فبالنسبة لأبناء هذه الطبقة ، يشكل وعيهم الطبقي ـ الإيديولوجي ، ضمن حدود طبقتهم ـ إدراكهم العام .. أي : ما سماه محي الدين صبحي بـ " الفعاليات الخلاقة للتراث " . بينما نرى الذوق الفردي المثقف في ذلك الإحساس غير المنهج ، والذي يستفيد مما تقدمه المعارف البورجوازية .. وهنا يبدو واضحا نموذج التواطؤ الطبقي مجسدا في نموذج التواطؤ الفكري . وأما الذي يؤكد أساسية الانطلاق السلفي ـ الإقطاعي عند محي الدين صبحي هو أن ما طرحه لا يختلف في جزئياته عما طرحه ابن سلام الجمحي قبل مئات السنين .

وبذلك ، يصر ممثل هذا المنهج على إلا يتقدم خطوة واحدة إلى الأمام ، إلا ويكون قد تقدم العشرات بالنسبة إليها ، ولكن إلى الخلف هذه المرة . وفي حين أن خلدون الشمعة يتميز بالشكلية من الخطوط العامة لدراسة كل من المبنى والمعنى ، ولكن ، بتداخل مختلف في كل نموذج تطبيقي له .

ففي دراسته عن ديوان عبد الوهاب البياتي ( الكتابة على الطين ) يركز محي الدين صبحي على ما يسميه : بالمطابقة والتماذج ، دون الخروج بأي معنى ، أو محصلة أو فهم محدد لهذا التطابق والتماذج . وعدم الوصول هذا ن يرتبط أيضا في طبيعة المزاج الهجيني غير العلمي بين ثقافة تحتضر ، وثقافة متقدمة .. وهو انعكاس للوضعية الإيديولوجية لطبقة محي الدين صبحي . بينما نراه في دراسته لقصيدة أخرى من شعر البياتي ـ بكائية إلى شمس حزيران ـ يركز على المعنى .. ثم إنه حين يحدد مهمة الناقد فإنه يكلفه بـ " أن يقلب الترتيب الذي يفرضه الفن رأسا على عقب ، فيكشف المعاني ويفسر الرموز عبر تمزيق النسيج الفني الذي يكنها في شرنقته " .

وهكذا ، فإنه يغرق أحيانا في التشكيلة النقدية ، ولكن بشكل مغاير لخلدون الشمعة . إنه يكشف المعاني " …. " ولا يحللها ، وبالتالي ، فإنه انسجاما مع سلفيته الطبقية والفكرية ، يمثل امتدادا لتفسيرات النقاد العرب القدماء ممثلي ذات السلفية ، وهذا محصلة لسبب بسيط ، وهو أن التصور الطبقي لمحي الدين صبحي لا يؤهله لأن يربط المعاني بجذرها الاجتماعي برؤية علمية صحيحة ، ومتماسكة . وهو يعيش حالة تناقض بين ذينك القطبين وبين خصائصها التي يجب أن يتبناها .

ومن خلال تحليل موسع قام به الناقد لقصيدتين من أصعب قصائد نزار قباني ـ كما يقول ـ وأكثرها إمعانا في الذاتية : " ليتبين صورة الإنسان القائمة والمقترَحة فيها " ، يحكم بسلطة القاضي المتمكن ، فيقول : " إن قيمة هذا الشعر لا تكمن في جماله الفني ، بل ، إن حماله الفني مستمَدٌّ من قيمته الأخلاقية المتطورة " .

ولو حاولنا فهم هذه القيمة الأخلاقية المتطورة عند نزار قباني ، لوجدنا مرتبطة بطبيعة الانحلال البورجوازي المكرس من خلال لولبية وتذبذب نزار قباني .. ذاك الذي عمل هجّاءً ، وزيرا للنساء ، ومنفسا ذكيا لكبت المراهقين ، وعواطفهم ، كما عمل في إحدى مراحله هتـّافا وطنيا .. فما الذي دعا محي الدين صبحي لأن يسِمَ قيَمَ نزار قباني بـ " الأخلاقية المتطورة " ؟

لقد ارتبط اسم نزار قباني ـ منذ ظهوره تقريبا ـ باسم الناقد محي الدين صبحي الذي ألف كتابا نقديا في الخمسينيات ، وضعه لخدمة ما يقول نزار قباني ، وهو في موقعه هذا حتى اليوم .

فنزار يمثل ـ أيضا ـ الاتجاه السلفي التجديدي في ذروته البورجوازية ، وذلك من خلال تأكيده على القيم الإقطاعية البورجوازية المعادية لحركة التقدم . وهذا ما يتوافق تماما مع طبيعة المنهج النقدي لمحي الدين صبحي ، بحيث أ، هذا يجد في نزار قيمة بذاتها ، وذلك هو بالضبط الذي يدفعه إلى نعتها بـ " القيمة الأخلاقية المتطورة " .

وعندما يتضخم الاتجاه السلفي النقدي لدى الناقد ، فإنه يغرق في تشنج قومي شوفيني ، مُدان من قبل النظرة القومية ـ الاشتراكية . حيث يُعَدّ النقد أهم عناصر المحافظة على الشخصية القومية لأدب أمة من الأمم ، مثلما هو من العناصر الهامة في تطوير هذه الشخصية ، وعكس تفاعلها مع الثقافات الأجنبية . وذلك يدفعنا إلى التسليم بأن محي الدين صبحي " سلفي " في أساسه النقدي ، و " كولونيالي بورجوازي " في استفادته من المناهج والمعطيات الثقافية البورجوازية و " قومي شوفيني " في فصله الشخصية القومية عن الشخصية الإنسانية ، حيث يعتبر أن " إحدى أزمات النقد في أدبنا الحديث أنه لا يصدر عن شخصية قومية متبلورة ومتمايزة " .

وهذا ما يقودنا إلى القول بأن هذا المنهج يمثل تفاقم أزمة التواطؤ الإقطاعي ـ البورجوازي ، واحتضاره ، حينما يصبح خارج الإطار التاريخي .

إن تفاقم أزمة هذه الطبقة ، يتضح من خلال الخاصة الأساسية للمنهج " النقدي السلفي التجديدي " وهي " التلون السريع " ، وعدم وجود ضابط يحكم علاقاته .. وللوهلة الأولى فإن هذا الطرح قد يبدو صحيحا ، أي : إن كل عمل أدبي يفرض منهجه الذي يلائمه .

ولكن هناك شيئين أخيرين هما : " العام " ، و" الخاص " ..

وهذان الطرفان يخضعان لعلاقة تأثيرية فيما بينهما ، تفض " الدوغمائية " ، ولكنها ترفض أكثر من ذلك " التمييع " .

يقول محي الدين صلحي : " إن لكل نتاج منطقا داخليا يفرض المنهج النقدي الذي يلائمه ويكشفه " ، ومن خلال ذلك المنطق الداخلي الذي يفرض المنهج النقدي ، ينطلق في نقده لقصيدة عبد الوهاب البياتي " بكائية إلى شمس حزيران " مستعينا بالمنهج الفكري ، والتحليل السياسي البورجوازيين . ثم في دراسة لديوان البياتي أيضا " الكتابة على الطين " اتبع " العرف الأدبي العظيم للنقاد العرب حيث استعملوا مصطلح النقد " .. وذلك رغبة من الناقد في "الارتباط بهذا التراث النقدي العظيم " .

وفي دراسة لشعر نازك الملائكة " الفرق في الرمز والهمس والتدقيق ، استخدم المنهج النفسي الفرويدي " لإبراز ما ينطوي عليه هذا الشعر من إحباطات ونكوصات " .

إن هذا الشرح المسهب ، ضروري جدا لفهم الخاصية التي تحدثنا عنها ، وعلاقتها بالإيديولوجيا .. فليس التخبط في المنهج ، والوقوع في أزمته ، إلا محصلة لتفاقم أزمة ، ولا تاريخية التواطؤ الإقطاعي البورجوازي .

من خلال ذلك كله ، نخلص إلى علاقة المنهج النقدي السلفي التجديدي بالإيديولوجيا ، كما يلي :

1 ـ إن هذا المنهج مرتبط بتواطؤ الإقطاع والبورجوازية التاريخي في بلادنا ، حين يدخل مرحلة الاحتضار .

2 ـ إن هذا المنهج يتحرك في ثلاثة محاور متماسة هي :

السلفية ـ القومية الشوفينية ـ التجديدية . بمعنى الارتباط " الكولونيالي " بالثقافة البورجوازية الغربية المعاصرة .

 

2 : الاتجاه البورجوازي الصغير :

** خلدون الشمعة ، والمنهج النقدي الشكلي .

" الخروج من أزمة الشريحة باتجاه اليمين "

توطئة :

يقف خلدون الشمعة في الساحة النقد

المزيد


فضاءات حلبية في الحنظل الأليف

مايو 31st, 2011 كتبها y m نشر في , أدب وثقافة, رواية

 فضاءات حلبية في الحنظل الأليف

 

 " حاولت أن أعود بخيالي إلى الغابة ، أن أستعيد الجنة ، فلم أستطع .. يا للحفرة التي وقعت فيها !!

" الغابة ورائي ، والمدينة أمامي ، فأين المفر " ؟!

ما الذي يجمع بين هذه الأشياء سوى مكان واحد ..

اسمه : حلب ..

فـ " في الشارع تنفسْتُ النور ، والنور يعني : الغابة .. والغابة : حرية " ..

و " الغابة ، هي الجنة ، هي غابتي الجميلة ، هي حديقتي ، هي الحفرة " ..

"" مقاطع من الرواية ص 54 و 114 ""

 

☼☼☼

 

في الترتيب الزمني ، تأتي هذه الرواية رابعة في إصدارات الكاتب وليد إخلاصي .. وقد صدرت عن دار الكرمل / دمشق 1980 ..

وهي الرواية الأولى التي تتخذ من مدينة حلب " فضاء " واضحا وصريحا لها ..

ومن اللحظة الأولى ، يحس القارئ أنه أمام رواية تتجاوز سابقاتها ، وتعطي انطباعا بقوة ومتانة البناء الدرامي فيها من خلال شخصيات تنبض بالحياة ، وتعيش معنا ، وتتنقل ، وتحب وتكره .. وتأكل وتشرب ..

إنها ببساطة رواية تقتطع جزءا من الحياة والناس ، وتضعهم تحت المجهر تارة ، وتحت المبضع تارة أخرى ، كي تبدو الأحداث بحجمها ، وبتفاصيلها  ..

وكما في معظم روايات وأعمال الكاتب ، تنتمي شخصيات أبطاله إلى الطبقة المتوسطة من المجتمع ، وإن غلب عليها سيطرة المتعلمين بكافة فئاتهم ..

فنجد شخصيات : كالرسام والمدير والشاعر والمعلم والمثقف والنحات ..

وهنا نلاحظ للمرة الأولى ، تسمية الأبطال بأسماء مسبوقة بـ " ألـ " التعريف ، على غير ما جاءت مجردة منها في الروايات السابقة ، في محاولة لتأصيل الشخوص ، وانتمائها إلى المكان المعروف والمحدد ..

وفي هذا إيحاء إلى أن هذه الشخصيات صارت جزءا مهمّا من مجتمعها ، وبات لها الدور الحقيقي في قيادة المرحلة ، وتقع عليها مسؤولية التنوير والتثوير فيه ..

أما " ليلى " بطلة الرواية ، فكأنها الحقيقة الحية التي لا تموت .. فهي بطلة " شتاء البحر اليابس " الرواية الأولى التي صدرت عام 1965 ..

و " ليلى " هي البطلة في هذه الرواية ، وتمتد بطولتها إلى رواياتٍ صدرت فيما بعد ، لتصل إلى روايتي : زهرة الصندل 1981 ، وملحمة القتل الصغرى 1993 ..

فعلى امتداد قرابة ثلاثين عاما من الرواية والقص ، تداخلت الأحداث وتشابكت معها صورة " ليلى " ورمزية اسمها ودلالات التمسك به ، وإيحاءاته ، لتأخذ ليلى حيزا واسعا من الروايات وصراعاتها ، ولتبقى البطلة في كل الأزمان والفضاءات الحلبية المتقنة الصنع والرسم والتلوين ..

وقد اتخذ الراوي من تلك الفضاءات مجالا حيويا يتحرك فيه الأبطال ضمن سيرورة الزمنين : الحياتي ، والروائي ، بدءا من أقبية السجن الحديث وأسواره ، إلى الدار الحلبية القديمة التي " تداعى بابها فجأة " ، ومع ذلك ، سعى " المعلم " المغرَم بالتاريخ ، لحفظها من الانهيار عبر تسجيلها لصالح الآثار في المدينة ، بغية ترميمها والحفاظ عليها ، لما تمثله من مكان تجتمع فيه ثلاثة أجيال ، فيما يطل الجيل الرابع برأسه بعد وقت قصير ..

وإذ يتنقل الكاتب بين أحياء مدينة حلب ، فهو يميز مستوياتها الشعبية والمتوسطة والأرستقراطية ..

فمن مأواه في بيت " في منطقة شبه مهجورة " ، يذهب للتعليم في مدرسة تقع في حي " الكلاسة " ، وهو وإن كان حيا شعبيا ، لكنه يتقدم على كثير من الأحياء ، كونه يشكل نقلة نوعية بينه وبين " منطقة شبه مهجورة " ، كما يعد همزة الوصل التي تصل بينه وبين حي المحافظة الأرستقراطي ، الذي يقع فيه قصر الحاكم / المحافظ ، والكثير من الأبنية الجديدة الراقية ، والشوارع النظيفة الأنيقة المشجّرة والمضاءة ليلا ..

ولكي تعكس الرواية صراعات الحياة ، لا بد من وجود شرائح فيها وعينات ، تمثل الواقع وتحاكيه ، ليكون الكاتب " شاهدا حقيقيا على عصره " كما يحب أن يعرّف نفسه ..

من هنا ، تكتسب شخصيات الرواية أبعادا إنسانية هي من صميم المجتمع وأبنائه بكافة أطيافهم وانتماءاتهم ..

كما تتحرك الأمكنة في الرواية لترصد التحولات الاجتماعية التي تتنامى مع تطور الحياة الاقتصادية ودور الدولة في توجيهها وقيادتها ..

لذلك ، فإن الكاتب يستنكر " هدم الجغرافية من أجل التاريخ " ص 21 .

ويصور " آدم " مكان سكنه قائلا : " غرفتي المطلة على حوش عربي ، تسكن غرفَهُ عائلتان متنافستان على البئر ، وعلى ثمار أشجار البرتقال الضامر " ..

ومع ذلك الفضاء المشحون المتأجج ، لا ينسى التفكير في " القلعة المبنية على شبكة من الممرات السرية " ص 40 ، وهي التي " تغوص في حفرة " هي الخندق المحيط بالقلعة ، فيطالب " بملئه بالماء وإلقاء ألواح البوظ لتسبح فيه " ص 6 ..

ولأن المكان ، حلب ـ حلم ، فإن الكاتب يرى أن " تجار البناء والسماسرة يحبطون كل حلم " ص 42 ..

وهم الذين " سيهدمون التاريخ ويخربونه ، وهم القوى الفاعلة الذين لن يتوانوا عن تقديم كل شيء في سبيل منافعهم ومصالحهم " ص 43 ..

ولأن الوطن الكبير ليس لـ " آدم " ، فهو يكفيه " وطنه الصغير " ص 45 ،  الذي يتسع لأحلامه وآماله ، رغم قلقه الدائم وتشوشه واضطرابه وضياعه ..

 

أما " عاشق المدينة " و " الذي أحبَّ المدينة حتى الوَله " فهو " خير الدين الأسدي " الذي " يقبع في المغارة الكبرى ، وقد تكرسح في السرداب ، وقعد " ، متسائلا :

" ما الذي يجب ألا يموت ؟؟ " ويجيب :

" المدن الجميلة ، والزمن الموجود .. العلم والخير .. الرغبة في اكتشاف المجهول ، لا تموت " ..

ومع أن " حمض الزمن يذيب كل شيء ، لكن لا شيء يضيع ، فالتراب مخزن أمين " ..

إنها المدينة كلها تصبح مغارة كبرى حين تطل عليها من جبل الجوشن الرابض غربها ، وكأنه نظير ومعادل للقلعة التي في شرقها ، وبينهما ، وعند أقدامهما ، تبدو المدينة مغارة حقيقية ملأى بالأشجار والبيوت الواطئة والبساتين والأراضي الجرد اليابسة ، يتصاعد منها الغبار مع هبات الصيف الجافة ، ويتعثر في جلبابها نهر قويق وهو يمر طينيا حينا ، وآسنا أسود أحيانا أخرى ..   

المزيد


باب الجمر ـ فضاء حلبي بامتياز

مايو 29th, 2011 كتبها y m نشر في , أدب وثقافة, رواية

 باب الجمر ـ فضاء حلبي بامتياز

 

 باب الجمر : رواية صادرة عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق ـ 1984

يقول عنها صاحبها الروائي وليد إخلاصي :

(( بدت روايتي " باب الجمر " للوهلة الأولى ، وكأنها بحث عن بابٍ غائبٍ أضيفه إلى أبواب حلب التاريخية المعروفة ، أو أنه بابٌ متخيَّلٌ ، أدخل منه إلى حقيقة التاريخ الاجتماعي للمدينة ..

لكن الأمر على ما يبدو أبعد من هذا بكثير .. )) ..

" الرواية قبل الأخيرة : أحاديث للكاتب 1987 " .  

 

ويقول : (أنا برأيي ، ليس هناك من قانون للرواية ، لأن كل رواية تخلق قانونها ) ..

" من حديث مقابلة خاصة معي للكاتب وليد إخلاصي " .

 

هذه الرواية ، هي واحدة من محاولاتٍ روائية كثيرة تسعى إلى " تأصيل " الرواية العربية ، والابتعاد عن النمط الأوروبي الكلاسيكي ، وإيجاد نوع من الرابط الحي ، بين نمط التفكير الشعبي ، وعملية القص أو السرد ، أو البناء الروائي عند الكاتب ..

وليست هذه أول المحاولات ، بل سبقها " زهرة الصندل " ، وبشيء أكثر هندسة في " الحنظل الأليف " ذات الطابع التجريدي ..

وتقوم رواية " باب الجمر " ، على عالم من الطقوس والحكايات والاحتفالات والأحلام والرجاءات والمخاوف الوثيقة الصلة بالروح الجماعية الشعبية ، التي تعيد اكتشاف الحكاية الشعبية السورية ..

وما يميز هذا العمل ، هو : حضور روح المكان ، بخصائصه الاجتماعية وروحه الشعبية ..

وليست أسطورة حديثة أن نبتكر حارة على غرار حارات حلب القديمة ، ونسميها " باب الجمر " ، لأن ذلك مألوف في النثر الروائي العربي ..

لكن ما يلفت النظر في هذه الرواية ، أن " روح المكان " بمعنى " فضائه الشعري الروحي الاجتماعي " تحضر على نحو مميز ، وتشكل بعدا أساسيا يوجه عالمها الروائي برمته ، و" يستحضر الروح الحلبية المحلية " كما يرى الدكتور فؤاد المرعي ، وهي " عمل فني يستحضر مكانا حلبيا يعطيه النكهة الحلبية " ويُبنى بروح محلية شعبية ..

إن المكان في " باب الجمر " ينهض في فضاء السرد الحكائي المشار إليه أعلاه " عالم من الطقوس والحكايات و … و … " ، وهذا ما يجعله وثيق الصلة بالبنية النفسية الشعبية للجماعة ..

إن أسلوبية السرد الحكائي هنا ، هي تعميم فني لعلاقات حضورية في الواقع .. وما يوضح ذلك ، هو قيام الرواية على عالم من المتضادات :

عالم الجماعة الشعبية : أحمد النساج ، الصالحاني ، محبة الجمر ..

في مقابل عالم السلطة ، الذي هو عالم " الأسطورة العائلية " لـ " آل الراس " ..

ونجد هذا التضاد على مستوى الإشكالية الروائية في شكل الصراع ما بين : ثنائية عالم مقهور ومستغَلّ وفقير وجاهل ، وعالم آخر ، يملك المعرفة ، ويملك في الوقت نفسه ، المال والقوة والسلطة ، والقدرة على تجهيل الآخرين واستغلالهم عن طريق جهلهم ..

وقد يبدو أن الصراع قائم بين المعرفة والسلطة ، وهنا ، قد تلعب المعرف

المزيد


الخلود في زهرة الصندل

مايو 27th, 2011 كتبها y m نشر في , أدب وثقافة, رواية

 الخلود في زهرة الصندل

 

 مدخل إلى الرواية :

 

 رغم الكم الكبير من الحكايات الشعبية المبثوثة في كتب التراث العربي ، إلا أن هذا التراث ، لم يعرف الرواية ، ولو بشكلها الفني البسيط ..

إن السِّيَرَ الشعبية ، والقصص ، والمقامات ، لا تقترب من حدود الشكل الفني للرواية الحديثة ، وإن كان في الكثير من عناصر الرواية : كالزمان والمكان والشخوص والحوار والحبكة وغيرها ..

ومن تلك الأعمال :

سيرة عنترة ، وأبي زيد الهلالي ، والمقامات ، وقصص الحب … إضافة إلى ما كان يُروى على ألسنة الطير والحيوانات المختلفة ..

ولأن علاقة الرواية بالتاريخ حتمية ، فإنه يحكم ولادة الرواية ومسارها وتطورها ..

وتحتضن الرواية زمانا ومكانا متميزين ، وترسم أشكالا من الصراع تدور فيهما ، ويكون الصراع المرسوم والمحدود بالزمان والمكان ، مرآة لمجتمع محدد ، وصورة له ..

كما أن ارتباط الممارسة الروائية بتحولات مجتمع معين ، هو الذي يقيم علاقة حميمة بين الرواية والتاريخ ، ويجعل المعرفة الأدبية التي تنتجها الكتابة الروائية ، معرفة موضوعية ، تلتقي مع المعرفة التاريخية ..

والرواية ، في بحثها عن انتماء ، أو هوية معينة ، تعقد حوارا بين أزمنة مختلفة ، وتكون شكلا من كتابة التاريخ ، تتضمن الخطاب التاريخي ، وتفيض عنه أحيانا ..

إن الرواية تستعيد الماضي لتقدم شرحا للحاضر ، وللتطور اللاحق ..

كما أن احتدام التناقضات الاجتماعية لم يجدد الرواية في مضمونها فحسب ، بل قدّم الإمكانية الفعلية لفعل الروائي الحقيقي ، وكرّس الرواية كقوة فنية حاسمة ، لفترة تاريخية بأكملها ، وطرح في الوقت نفسه ، معضلات جديدة أمام الفعل والشكل الروائي ..

 

وقد تزامن ظهور بوادر للرواية العربية ، مع ولادة البورجوازية العربية أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين ..

وقد عبّرت هذه البورجوازية عن مسار ثقافي تابع للغرب ، كونها تابعة له سياسيا واقتصاديا أيضا .. الأمر الذي جعل منها عائقا حقيقيا في وجه التطور الاجتماعي الوطني ، ومارست دورا تمهيديا للتبعية بدل الاستقلال ، يفصل ممارسة الكتابة عن الواقع الاجتماعي ..

وفيما حققت البورجوازية الأوربية ثورة ثقافية عريضة ، فقد أخفقت مثيلتها العربية ، ووقفت بعيدا عن حركة المجتمع ، ونزوعه التاريخي نحو التطور والتقدم .

 

رواية : زهرة الصندل :

صدرت عن دار الكرمل بدمشق 1981

 

 تمثل " زهرة الصندل " إحدى أهم إبداعات الأستاذ وليد إخلاصي الروائية ، كونها تمثل " الميثولوجيا الشعبية الحلبية " خير تمثيل ، في كل تفاصيل الرواية .

فقد كان وليد إخلاصي حريصا على إعادة " الخلق لما هو قائم " في هذه المدينة ، أكثر منه " حكواتيا " ناقلا لمخزون الشعب وأفكاره وأحداثه .

ولعل هذه الرواية " عِقد زواج شرعي بين الحكاية العربية ، والرواية الغربية " كما يصفها الكاتب نفسه .

وقد نمت شخصيات الرواية وأبطالها " المتعددون " بشكل صحي ، وصحيح ، من خلال المشهد البيئوي ، مما أكسب الرواية نكهة " حلبية " وطابعا " محليا " فيهما الكثير من الإيماءات والعلاقات الإدهاشية .

ومن خلال " المنظور العائلي للوطن " أو " المنظور الوطني للعائلة " ، كتب وليد إخلاصي روايته جاعلا الوطن " عائلة وطنية كبيرة ، حسب قول الناقد الصديق " محمد جمال باروت " ..

فالكاتب يرى أنه : " بالرغم من تشتت أفراد العائلة ، موتا ، وهربا ، وقتلا ، وهجرة ، فإن الرمز باق ، متمثلا بالجدة : وهوب " ..

" الجدة هي العائلة ، وهي المدينة / الوطن " ..

فإذا كان الإنسان في خطر ، كانت العائلة في خطر ، وبالتالي ، فإن الوطن بخطر ..

وللوقوف في وجه الخطر ، لا بد من " الفن " ..

فهل كانت الرواية ردَّ فعل انعكاسي ؟؟

حين تجد الخطر زاحفا أو كامنا أو يلوح لك بالتحدي ، تعود إلى داخلك بحثا عن العزاء ..

حب الوطن ، هو العزاء ..

والوطن ، ليس هو الجغرافية والتراب فحسب ، إنه محاولة الاستمرار بالحياة في أسوأ الأحوال ، وهو ربط الزمن الراحل ، بالزمن الآتي ..

العِلم ، يربط الجغرافية بالحياة ، أما تحويل الجغرافية إلى رمز ، وأمثولة ، فتلك مهمة الفن ..

والزمن هو الذي يعطي للمدن سرها ، فتمنحه بدورها للفن ، ويوما بعد يوم يزداد إحساس الكاتب بالكشف عن الجيولوجية الإنسانية / المدينية ، حتى يغدو أثر المدينة في الكتابة قدرا لا حيلة للكاتب في التحكم به ، إلا بمقدار ما يستطيع أن يحكم التفكير فيه ..

وتأتي زهرة الصندل ردة فعل عنيفة على الخطر الذي كان يتهدد المدينة / حلب ..

لكن لم تكن الرواية مجرد انفعال بأحداث معينة ، إنما تلك الأحداث ، فجرت في أعماق الكاتب ، التراكمات القديمة ، ونبشت المخزون ، عبر مئات السنين ، ليظهر في الرواية على هذا الشكل ..

فالرواية ـ كما يصفها الكاتب ـ " ليست واقعية تماما ، وليست متخيلة تماما .. إنها رواية ، وحسب " ..

إن قلعة حلب ، امرأة .. والمرأة العظيمة هي : الأم .

فيتخيل الكاتب احتفالا بالعيد المئوي الأول لامرأة ربّت أجيالا ، وهي تسكن دارا قديمة من طراز عربي قديم ، أنجبت أربعة أولاد :

قتِلَ الأولُ شابا على يد العثمانيين .

والثاني قتِلَ شابا على أيدي الفرنسيين .

والثالث قتِلَ في أول فوج ذهب إلى فلسطين ضمن جيش الإنقاذ .

والرابع صرَعته رصاصة طائشة في أيام الفوضى .

" أحمد قتله الأتراك ، وعبد السلام الفرنسيون ، وأما محمد فصرعته رصاصات اليهود ..

ومصطفى ؟ رصاصُ مَنْ قتله ؟؟ " .

هذا هو السؤال الأهم في الرواية .. ص 65 .

وصار لهؤلاء الأولاد أبناء ، ربّتهم الجدة ، وهي التي اعتنت بأولادها ..

لكنهم كانوا يموتون أو يهاجرون أو يتركون الدار القديمة إلى بيوت حديثة في أحياء أخرى من المدينة ، وكانت كلما فقدت أحد أحفادها ، ينحني ظهرها قليلا ، ثم ما تلبث أن تستعيد استقامة قوامها .

هذه الجدة ، هي الوطن الذي لا يمكن أن يستسلم ..

وبمرور الأحداث القاسية في المدينة ، تصاب المرأة بالمرض لأول مرة ف

المزيد


وزير يبيع حياته بقصيدة

نوفمبر 7th, 2010 كتبها y m نشر في , أدب وثقافة

صرْنا في زمن ، نتعَجَّبُ فيه ، إذا لم نسْخرْ ، من كثير من الأفعال والأقوال التي سادت في العصور العربية السابقة ..    

فقد ولـّى زمن المروءة والنجدة ..

حين انتضى فيه الشاعر عمرُو بنُ كلثوم سيفا ، وقطع به رأس الملك عمرو بن هند ، وقبل أن يعرف ماذا جرى ..

 فقط ، سمع صوت أمه من الطرف الآخر من الخيمة ، تستغيث من إهانةٍ مقصودةٍ وَجّهَتـْها لها مُضيفتـُها أمُّ الملك ، صارخة : وا ذلاه ، يا لتغلب !! ..  

كانت تكفيه استغاثة من أمه ، ليقطع بها رأس مُضيفه الملك ..

وصارت الفروسية ضربا من الجنون والتهور ..

 كما فعل " عنترة " حين رمى بنفسه في أتون معركة حامية الوطيس ، كي يحظى بحريته ، وبالتالي ، بحبيبته ..

وصارت لفظة " وا معتصماه " مجالا للسخرية والتـَّنـَدُّر ..

وصارت مروءة " السموأل " وأمانته ، التي دفع حياته مقابلهما ، أمرا يستحيل وجوده ، ومسألة تدعو للشفقة على عقلِ منْ يتمسَّك بهما ، في هذا الزمان الأغبر ..

 

بينما انتشرت مفاهيم أخرى ، كثيرة وجديدة ، سيطرت على عقولنا ، وفكرنا ، وتراثنا ، وعقائدنا ..

رُوِّجَ لها طويلا ، وأوجدوا لها الأنصار والمُعِينين والمُبَشِّرين ، وسَخّروا لها كل أجهزتهم وأبواقهم ، حتى غدت مفاهيمُهم هي :

 (( الأصح ، والأبقى ، والأكثر عملية ، والأكثر تحضّرا )) …

إلى ما هنالك من أوصاف مزيفة ، غسلوا بها أدمغتنا ، وسطـّحوها بما يتناسب مع المرحلة الجديدة ، فرزحْنا تحت سقفها الواطئ جدا ، والقذر جدا ، والغريب عنا جدا جدا ..

وقبلـْنا أن نعيش تحت ذلك السقف الوضيع ، كي لا نـُتـَّهَمَ : بأننا خشبيون في تفكيرنا ، وأننا نعيش خارج الزمان .. وأننا لا نؤمن بالتطور والتقدم البشري …..

وصارت حالنا كحال شخصيات مسرحية توفيق الحكيم " نهر الجنون " ..

 

لا أعرف إن كانت المقدمة السابقة تصلح لتكون مقدمة للمقال التالي ، لكنها خطرات كتبتها بعدما وقفتُ طويلا عند قصيدة " الأنباري " ، وموقف الوزير عضد الدولة منها ، ومن القتيل ..

والسؤال :

كم من المسؤولين اليوم ـ على تفاوت درجاتهم ـ مستعدون ليدفعوا حياتهم ثمن قصيدة تـُخلـِّدُهم ؟؟!!

لقد عَرَفَ الوزير " عضد الدولة " قيمة الشعر وأهميته ، فتمنى الميتة بدلا من ابن عمه ، ليحظى بقصيدة … فقط ..

ترى : أحياته كانت رخيصة عليه إلى هذه الدرجة ، وهو الوزير المنتصِر ؟؟ أم القصيدة ثمينة جدًا ؟؟

أيا يكن الجواب .. فلولا تلك المرثية ، لمَا وجدْنا لحادثة اقتتال أبناء العم ، ذلك الأثر المفجع في النفوس ، كالأثر الذي خلـّفتـْه القصيدة نفسُها ..

وشهد تاريخنا ـ وهذه إحدى مخازيه ـ كثيرا من معارك الاقتتال بين الإخوة الأشقاء ، وبين أبناء العمومة ، وبين أبناء العشيرة الواحدة ، وبين الأب وأولاده ، وكل ذلك ـ غالبا ـ كان طمَعًا بالحكم ، والسلطة ..

 

وغيْرُ " عضد الدولة " هذا ، لم أسمع أن وزيرا يتمنى لو يكون هو المقتول ، وأن تكون القصيدة هذه ، قيلت في رثائه ..

ولعل مقولة " عضد الدولة " هذه ، قد ساهمت ـ أيضا ـ في انتشار القصيدة ، واستحسان الناس لها عبر العصور .. وهي مجرد مقولة لم تلامسْ حَدّ الفِعل لا من قريبٍ ولا من بعيدٍ ..

وهذا يبيّن أهمية وتأثير ودور الشعر في حياة العرب القديمة .. بكل أغراضه ومعانيه ..

ولعلنا لو أخذنا المعلقات الشعرية الجاهلية نموذجًا لذلك الدور ، والتأثير الذي كان لها في زمانها ، لوجدنا معلقات كل من :

زهير بن أبي سلمى ، وعمرو بن كلثوم ، وطـَرَفة بن العبد ، ولبيد بن ربيعة ، وعنترة بن شداد ، والنابغة الذبياني ، قد خـَلقتْ أجواءً وعوالمَ من التأثير في الزمان والمكان وأهلهما ، مغايـِرة لِمَا بعدها عما قبلها ..

لذلك ، لم يكن صدفة ، أن يُوصَفَ الشعرُ العربي بأنه : ديوان العرب ..

إنه سِجـِلٌّهم الحافلُ بأيامهم ولياليهم ، بجوعهم ، بكرَمِهم ، بمروءتهم ، بشهامتهم .. ببطولاتهم .. بجُبْنهم .. بإقدامهم .. بإحجامهم .. بغزوهم .. بدفاعهم .. باندفاعهم .. بالغنيمة .. بالخسارة .. بالنصر .. بالهزيمة .. بحِلـِّهم ، بترحالهم .. بخوفهم ، بهلعهم ، بفزعهم ، بفرحهم ، بحزنهم وحبهم وعشقهم ، بمدحهم وهجائهم وعتابهم وشكواهم وتذمرهم .. بالرثاء ، بالوصف ، باللهو ، بالخمر، بالقيان ……….  

باختصار .. إنه عَالـَمُهم ..

أي : ديوانهم ..

 

لقد روَتْ لنا كتبُ الأدب والتاريخ والسِّيَر ، كثيرًا من السّجالات الشعرية والحكايات والنوادر والطرائف التي حدثث في قصور الخلفاء والأمراء والحكام ، وعلى مرأى ومسمع منهم ..

واقترن كثير منها ، بالشعراء أو بقصائدهم ، مثلما اقترن الشعراء بالحكام ، فلازموهم ، وسامروهم ، وعايشوهم ، واستظلوا بظلهم ..

المزيد


التالي