Yahoo!

إبرة في كومة قش 1ـ 4

كتبها y m ، في 19 مارس 2012 الساعة: 11:42 ص

 إبرة في كومة قش 1ـ4

 

 ( قصة ) (1) :

ـ 1 ـ

 كان إلحاح عصام ، وطلبه أن يسافر معي إلى دمشق ، سببا رئيسيا ، جعلني أسافر بسيارتي ، قاطعا مسافة طويلة في الذهاب والإياب ، وكان من الممكن أن أوفر ذاك العناء ، لو سافرنا بالقطار أو بالحافلة ، أو بالطائرة ، حتى ..

فليس لي من العمل الكثير في دمشق ، وتكفيني سويعات أقضيها في اجتماع عمل قبل الظهر ، وسأعود بعدها فورا .. 

وقد أفضى لي عصام ، بأنه يريد أن نسافر بسيارتي ، كي تساعدنا على البحث عن " لبنى " ..

سألته : من تكون لبنى هذه يا عصام ؟

لم يجبني وقتها عن سؤالي ، لكنه قال : سيكون لنا متسع من الوقت ونحن في الطريق ، وسأحكي لك بالتفصيل الممل ..

قلت : لا أريد مفاجآت يا عصام .. خبرني شيئا الآن ..

 

قال : انقطعت أخبارها عني بعد عاشر رسالة منها .. ولا أعرف سوى اسمها ونسبتها وعنوان المراسلة ..

وبعد أن قرأ ملامح وجهي ، أضاف : أتكفي هذه المعلومات للسؤال عنها في الجامعة ؟؟ أو ، لعلنا نتمكن من الحصول على عنوان سكنها من ملفها الشخصي في شؤون الطلاب ..

قلت وأنا أستدير عنه : لأن دمشق أكبر من قريتنا بقليل ، فإننا ـ وبسهولة فائقة ـ نستطيع أن نعثر على الإبرة في كومة القش الكبرى !!

استاء من سخريتي ، وأرغى وأزبد ، وغادر المكان ..

ولم أرغب في مزيد من استفزازه ، لكني ـ أمام حماسه واهتمامه وعصبيته ـ لم أضع العصي في عجلات المركبة ، كي لا يتهمني سلفا بتسفيه آرائه ، أو الاستخفاف بمشاعره ، للتهرب وتجنب مساعدته ..

وكنت حريصا أن أستمع منه لدواعي اهتمامه بـ " لبنى " ، مادام ليس بينهما سوى المراسلات البريدية .. وهو لم يحدثني عنها مسبقا على غير المألوف بيننا ..

ضحكت في سري وأنا أتذكر قول بشار بن برد ، الشاعر الكفيف :

" والأذن تعشق قبل العين أحيانا " ..

ومنذ أن ركبنا طريق الشام ، لم يكن يفعل شيئا سوى التدخين ، والاسترخاء على كرسيه إلى الوراء ، واستحضار حواراته معها ، كأنه في عيادة طبيب نفسي ..

وقد أذهلني بمقدرته على التسلسل السردي واستعراض الأحداث ، وإن كان يستعين أحيانا بقراءة مقاطع محددة من الرسائل ، حين يريد أن يكون دقيقا في إيصال الفكرة إلي .. وكأنه يوثق شيئا ما للتاريخ ..

في الحقيقة ، أسعدني ذلك ، وإن وجدتُ في طريقته شيئا من المبالغة في الاحتراس والتوثيق .. فالأمر بالنسبة لي واطئ السقف ، كون الحكاية مسدودة الأفق حتى الآن ، ولا أريد أن تكون أكثر من مجرد حكاية نتسلى بها ونحن في الطريق إلى الشام ..

وطالما سافرنا كثيرا معا .. وقطعنا مسافات ومسافات .. لكني لم أره على هذه الهيئة من الترقب والقلق والحيرة ، حتى كدت أتركه في إحدى استراحات الطريق وأمضي لشأني ..

فهو في كلامه عنها ، يوحي لك وكأنهما ( شرَقـَا صحن الزليطة معًا ) كما يقولون .. لكن الوقائع التي سمعتها تنفي ذلك .. وهيهات !! ..

 …………

 

قال عصام بعد أن اتخذ وضعيته المناسبة على المقعد بجانبي :

خذ مني ما سأرويه ، ولك أن تفعل به ما تشاء .. لكن ، وبالنتيجة : أريد أن أجد لبنى اليوم .. فأنا أعرف نواياك ، وجهدك في البحث عن سيناريوهات حياتية ، تجعل منها أساسا للتندر والقص .. ولك علي ألا أخفي عنك شيئا ، لا من الخوافي ولا من القوادم ..

صمتَ قليلا كأنه غصّ بدخان سيكارته ، ثم اعتدل ، وقال :

رغم أني لم أكن أنتظر وصول رسالة لي من أحد ، لكن سعادتي كانت كبيرة جدا بالرسالة الأولى التي وجدتها في صندوق بريدي الجديد ، ولم ينتقص من فرحتي أنها ليست موجهة لي ، وبدا ـ فيما بعد ـ أن مرسلتها " لبنى " لا تعلم بتخلي أختها عن صندوقها منذ فترة .. وهنا بداية حكايتي معها ..

أخذتُ الرسالة مدفوعا بفضول ساذج لقراءتها .. كانت عادية ، من أخت لأختها ، تطمئنها وتطمئن عنها .. ثم أعدت إرسالها إلى عنوان المرسِلة : كلية الاقتصاد والتجارة في جامعة دمشق ، معتذرا لصاحبتها عن قراءتي لها ..

 فأرسلتْ لي بتاريخ 13/06/1986 ، شاكرة صنيعي ، ومعتذرة عن جهلها بتخلي أختها عن الصندوق ..

وفي التفاتةٍ لبقةٍ منها ، ولكي تخفف عني عبء فضولي ، قالت : إنها في حالة مشابهة ، كانت ستفعل بالرسالة مثلما فعلت أنا .. وعلقتْ على عبارتي : ( كوننا شرقيين ) ، التي سوغتُ بها فضولي ، مستنكرة لصق تـُهَمِنا بالشرق ، وألا نجعل شرقيتنا مسوِّغا لتصرفاتنا الخارجة عن إرادتنا ، كالفضول مثلا ..

وقالت : إن العلم والعقل كفيلان بمساعدتنا على محاكمة مشاكلنا محاكمة عقلية ، ومحاولة حلها ، وبالتالي التغلب على ظروفنا الاجتماعية القاسية ، وإلا ، فالنسيان عزاؤنا ، لا الخضوع والاستسلام ..

في الحقيقة ، لم أكن أتوقع ردا كهذا ، بل ، لم أكن أتوقع ردا على الإطلاق .. أما أن يأتيني مثل هذا الرد الدسم ، فذاك ما دفعني للكتابة إليها من جديد ، لشعوري أنها حشرتني بين المطرقة والسندان ، وهو مكان لا يعجبني ، ولا أحسد نفسي عليه ..

 

ووصلتني رسالتها الثانية مؤرخة في 12/07/1986 ..

وقالت : إنها قررت الكتابة إلي ، رغم اعتراض صديقاتها ، لأنها وجدت مني تشجيعا غير مباشر لاستمرار تبادل الرسائل ، ولم تذكر لي شيئا عن اعتراضات صديقاتها .. ( لكني سألتها عن ذلك فيما بعد ، في ردي عليها ) ..

وأضافت شارحة سبب قرارها بمراسلتي قائلة : من الممتع بالنسبة لها أن تكتب ما يجول في خاطرها وتناقشه مع رجل على درجة من كذا وكذا وكذا والاحترام ..

لكنها ـ بعد أن استشفت من رسائلي أني سريع الغضب ـ اشترطت : " الصراحة التامة ، وبدون أن أغضب " .. وأنها لا تريد أن ترد على كلامي لمجرد الرد ، بل هي تود مناقشته حتى ولو كان رأيها غير صحيح ، المهم أن يكون مقنعا .. وتضيف : إذا وافقتَ على هذه الشروط ، فيمكنك متابعة قراءة رسالتي ..

طبعا هي تعرف أنني سأقرأ الرسالة سواء وافقت على الشروط أم لم أوافق .. لكني وافقت ضمنا ..

وحين أوغلتُ بالقراءة ، وجدتها (تفصفص) رسالتي بحِرفية الجزار الذي يسلخ جلد الشاة عن لحمها ..

قالت : تقول في رسالتك : إنك لم تتوقع رسالة " دسمة " مني ، ولم يكن في ذهنك أنني حقا من هواة كرة القدم وأنني أتابع مباريات كأس العالم .. هل السبب برأيك أنني فتاة ؟! إذا كان الأمر كذلك ، فهنا يكمن مفهوم " الشرق " ، وأتركُ هذا الأمر الآن ، لأن فهْمَنا للشرق يبقى نسبيا .. وأنا كثيرة المناقشة إلى حد يثير الملل أحيانا ، وكثيرة السؤال ، وأرغب في معرفة معظم الأمور .. لست فضولية .. لكن في رأسي أفكارا كثيرة وتساؤلات عن حياتنا القصيرة .. أستغرب ما يفعله الناس ببعضهم .. فليتذكروا دائما أن الموت يهمس باستمرار : " عِشْ حياتك ، فأنا قريب منك " ..

أقرأ الجرائد اليومية .. وأعشق فيروز .. وأحب كل أغنية تعبّر عن معنى ما .. أحب الرياضة وأهوى المطالعة وقراءة الشعر ، حتى إنني أقرأ قصص الأطفال أحيانا لأعرف ما الذي نقدمه لأطفالنا ..

عمري ثلاثة وعشرون عاما ، من مواليد 1963 .. وأعتقد جازمة ـ وهذه استعارة منكَ ـ أنني سبقتكَ في كثرة الكلام ، وأرجو رجاء حارا أن تتحلى برحابة الصدر والصبر .. وأكرر رجائي ـ يا سيدي ـ بقبول اعتذاري عما جاء في الرسالة ، ولك الحرية في أن تجيب عن تساؤلاتي ..

وقالت : أسلوبك ممتع ومشوق فعلا ، ولقد حاولت الكتابة مثلك ، ولكن بعد أن قرأت كتابتي أدركت فشلي ..

 

انتهت هنا رسالتها الثانية ، وبقي أن أخبرك أنها في الرسالتين السابقتين ، كانت تخاطبني : السيد عصام ..

 

في رسالتها الثالثة إلي  07/08/1986 ، كتبتْ في مقدمتها : إلى الصديق أبو غالب ..

 

هذا يعني أنها وافقت على طلبي بأن نكون أصدقاء ..

وبدأت رسالتها بالاعتذار عن التأخر في الرد ، فمسؤولياتها بعد سنوات من رحيل أمها ، حتـّمتْ عليها القيام بواجباتٍ لا يمكن أن يؤديَها غيرها ، وهذا ما يجعل وقتها ضيقا لا يسمح لها بكتابة رسالة تعادل ـ على الأقل ـ ما يصلها مني ..

وتقول : إنها من جديد ، ردت علي متجاهلة اعتراض صديقاتها ، اللواتي نصحْنها بعدم التورط ـ وهي المِكلامة ـ مع رجل مجهول لا تعرف عنه شيئا ، ولا تعرف نواياه ولا خلفياته ولا توجهاته ..

ثم سردت لي رأيهن قائلة : إن طيبة قلبها ، وسرعة ثقتها بالناس ، ونوع تفكيرها ، كل ذلك سيجلب لها أوجاعا ومشاكل هي بغنى عنها ، ولاسيما حين يتعلق الأمر بمراسلات مع مَن لا تربطها به أية صلة .. ووصفت لبنى ذلك بأنه : من باب النصح لها والحرص عليها .. ليس إلا .. لكنها مقتنعة بما تفعل ، ولن يؤثر رأيهن على موقفها مني .. 

وقالت : إنها موافقة على كل ما كتبته لها ، لأنها وجدت فيه تشابها كبيرا بما يجول في خاطرها ، لكنها تحتاج إلى قدرة التعبير عنها مثلي ، إلى درجة أن إحدى زميلاتها طلبت إعادة قراءة رسائلي لإعجابها بها ، فعلقت لبنى مازحة : أعتقد بأنني سأنسخ عدة نسخ من رسائلك وأبيعها ..

توقف عصام عن الكلام وهو يشعل سيكارته ، وبدا كأنه يريد مني تعليقا ما .. وحين لم أعلق ، قال لي بنزق : أرأيت كيف يتلقف الناس المثقفون آرائي ؟!

ابتسمت ، وقلت له : ادع ربك ألا نتأخر عن إنجاز أعمالنا ، وإلا سنضطر للمبيت في الشام ..

قال : وماذا وراءك ؟! وإن بتنا !! لن يتغير نظام الكون ..

قلت : لا بأس .. الأفضل أن نعود ، والأفضل أن تكمل كلامك .. فيجب أن أعرف كل شيء قبل أن نبدأ البحث عنها ..

قال : وكان الجزء الأكبر من رسالتها هذه ، محاضرة عن المرأة في سوريا ودورها ومكتسباتها في الحياة العامة والبيت ..

ومن هذا المنطلق ، تحدثت عن نفسها : بأنها لا تخشى على نفسها من كلمة " عانس " إذا أطلقت عليها .. لأنها تعيش تناقضا داخليا بين أن تخوض تجربة زواج ناجح يرتب عليها مسؤولية أن تكون ربة بيت ناجحة ، وهذا ما يتناقض مع ثقافتها وعلمها وصحتها النفسية ، وفي نفس الوقت ، هي لا تستطيع تخيل فارس أحلامها الذي سيخلصها من حالة الكبت الاجتماعي والشخصي .. وعليه : فهي تفضل العنوسة مع العلم والثقافة ، على زواج فاشل يحطمها ويحطم أولادها وأسرتها ، أو يتركها أسيرة المنزل الزوجي ..

كما أخبرتني أنها الثالثة بين أربع أخوات .. تزوجت الكبرى من شاب لبناني وتعيش معه في صيدا ، وانخطبت الثانية لأخيه .. وبقيت هي والصغرى ندى ، التي نالت الثانوية العامة هذا العام .. واستقالت لبنى من عملها في إحدى الشركات بعد رسوبها العام الماضي في السنة الثالثة ، نتيجة انهماكها في مسؤوليات البيت ورعاية أختها ندى التي تعاني شيئا من البدانة ، أثر على نفسيتها وصارت تميل للانعزال ، واهتزت ثقتها بنفسها ، ونتج عن ذلك بعض المتاعب مع المحيط الأسري والعائلي والاجتماعي ..

لكنها تقول : إنها الآن تجاوزت أصعب مراحل الأزمة ، وصارت تبحث عن عمل من جديد بعد تحسن أحوال وظروف أختها ..

وسألتني في ختام رسالتها : برأيك ، هل الإنسان مخير أو مسيّر ؟ وأضافت : إن صديقتها وصفتني بأني مغرور ، لكن لبنى دافعت عني قائلة : بل هي الثقة بالنفس وإخفاء الجوانب الشخصية ..

بالله عليكَ يا صديقي : أتراني كما قالت لبنى ، أم كما قالت صديقتها ؟!..

قهقهت وقلت : أنا لا أراك .. لكني سأدخل إلى سراقب ..

ما رأيك بهيطلية أبي أيمن ؟ ألا تريد أن تأكل دوبل هيطلية ؟ ..

 

ـ 2 ـ

 بعد أن تجَنـَّبَت الطريقُ الدولية المرورَ في سراقب ، صار الوصول إلى محل أبو أيمن عويصا .. لكن لذة مرطباته التي يقدمها ، تستحق مغامرة الدخول إليه ، وتستحق أن يتناول الزائر صحنين منها ..

بسرعةٍ ، أنهى عصام صحنه الأول ، وأشار لأحدهم بإحضار اثنين آخرين ..

لا أعرف كيف يستطيع أن يلتهم بوظة الهيطلية سريعا ، دون أن يتصدع رأسه كما يحصل لي !!..

وضع العامل صحنا ثانيا لكل منا .. وقبل أن ينتهي عصام من صحنه الثاني ، دفعت صحني أمامه ..

نظر إلي متسائلا ، فقلت له : لا حيلة لي معه في هذا الصباح ..

أشعل سيكارته مذ ركبنا السيارة ، واستلقى إلى الوراء .. لم يكترث بتنحنحي ، ولا بمحاولتي إخراجه عن صمته .. كأنه يريد أن يشعرني باستيائه .. لا بأس ، لكن صار بي شوق لسماع بقية الرسائل ..

انتظرت انتهاء سيكارته ، فانتهت ولم يتكلم ..

لزمتُ الصمت وتشاغلتُ بسماع المذياع .. فأغمض عينيه كأنه يريد النوم ..

أطفأتُ المذياع ، وفرملتُ بقوةٍ نوعا ما ، فأدرك أني محتج على نومه ..

قال : ماذا تريد ؟

قلت : لا تنم على الأقل ..

قال : وعلى الأكثر ؟!

قلت : أكملْ كلامك .. دعنا نتسلَّ ..

قال : إذا كان كلامي لمجرد التسلية ، فيمكنني أن أسرد لك حكايات أخرى تسليك من هنا للمريخ ..

نظرت إليه كأني أعتذر ، فأشاح عني ..

قلت له : كلي آذان مصغية ..

 

اعتدل قليلا ، واستخرج من حقيبته مظروفا ، استل أوراقا منه .. تنهد ، ثم قال :

هذه رسالتها الرابعة ، مؤرخة في 23/08/1986 .. 

وقد عبرتْ فيها ـ بعد الأسف المعتاد عن التأخر في الرد ـ عن غضب إحدى صديقاتها الشديد من كتابتي عنها ، لأني وصفتها بالسطحية وبعدم تقليب الأمور ومحاكمتها بما يجب من الوعي والنضج .. ولأنها تتدخل بما لا يعنيها محاولة فرض آرائها على صديقتها ..

لكن لبنى تقول : ليزعل من يزعل أنا لن أتوقف عن مراسلتك ..

وحين قرأتُ رسالتها هذه لأول مرة ، انتابني عجب من كلام لم أرَ له مناسبة ، وجاء في الترتيب مباشرة بعد الكلام الذي سردته لك .. لذلك ، لا تعجب ـ مثلي ـ من سماعه الآن .. ستعرف مناسبته فيما بعد ..

قالت لبنى ، وبدون مقدمات :

الشاب عموما ، مسكين وضعيف ، يتخفى وراء الدين والعادات ، ثم أتى القانون لحمايته ، ولإثبات تفوقه على الفتاة التي لا يفضلها بشيء ..

بينما مجتمعنا ، مجتمع امرأة ، وليس مجتمع رجل ..

فمعظم القرارات التي تتخذ في المنزل ـ وخاصة المتعلقة بشؤون الأسرة ، والهامة منها ـ يتحرك بها لسان الرجل ، لكن المحرك الأساسي لها هو المرأة التي تكون قد أصدرت القرار ، إما من المطبخ أو من المهجع ..

وتقول : أعجبتها كتابتي عن " التقدمية " وعدّتها الأجمل في رسالتي إليها ..

ثم ، وعن مطالعاتها واهتماماتها ، أجابتني : أنا أبحث الآن عن كتاب يتحدث عن المافيا ، لأعرف شيئا عنها ، كما أني شغوفة جدا بالمواضيع السياسية والتاريخية ..

وتهتم بالقراءة كثيرا ، وتعشق المسرح ، وتجمع العملات القديمة والطوابع .. وتحب السباحة والمشي باكرا وتحت المطر ..

تجيد لعب الشطرنج .. وتلعب التنس مرتين أسبوعيا ..

توقف عصام ، واستلقى كأنه تعِبٌ من شيء ما ..

قلت له : ما هذه الصديقة يا عصام ؟! أيعقل أن تكون صادقة في كل ما تقول ؟! أي فتاة تستطيع أن تكون كل تلك الفتيات ؟! ألا ترى معي أنها سوبرمان في كل شيء ؟! كيف استطاعت أن تهتم بكل تلك الاهتمامات ؟! من المافيا إلى السياسة ، إلى المطالعة والشعر والمسرح والفلسفة والتفلسف والعملات والطوابع ، إلى الرياضة والشطرنج والتنس والسباحة إلى الدراسة والعمل والصداقة والحب ، إلى البيت ومسؤولياته وأختها ؟!

أنا لا أستطيع القيام بربع تلك الأشياء .. هل تستطيع ذلك أنت ؟! إنها تبالغ كثيرا يا عصام ، ووجدَتْ مَن يُصغي إليها ..

صاح عصام : يا أخي أنا لم أجبرْكَ على الإصغاء .. انتهينا .. قف هنا .. سأنزل وأعود إلى حلب ، وسآخذ رأيك هذا على محمل الجد : لن أذهب إلى الشام ، ولن أبحث عنها .. لو سمحتَ ، قف سأنزل ..

طبعا لم أقف ، ولم يكن سهلا " استعادة النظام " ـ كما يقال في اللغة الكومبيوترية ـ بعد ذاك التوتر ..

المهم .. تمت السيطرة على الموقف ، وتجاوزناه مع المتابعة الحثيثة مني ..

…………..

قالت مجيبة على سؤالي عن أحوال أسرتها :

وراح يقرأ : لي أخوان من أبي وأخت ، هي التي تسكن في حلب ..

أبي أكبر من أمي بثلاثين سنة ، وهو حي ، يسكن في بلد عربي آخر ..

كان يحب أمي كثيرا إلى درجة أنه تعذب بحبه لها ، وتعذبت أسرتنا كلها بعد أن كثرت مشاجراتهما ، فانهارت أمي ، ورحل أبي وأولاده ، وتركنا صغيراتٍ وحيداتٍ مع أمنا المريضة ..

أبي الآن في الثمانين ، ولم نره منذ ثماني سنوات .. ومنذ ثلاث سنوات ماتت أمي بعد سنوات من المرض واعتزال الناس ، لأنهم كانوا قساة جدا عليها كما تقول .. وكانت تحمل في قلبها من الحب والطيبة ما يكفي البشر جميعا ..

أنا الآن مشتاقة إليهما كثيرا ، وأفتقدهما كثيرا ..

وإخوتي من أبي لم نرهم منذ سنين ..

صمدنا نحن البنات الأربع ، وصبرنا ، ولم تقصّر أختنا الكبرى في رعايتنا حتى تزوجت ، فبتنا أنا والصغرى ندى ، كابنتين لأختنا الأكبر رندة ، حيث عوضتنا عن كل شيء في غياب والديْنا ..

رندة عظيمة بحق .. تتمتع بشخصية قوية وهادئة .. تصرفاتها دائما متزنة ومحسوبة ، وقدّمت تضحيات ومساعدات من أجلي لن أنساها ما حييت ..

واعتمدنا على أنفسنا في كثير من الأمور ..

هل تتصور أنني أنا ورندة قمنا بتدهين الصالون على خير ما يرام ؟؟!!

ولمَ لا ؟! كان ذلك ضروريا جدا قبل أيام من حفل خطوبتها .. 

إن أكثر ما يعذبني حاليا يا صديقي ، أن علاقتي بـ ندى ليست حميمة .. فقد ازدادت انطوائيتها بعد خطوبة رندة ، كونها متعلقة بها إلى حد كبير ، ولا أعرف كيف سأستطيع تجاوز هذه المشكلة بعد زواج رندة ..

ندى لا تثق بي كوني أكبر منها بثلاث سنوات فقط ، فهي لا تجدني أهلا لتحمل المسؤولية وحمايتها .. ولا تشعر أني مصدر عاطفي هامّ لها ، بل ترى أني أنا أحتاج لكل ذلك مثلها وأكثر ، وأن فاقد الشيء لا يعطيه ..

وما زالت حساسيتها الفائقة تعذبني وتقض علي كل أوقاتي ..

وهي في قلبي وعقلي دوما .. وحين أزور الصديقات أو الأقارب تكون معي ..

ولي صداقات من الجنسين ، وقد استطعنا اكتساب احترام الجميع وثقتهم .. وصادفت شبانا حاولوا التقرب مني ، بيد أني كنت أهرب لأن صدى كلمات رندة يتردد في عقلي ..

وقد لقبني أصدقائي وصديقاتي بـ ( الموناليزا ) ، لأنني دائما مبتسمة ، وحزن العالم يطل من عيني حسب قولهم ..

أنا لا أشعر بالفراغ أبدا ، بل على العكس تماما .. فإن الأربع والعشرين ساعة لا تكفيني لأقوم بكل ما عليّ ..

وكما قلت سابقا ، أنا أؤمن بوجود الخير في داخل كل إنسان إلى جانب الشر .. لكنني أحيانا أنصدم ، فأقرر أن أكون أنانية حسب القانون الساري في علاقاتنا الاجتماعية هذه الأيام ..

في النهاية .. ليس هناك مطلق .. وأنا لا أطلب ثوابا أو شكرا من أحد .. يكفيني أن أنام مرتاحة البال والضمير ..

لا أحب الكذب ولا أمارسه ، ولا أتقنه .. وثقة رندة بي حمّلتني مسؤوليات مضاعفة ..

بعد الثانوية العامة ، التحقتْ ندى بمعهد الآثار والمتاحف .. لكني لا أدري ماذا ستتخرج منه ، مسلّة أثرية مثلا ؟!

أخوالي يزوروننا ويساعدوننا عند المقتضى .. وقد أدركوا أننا صرنا فوق سن الوصاية ..

ذهبتُ في رحلة إلى معلولا .. وكنت سعيدة جدا لولا مصارحة أحدهم لي بحبه ، وبأنه يريد الزواج والهجرة إلى أستراليا .. هو طبيب أسنان وشقيق صديقتي ، وأنا أحبه أيضا ، لكنني قلت له : لا .. فغضب الجميع مني ، وأنا مصرّة ألا أترك ندى لتعيش في غير بيتها ( عند أخوالي مثلا ) ..

إحدى صديقاتي قالت لي : ممَّ تخافين وأنت بلا أم ولا أب ؟!

قلت : أخاف من نفسي ، وأخاف على نفسي .. وأنا لن أخون واجبي وثقة أختي رندة ولو على حساب قلبي ..

لست متشائمة إطلاقا .. ولكنني دائما أتذكر همسات الموت ، وخوفي من الشيخوخة ، وأتمنى أن أموت وأنا في قوتي ..

بعد أن استلمتُ رسالتكَ ، وجدتُ نفسي ناجحة في إحدى مواد السنة الرابعة ..

أرجو ألا أكون قد أثقلت عليك .. لكنني طامعة في رحابة صدرك ..

رسائلك صارت أكثر تداولا ، وكثر محبوك وقراؤك ومنتقدوك بعد انتشارها كالمتوالية الهندسية ، وحتى بين صديقات رندة ، وإحداهن نسختْ معظم فقراتها ..   

 

لم يلتقط أنفاسه لأن تدخينه متواصل ، ولم أعترض حين استل أوراق الرسالة التالية ، وراح يكمل بلا توقف ..

 

الرسالة الخامسة ـ 09/09/1986

 

فيما مضى ، كنت لا أقوى على الاعتذار من أحد .. لكن رندة والأيام علمتاني أن الاعتذار شجاعة لا يقوى عليها الجميع .. خاصة حين أكون على خطأ ، كما أنا عليه الآن ، فأعتذر بروح رياضية ..

وكنت لا أود أن تكون أولى كلماتي اعتذارا عن التأخر في الرد ، بما يتنافى مع حبي الشديد للدقة في التزاماتي ..

لكن ، صدقني يا صديقي ، لقد تأخرتُ في استلام رسالتك ، لغيابي عن الكلية ، وسارعت فور استلامها للرد عليك ، وأنا آسفة جدا ، وأعلم أنك ستقبل اعتذاري ، لأنكَ ـ وربي ـ رحب الصدر وواسعه ..

وأعتقد أن المقدمة في رسائلي ستكون واحدة ، وهي الاعتذار دوما ..

وبعد يا صديقي .. فآخر ما كنت أتصوره ، أن أكون كاتبة أو قاصة .. إذ سبق أن كتبت بعض الخواطر ، لكني استبقيتها لنفسي .. ولم يطلع عليها أحد ..

ولم أعد أتذكر مضمون رسالتي السابقة ، وحاولتُ أن أتذكر شيئا من سردها بعد أن قرأتُ توصيفكَ لها ، ومع ذلك ، أستبعد أن أكون " قاصة " كما قلت ..

اليوم ، حضرتُ أمسية شعرية للشاعر اليمني الكفيف " عبد الله البردوني " في المركز الثقافي ..

وقبل ذهابي للأمسية ، اشتريت ديوانا له ، وقرأته ، وقرأت ما نشرتْ عنه الصحفُ ، لكني ذهبت وحيدة إلى الأمسية بعد أن رفض الجميع الذهاب معي بذريعة " عدم معرفتهم بشعره " ..

هناك ـ يا صديقي ـ كنت سعيدة جدا جدا .. فالشاعر البردوني على درجة هائلة من الذكاء ، يصدق معه القول : كل ذي عاهة جبار .. 

فهو يحفظ جميع قصائده غيبا .. وكنت أحاول أن أسجن في ذاكرتي كل كلمة تقال ، وأحسست أني تقدمت خطوة على طريق " الشاعرية " ..

أيرضيك هذا يا صديقي ؟؟

حضر الأمسية وعقب عليها الكاتب شوقي بغدادي الذي أصر على أنه : بانتهاء الشعر العمودي ، يموت الشعر الجيد ..

أما أنا فكدت أقول له : لا يهمنا إذا كان الشعر عموديا أو غير ذلك ، لأنه في النهاية أسلوب وشكل .. المهم : هو الكلمة الصادقة التي تهزنا من الأعماق ، وتجعلنا نصحو من سباتنا ، لنرى ما يراه هذا المبدع الكفيف ..

لكنني لم أقل ذلك .. ولست بآسفة بمقدار انزعاجي من صديقتي فدوى التي أذهب إليها يوميا لمساعدتها في تعزيل وتوضيب البيت قبيل عودة أمها من السفر ، ولم تشأ أن تذهب معي إلى الأمسية ..

وصحيح أن رندة مستاءة مني لغيابي الطويل اليوم عن البيت بسبب ذلك ، وصحيح أني منزعجة من فدوى ، لكني لن أتوانى عن تقديم ما أستطيع في سبيل الصداقة .. وهذا مبدأ لا يمكن أن أحيد عنه ..

أما وقد سألتني عن حبي .. آآآآآه يا حبي .. ماذا أقول لك يا صديقي العزيز ؟؟

إنه حديث انتهى ، وليس له بقية .. سأحاول نسيانه في غمرة الأيام ، وهذا أفضل .. لأن الشاب يريد أن نتزوج بأقصى سرعة .. فمن سيبقى لـ " ندى " ؟!

على كل حال ، ربما هذه فرصة لي ، وربما يأتي غيرها ، وريما لن يأتي .. فللجحيم .. لا فرق عندي ..

فالزواج الناجح لا تتوفر عوامله حاليا .. ولا أستطيع تقبل احتمال النجاح أو الفشل فيه ..

وفي الحقيقة : أنا أخاف من الزواج ، ولا أحبه .. إن مفهومه ومجرياته يؤديان إلى القيد والعبودية .. وسأترك أمره لحينه .. أما الآن ، فلا .. ولا أريد مناقشة أو تفكيرا فيه ..

أنا أعي أن في كلامي تناقضا .. ولأني اعتدت على الوضوح ، فكيف أقول : الآن ، لا ، وأترك مجالا للغد لأقول : نعم ؟!

أهي علاقة مؤقتة تنتهي بالزواج ؟!

يريدون مني أن يبقى حبنا سرا ..

وأنا لا أستطيع أن أعيش حياة سرية لثلاث سنوات على الأقل ، بانتظار تغيّر مجموعةٍ من الظروف المعيقة ..

كما أني لا أستطيع إعلانه حاليا ..

فقلت لهم : لن أهدم ما بنيناه من ودّ وصداقة طوال هذه السنين ، من أجل عاطفة تغلب على العقل الذي أحاول أن يكون دائما مرشدي ودليلي ..

ولا تزال محاولات الشاب مستمرة ، وأنا مشفقة عليه .. لكنه سينسى .. وفي النهاية : بعض من العذاب لا بد منه لكلينا …

أنا مضطرة للعمل معلمة في مدرسة خاصة بدلا من أختي رندة .. وهو عمل رائع  وأحبه كثيرا ، لكني لا أفضّل ممارسته لأنه يسبب لي تعبا نفسيا وجسميا ، وقد سبق أن جربته في نفس المدرسة .. وأذكر أنني كنت في معظم الأحيان ، أعود إلى المنزل بلا نقود ، لأنني أشتري للأطفال الذين لا يكون معهم ساندويتش ولا نقود ..

فتعلق عليّ رندة : أصبحت عائلتنا كبيرة .. أتمنى أن ترزقي بأطفال ..

أنا ـ يا صديقي ـ شديدة الإخلاص في عملي ، فكيف الحال إذا كنت أتعامل مع أطفال أحببتهم دائما ؟!..

سأقوم بإعطاء بعض الدروس الخصوصية ، حتى أستطيع أن أحافظ على مستوى معيشتنا الجيد ، ولكي تبقى ندى مرتاحة ، متفرغة للدراسة وغير قلقة ، فلا أحرمها من شيء ، وأنا سأحاول التخرج هذا العام ..

تريدني أن أزور حلب ؟! وزيارتك ؟!..

ألا ترى معي أن طلبك صعب قليلا ، وأن زيارتك لدمشق أسهل بكثير ؟!.

ثم ، لماذا هذا الاندفاع والرغبة في رؤيتي ؟!.

اطمئن يا صديقي .. فأنا لست دميمة أبدا ..

وأرجو أن تدع لي المبادرة في طلب بعض الأشياء .. ولن أتردد في طلب أي شيء حين أجد نفسي مدفوعة لمعرفته .. فحين أرغب بلقائك ، أو برؤية صورة لك أو بمعرفة رقم هاتفك ، تأكد أنني أنا سأطلب ذلك منك .. ولن أنتظر مبادرتك .. فتلك من شأنك .. ومبادرتي أنا من شأني أنا ..

ولو بادرتَ ـ مثلا ـ بإرسال صورتك دون أن أطلبها ، فسيسعدني ذلك ، لأنك صديقي ، يا صديقي ..

وصوري تشبهني تماما .. وجهي بيضوي ، وعيناي سوداوان ، وأنفي ليس مدببا .. وبشرتي سمراء فاتحة .. وفي قامتي تناسق مقبول .. 

في الصباح ، حين أذهب للتسوق ، أرتدي الجينز وحذاء رياضيا ، وأسرع في مشيتي ، وأعقد ما بين حاجبي .. وأختلف كثيرا عنه في المساء ، حسب الوجهة والمكان والأشخاص .. لكني أعتني بمظهري أكثر .. ( نبقى إناثا ) ..

وعلى العموم ، ملابسي بسيطة فعلا ، وغالبا ما توافيني بها أختي من لبنان .. وهي تناسب ذوقي بساطة وأناقة وألوانا ..

محفظة يدي كبيرة ، وفيها الكثير من الأوراق والصور ، وزجاجة كولونيا ، وتذاكر لحافلة النقل ، وبعض المناديل الورقية ونقود حسب المتوفر ..

أنا وندى نشكرك لتهنئتها بالنجاح ..

مشكلة ندى ـ يا صديقي ـ أنها بدينة قليلا ، ولكن ، بتناسق .. ووجهها لا يخلو من الجمال والنعومة ، بل هي أحلى مني ( إذا افترضنا أنني حلوة ) .. ونجد صعوبة في اختيار ملابسها ، لعدم التناسب بين سنها وجسمها ..

لذلك ، فإن حساسيتها زائدة ، وردّ فعلها عنيف تجاه القريب ، وتلجأ للانطوائية والبكاء مع الغريب .. أحتاج لوقت طويل حتى أندمج معها .. إنني أجاهد في سبيل ذلك فعلا ، لأنها صعبة المزاج بالرغم من أنها مرحة وطيبة في حالات صفائها ..

جميع صديقاتي يقرأن رسائلك .. ولهن آراء مختلفة ..

ورندة ، تركت لي مسؤولية مراسلتي لك : وإن كانت ترى أنها قد تؤدي إلى متاعب مستقبلية ..

وأرجو ألا تطلب مني مزيدا من الشرح حول رأيها ..

يقولون : إن كلام الليل يمحوه النهار .. وبما أنني أكتب لك رسالتي ليلا ، أخشى أن تصلك بيضاء بلا كلمات .. وسيكون ممتعا أن تتخيل ماذا كنتُ سأكتبُ لك ..

أعرف أن رسالتي فوضوية كغرفتي .. لكني لن أعيد ترتيبها لأن الساعة الآن الثالثة ليلا ، وأشعر بالنعاس والإنهاك .. وعليك أن تتحملني يا صديقي العزيز .. وأرجو أن تتحلى بالصبر وتتخلى عن عصبيتك الواضحة تماما بين سطورك ..

صديقتي فدوى ترسل إليك بسلامها وتحيتها ، لكنها لا تريد الآن الكتابة إليك ، ولا تستغربْ إذا وصلتكَ رسالة منها فيما بعد .. وتقول : هي لن تدع لك مجالا للكشف عن بواطنها ..

 

رمى عصام الأوراق جانبا ، وطلب أن نقف في استراحة مناسبة ، يريد قهوة ..

قلت له : تكرم عيونك .. تستاهل أحلى قهوة ..

 

ـ 3 ـ

" رُبَّ صدفةٍ خيرٌ من ألف ميعاد " ..

كان هذا هو حالنا ، حيث بدا عصام هادئا ونحن نحتسي قهوتنا ، فيما أعاد ترتيب أوراق الرسائل ، وغاصت عيناه بين السطور كأنه يستذكرها ..

سألته : ما رأيك أن نأكل شيئا ؟

قال : أنا لا أريد ، ولا أستطيع ..

طلبت فطائرَ بالجبن وشايًا ..

قلت له : أسمِعْني شيئا مما تقرأ ..

قال : إن للقراءة طقسًا لا تتوفر شروطه في هذا المكان ..

كان يجلس قبالتي وظهره للباب الرئيسي ، حين توقفت حافلة متوسطة ، نزل منها مجموعة من الشبان والشابات ، في مرحلة عمْرية متقاربة ..

راقبتُ اجتماعا سريعا لهم قبل الدخول ، متحلقين حول ثلاثة منهم ، فيما ظل عصام سارحا بين سطور لبنى ..

أعادوا بأنفسهم ترتيب الطاولات ، فجعلوها على شكل قوس ، وجلسوا حولها ، باستثناء شاب وفتاة انفردا قربهم ..

ضجّ المكان بأصواتهم ، وترطبَ الجوُّ بالأصوات الأنثوية ذات النكهة الشآمية اللطيفة ..

وحيث جلسوا ، صار جلهم ورائي ، فاعتدلتُ لتوسيع زاوية الرؤية ، ولذنا بالصمت أنا وعصام على وقع موسيقا الضجيج الصاخبة ..

شاب وفتاتان ـ هم نفس الثلاثة الذين تحلقوا حولهم قبل الدخول ـ جالوا مستمزجين آراء الآخرين فيما يرغبون من طعام وشراب ، ثم ذهب الثلاثة إلى البوفيه وأطالوا الوقوف والأخذ والرد ..

لم ألحظ انعكاسا ذا أهمية في وجه عصام .. كأن كل شيء عادي أو أقل .. وكنت أتوقع أن يعلق بشيءٍ ما على الفتاة والشاب اللذين انزويا يغردان خارج السرب ، لكنه لم يفعل ، بل قال حين سألته عن رأيه : لكلٍّ ظروفه ..

وحين سمعنا صوتا ينادي : لبنى .. لبنى .. سقطت الأوراق من يد عصام .. ولم أكن أقل منه مفاجأة ..

تحركت عيوننا كالرادار النشط باتجاه البوفيه .. التفتتْ إحداهما إلى مصدر الصوت ، وحركت يدها بإشارة استفهام ، ثم خطت باتجاهه ..

اغتنم عصام لحظات وجودها في المدى المجدي لعينيه ، متفرسا في وجهها وقوامها وثيابها ، كأنه يحاول أن يقارن بينها وبين الأوصاف التي وردت في الرسالة ..

ومع لحظات الاكتشاف ، ازدادت ملامحه ذهولا واندهاشا .. وتمنيتُ حقا ، أن تكون هذه هي لبنى التي سنبحث عنها في الشام ..

" أ يُعقل ؟! لِمَ لا !! ..

" كنت أتساءل حذِرا ومرتابا في إمكانية تحقق صدفة بهذا الحجم والنوع .. فليس لأي منا حظ يسعفه في لحظةٍ مفصليةٍ نادرةٍ كهذه ..

" لو ، لو تحققت ، ستوفر علينا كثيرا من الوقت والجهد والعناء المرتبط بكيفية الحصول على التفاصيل التي ستقودنا إلى حيث لبنى .. فأين ستكون ؟! .. ألله تعالى وحده يعلم ..

" ولو تحققت الآن ، لسَعِدَ الجميع ، وذهِلوا بالمفاجأة ، مادامت معظم صديقاتها يعرفن كل شيء عن مراسلاتها مع عصام ..

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

إبرة في كومة قش ـ 3

كتبها y m ، في 29 فبراير 2012 الساعة: 18:58 م

 إبرة في كومة قش ـ 3

 

 قصة :  

" رُبَّ صدفةٍ خيرٌ من ألف ميعاد " ..

كان هذا هو حالنا ، حيث بدا عصام هادئا ونحن نحتسي قهوتنا ، فيما أعاد ترتيب أوراق الرسائل ، وغاصت عيناه بين السطور كأنه يستذكرها ..

سألته : ما رأيك أن نأكل شيئا ؟

قال : أنا لا أريد ، ولا أستطيع ..

طلبت فطائرَ بالجبن وشايًا ..

قلت له : أسمِعْني شيئا مما تقرأ ..

قال : إن للقراءة طقسًا لا تتوفر شروطه في هذا المكان ..

كان يجلس قبالتي وظهره للباب الرئيسي ، حين توقفت حافلة متوسطة ، نزل منها مجموعة من الشبان والشابات ، في مرحلة عمْرية متقاربة ..

راقبتُ اجتماعا سريعا لهم قبل الدخول ، متحلقين حول ثلاثة منهم ، فيما ظل عصام سارحا بين سطور لبنى ..

أعادوا بأنفسهم ترتيب الطاولات ، فجعلوها على شكل قوس ، وجلسوا حولها ، باستثناء شاب وفتاة انفردا قربهم ..

ضجّ المكان بأصواتهم ، وترطبَ الجوُّ بالأصوات الأنثوية ذات النكهة الشآمية اللطيفة ..

وحيث جلسوا ، صار جلهم ورائي ، فاعتدلتُ لتوسيع زاوية الرؤية ، ولذنا بالصمت أنا وعصام على وقع موسيقا الضجيج الصاخبة ..

شاب وفتاتان ـ هم نفس الثلاثة الذين تحلقوا حولهم قبل الدخول ـ جالوا مستمزجين آراء الآخرين فيما يرغبون من طعام وشراب ، ثم ذهب الثلاثة إلى البوفيه وأطالوا الوقوف والأخذ والرد ..

لم ألحظ انعكاسا ذا أهمية في وجه عصام .. كأن كل شيء عادي أو أقل .. وكنت أتوقع أن يعلق بشيءٍ ما على الفتاة والشاب اللذين انزويا يغردان خارج السرب ، لكنه لم يفعل ، بل قال حين سألته عن رأيه : لكلٍّ ظروفه ..

وحين سمعنا صوتا ينادي : لبنى .. لبنى .. سقطت الأوراق من يد عصام .. ولم أكن أقل منه مفاجأة ..

تحركت عيوننا كالرادار النشط باتجاه البوفيه .. التفتتْ إحداهما إلى مصدر الصوت ، وحركت يدها بإشارة استفهام ، ثم خطت باتجاهه ..

اغتنم عصام لحظات وجودها في المدى المجدي لعينيه ، متفرسا في وجهها وقوامها وثيابها ، كأنه يحاول أن يقارن بينها وبين الأوصاف التي وردت في الرسالة ..

ومع لحظات الاكتشاف ، ازدادت ملامحه ذهولا واندهاشا .. وتمنيتُ حقا ، أن تكون هذه هي لبنى التي سنبحث عنها في الشام ..

" أ يُعقل ؟! لِمَ لا !! ..

" كنت أتساءل حذِرا ومرتابا في إمكانية تحقق صدفة بهذا الحجم والنوع .. فليس لأي منا حظ يسعفه في لحظةٍ مفصليةٍ نادرةٍ كهذه ..

" لو ، لو تحققت ، ستوفر علينا كثيرا من الوقت والجهد والعناء المرتبط بكيفية الحصول على التفاصيل التي ستقودنا إلى حيث لبنى .. فأين ستكون ؟! .. ألله تعالى وحده يعلم ..

" ولو تحققت الآن ، لسَعِدَ الجميع ، وذهِلوا بالمفاجأة ، مادامت معظم صديقاتها يعرفن كل شيء عن مراسلاتها مع عصام ..

تحدثت لبنى مع الشاب الذي ناداها لدقائق ، وكأن جزءا من حديثهما يتعلق بالشخصين اللذين انزويا ، ثم عادت إلى البوفيه ..

كنت أتخيل وقع تحقق المفاجأة حين استفاق عصام مما هو فيه ، وسألني : ما رأيك أنت ؟

قلت : بمَ ؟

قال : أليست الأوصاف هنا ـ وأشار إلى الرسالة ـ متطابقة معها ؟

استجمعت قواي الذهنية مما كنت فيه ، ثم قلت : لو كان الأمر كذلك ، كان يجب أن تنتبه أنتَ لتطابقها معها قبل أن تسمع باسمها .. إن سماعك لاسمها دفعك للمقارنة ، وهذا غير كاف يا عصام ..

قال : صحيح .. وماذا لو كنا نمشي في الطريق ؟ هل كان علي أن أبحث عن تطابق أوصافها مع كلِّ من سأراهنَّ ؟! .. لكن قرينة الاسم صارت دليلا ودالـّة لا يمكن تجاوزها مع تطابق أوصافٍ ذكرتْها لبنى في رسائلها ..

ثم ، وهو يختلس النظر إليها ، قال : انظر يا أبا وائل إلى وجهها وعينيها وأنفها وشعرها وقامتها ولباسها .. إنها متطابقة .. إنها هي .. هي بشحمها ولحمها ..

قلت : ألا يمكن أن يكون ما كتبتْه عن نفسها مجرد وصف خيالي ، ليس إلا ؟!

اهتز غاضبا وصك أسنانه ، ولاذ بالصمت مرتشفا آخر ما تبقى في فنجانه .. وحين أراد وضعه على الطاولة ، سقط من يده ، فتناثرت بعض محتوياته اللزجة على الأوراق والطاولة ، والتفت الجميع صوبنا ، بينما أسرع عاملٌ ليزيل الآثار ..

تكهرب عصام أكثر .. فحمل مظروف إحدى الرسائل ، ومشى ـ يتصنع الهدوء ـ باتجاه البوفيه ..

وقف جانب لبنى منتظرا انتهاء العامل من حديثه معها ..

أقلقني تصرفه المفاجئ ..

هل سيسألها إن كانت هي صاحبة الرسالة ؟!

لكنه ما لبث أن عاد ، كمن نسي شيئا ، تاركا الظرف أمامها ..  

كان يحدثني وعيناه هناك ، مترقبا : هل ستنظر إلى الظرف ؟ هل ستقرأ الكتابة ؟ كيف سيكون رد فعلها ؟! ..

هل ستعتقد أنه نسي الظرف ، فتعيده إليه ؟! ..

لو كان الاسم المكتوب اسمها لانتفضت باتجاهنا بكل تأكيد ..

حاول أن يعطيَ فضولها فرصة أطول ليتأكد من أنها قرأت الكتابة جيدا .. وحين تأكد ، ولم تهتز من مكانها ، أسقط في يده ، ونهض باتجاه البوفيه كالمهزوم الهارب ، وهو يقول : هيا ..

هممت بالقول : ماذا لو كانت هي لبنى ، وقد عرفت الرسالة وعرفتك ، لكنها تجاهلتْ كل شيء لأسبابها الخاصة ؟!

لكني بلعت لساني ، فلم يكن عصام في وارد احتمال أكثر مما هو فيه ..

وفي السيارة ، قال معزيا نفسه : حظي ، وأعرفه ..

ثم ضحك ساخرا : كيف لي الظن بأن شيئا من هذا يمكن أن يتحقق لي بهذه السهولة ؟!

قلت : أسْمِعنا المعزوفة السادسة يا صديقي ، لعل فيها ما يهدئ روعك ..

 

 الرسالة السادسة 01/10/1986

 

قرأ عصام :

أمسكتُ القلم لأخط لك ، لكنني لم أدر ماذا سأكتب ..

نظرت حولي ، فتعلقت عيناي بلوحة على جدار غرفتي ، كتب عليها : اتق شرَّ مَن أحسنتَ إليه .. تساءلت :

كيف يمكننا اتقاءَ شر من أحسنا إليهم ؟! أيكون ذلك بدوام الإحسان إليهم أم بالحذر منهم ؟! ..

تذكرت مناسبة عيد ميلادي حين جاءتني إحدى صديقاتي بهذه اللوحة الصغيرة .. هي تعرف أني أكره هذه الأقوال وغيرها ، مثل : عصفور باليد خير من عشرة على الشجرة .. والقناعة كنز لا يفنى …  

أشعر أن هذه الأقوال وُضِعت خصيصًا لوَأدِ الطموح في نفس الإنسان ، ولجعله يبتعد عن المغامرة تحسّبا للفشل ..

بعدئذ ، انتقلت عيناي إلى صورة أمي .. أحسستُ بمشاعر متناقضة تتجاذبني تجاهها ، من حبي واشتياقي الشديدين لها ، إلى كرهي الشديد لضعفها ، وخوفي أن يصيبَني مصيرُها ..

بجانب صورة أمي رحمها الله ، عُلقت صورة شهيرة بالأبيض والأسود لجندي يُقتلُ في الحرب ، كتب في أعلاها :

لماذا ؟؟ why ??

رددتُ هذه الكلمة في أعماقي طويلا ، وحاولت إخراجها من داخلي لتصل لكل الناس ، لكنها بقيت صرخة مكتومة ..

ولطالما مثـّلتْ هذه الكلمة جزءًا من تفكيري ، حتى غدت مفتاحا لبوابات عقلي وسلوكي ..

على الجدار المقابل لسريري ، صورة قديمة للعائلة قبل الزلازل .. كانت وجوه الجميع مشرقة مبتسمة .. ابتهلت إلى الله أن تظل الابتسامة على وجوه إخوتي دائما ، حتى في أشد لحظات الحزن والكآبة ..

أما صورة ندى ، فقد ذكرتني بالموناليزا ، فابتسمت لها ، وقلت في نفسي :

كم أحب هذه الطفلة الكبيرة !!

هنا ، انتهت لحظات شرودي حين تذكرت ندى .. فقد نامت مبكرا ، وهي تشكو من ألم في يديها وقدميها ( روماتيزم ) ..

أسرعتُ إلى غرفتها .. غطيتها جيدا ، وعدت ، فوجدت ورقتي لا تزال بيضاء ..

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

إبرة في كومة قش ـ 2

كتبها y m ، في 8 فبراير 2012 الساعة: 18:27 م

 إبرة في كومة قش ـ 2

 قصة :

 بعد أن تجَنـَّبَت الطريقُ الدولية المرورَ في سراقب ، صار الوصول إلى محل أبو أيمن عويصا .. لكن لذة مرطباته التي يقدمها ، تستحق مغامرة الدخول إليه ، وتستحق أن يتناول الزائر صحنين منها ..

بسرعةٍ ، أنهى عصام صحنه الأول ، وأشار لأحدهم بإحضار اثنين آخرين ..

لا أعرف كيف يستطيع أن يلتهم بوظة الهيطلية سريعا ، دون أن يتصدع رأسه كما يحصل لي !!..

وضع العامل صحنا ثانيا لكل منا .. وقبل أن ينتهي عصام من صحنه الثاني ، دفعت صحني أمامه ..

نظر إلي متسائلا ، فقلت له : لا حيلة لي معه في هذا الصباح ..

أشعل سيكارته مذ ركبنا السيارة ، واستلقى إلى الوراء .. لم يكترث بتنحنحي ، ولا بمحاولتي إخراجه عن صمته .. كأنه يريد أن يشعرني باستيائه .. لا بأس ، لكن صار بي شوق لسماع بقية الرسائل ..

انتظرت انتهاء سيكارته ، فانتهت ولم يتكلم ..

لزمتُ الصمت وتشاغلتُ بسماع المذياع .. فأغمض عينيه كأنه يريد النوم ..

أطفأتُ المذياع ، وفرملتُ بقوةٍ نوعا ما ، فأدرك أني محتج على نومه ..

قال : ماذا تريد ؟

قلت : لا تنم على الأقل ..

قال : وعلى الأكثر ؟!

قلت : أكملْ كلامك .. دعنا نتسلَّ ..

قال : إذا كان كلامي لمجرد التسلية ، فيمكنني أن أسرد لك حكايات أخرى تسليك من هنا للمريخ ..

نظرت إليه كأني أعتذر ، فأشاح عني ..

قلت له : كلي آذان مصغية ..

 

اعتدل قليلا ، واستخرج من حقيبته مظروفا ، استل أوراقا منه .. تنهد ، ثم قال :

هذه رسالتها الرابعة ، مؤرخة في 23/08/1986 ..  

وقد عبرتْ فيها ـ بعد الأسف المعتاد عن التأخر في الرد ـ عن غضب إحدى صديقاتها الشديد من كتابتي عنها ، لأني وصفتها بالسطحية وبعدم تقليب الأمور ومحاكمتها بما يجب من الوعي والنضج .. ولأنها تتدخل بما لا يعنيها محاولة فرض آرائها على صديقتها ..

لكن لبنى تقول : ليزعل من يزعل أنا لن أتوقف عن مراسلتك ..

وحين قرأتُ رسالتها هذه لأول مرة ، انتابني عجب من كلام لم أرَ له مناسبة ، وجاء في الترتيب مباشرة بعد الكلام الذي سردته لك .. لذلك ، لا تعجب ـ مثلي ـ من سماعه الآن .. ستعرف مناسبته فيما بعد ..

قالت لبنى ، وبدون مقدمات :

الشاب عموما ، مسكين وضعيف ، يتخفى وراء الدين والعادات ، ثم أتى القانون لحمايته ، ولإثبات تفوقه على الفتاة التي لا يفضلها بشيء ..

بينما مجتمعنا ، مجتمع امرأة ، وليس مجتمع رجل ..

فمعظم القرارات التي تتخذ في المنزل ـ وخاصة المتعلقة بشؤون الأسرة ، والهامة منها ـ يتحرك بها لسان الرجل ، لكن المحرك الأساسي لها هو المرأة التي تكون قد أصدرت القرار ، إما من المطبخ أو من المهجع ..

وتقول : أعجبتها كتابتي عن " التقدمية " وعدّتها الأجمل في رسالتي إليها ..

ثم ، وعن مطالعاتها واهتماماتها ، أجابتني : أنا أبحث الآن عن كتاب يتحدث عن المافيا ، لأعرف شيئا عنها ، كما أني شغوفة جدا بالمواضيع السياسية والتاريخية ..

وتهتم بالقراءة كثيرا ، وتعشق المسرح ، وتجمع العملات القديمة والطوابع .. وتحب السباحة والمشي باكرا وتحت المطر ..

تجيد لعب الشطرنج .. وتلعب التنس مرتين أسبوعيا ..

توقف عصام ، واستلقى كأنه تعِبٌ من شيء ما ..

قلت له : ما هذه الصديقة يا عصام ؟! أيعقل أن تكون صادقة في كل ما تقول ؟! أي فتاة تستطيع أن تكون كل تلك الفتيات ؟! ألا ترى معي أنها سوبرمان في كل شيء ؟! كيف استطاعت أن تهتم بكل تلك الاهتمامات ؟! من المافيا إلى السياسة ، إلى المطالعة والشعر والمسرح والفلسفة والتفلسف والعملات والطوابع ، إلى الرياضة والشطرنج والتنس والسباحة إلى الدراسة والعمل والصداقة والحب ، إلى البيت ومسؤولياته وأختها ؟!

أنا لا أستطيع القيام بربع تلك الأشياء .. هل تستطيع ذلك أنت ؟! إنها تبالغ كثيرا يا عصام ، ووجدَتْ مَن يُصغي إليها ..

صاح عصام : يا أخي أنا لم أجبرْكَ على الإصغاء .. انتهينا .. قف هنا .. سأنزل وأعود إلى حلب ، وسآخذ رأيك هذا على محمل الجد : لن أذهب إلى الشام ، ولن أبحث عنها .. لو سمحتَ ، قف سأنزل ..

طبعا لم أقف ، ولم يكن سهلا " استعادة النظام " ـ كما يقال في اللغة الكومبيوترية ـ بعد ذاك التوتر ..

المهم .. تمت السيطرة على الموقف ، وتجاوزناه مع المتابعة الحثيثة مني ..

…………..

قالت مجيبة على سؤالي عن أحوال أسرتها :

وراح يقرأ : لي أخوان من أبي وأخت ، هي التي تسكن في حلب ..

أبي أكبر من أمي بثلاثين سنة ، وهو حي ، يسكن في بلد عربي آخر ..

كان يحب أمي كثيرا إلى درجة أنه تعذب بحبه لها ، وتعذبت أسرتنا كلها بعد أن كثرت مشاجراتهما ، فانهارت أمي ، ورحل أبي وأولاده ، وتركنا صغيراتٍ وحيداتٍ مع أمنا المريضة ..

أبي الآن في الثمانين ، ولم نره منذ ثماني سنوات .. ومنذ ثلاث سنوات ماتت أمي بعد سنوات من المرض واعتزال الناس ، لأنهم كانوا قساة جدا عليها كما تقول .. وكانت تحمل في قلبها من الحب والطيبة ما يكفي البشر جميعا ..

أنا الآن مشتاقة إليهما كثيرا ، وأفتقدهما كثيرا ..

وإخوتي من أبي لم نرهم منذ سنين ..

صمدنا نحن البنات الأربع ، وصبرنا ، ولم تقصّر أختنا الكبرى في رعايتنا حتى تزوجت ، فبتنا أنا والصغرى ندى ، كابنتين لأختنا الأكبر رندة ، حيث عوضتنا عن كل شيء في غياب والديْنا ..

رندة عظيمة بحق .. تتمتع بشخصية قوية وهادئة .. تصرفاتها دائما متزنة ومحسوبة ، وقدّمت تضحيات ومساعدات من أجلي لن أنساها ما حييت ..

واعتمدنا على أنفسنا في كثير من الأمور ..

هل تتصور أنني أنا ورندة قمنا بتدهين الصالون على خير ما يرام ؟؟!!

ولمَ لا ؟! كان ذلك ضروريا جدا قبل أيام من حفل خطوبتها ..  

إن أكثر ما يعذبني حاليا يا صديقي ، أن علاقتي بـ ندى ليست حميمة .. فقد ازدادت انطوائيتها بعد خطوبة رندة ، كونها متعلقة بها إلى حد كبير ، ولا أعرف كيف سأستطيع تجاوز هذه المشكلة بعد زواج رندة ..

ندى لا تثق بي كوني أكبر منها بثلاث سنوات فقط ، فهي لا تجدني أهلا لتحمل المسؤولية وحمايتها .. ولا تشعر أني مصدر عاطفي هامّ لها ، بل ترى أني أنا أحتاج لكل ذلك مثلها وأكثر ، وأن فاقد الشيء لا يعطيه ..

وما زالت حساسيتها الفائقة تعذبني وتقض علي كل أوقاتي ..

وهي في قلبي وعقلي دوما .. وحين أزور الصديقات أو الأقارب تكون معي ..

ولي صداقات من الجنسين ، وقد استطعنا اكتساب احترام الجميع وثقتهم .. وصادفت شبانا حاولوا التقرب مني ، بيد أني كنت أهرب لأن صدى كلمات رندة يتردد في عقلي ..

وقد لقبني أصدقائي وصديقاتي بـ ( الموناليزا ) ، لأنني دائما مبتسمة ، وحزن العالم يطل من عيني حسب قولهم ..

أنا لا أشعر بالفراغ أبدا ، بل على العكس تماما .. فإن الأربع والعشرين ساعة لا تكفيني لأقوم بكل ما عليّ ..

وكما قلت سابقا ، أنا أؤمن بوجود الخير في داخل كل إنسان إلى جانب الشر .. لكنني أحيانا أنصدم ، فأقرر أن أكون أنانية حسب القانون الساري في علاقاتنا الاجتماعية هذه الأيام ..

في النهاية .. ليس هناك مطلق .. وأنا لا أطلب ثوابا أو شكرا من أحد .. يكفيني أن أنام مرتاحة البال والضمير ..

لا أحب الكذب ولا أمارسه ، ولا أتقنه .. وثقة رندة بي حمّلتني مسؤوليات مضاعفة ..

بعد الثانوية العامة ، التحقتْ ندى بمعهد الآثار والمتاحف .. لكني لا أدري ماذا ستتخرج منه ، مسلّة أثرية مثلا ؟!

أخوالي يزوروننا ويساعدوننا عند المقتضى .. وقد أدركوا أننا صرنا فوق سن الوصاية ..

ذهبتُ في رحلة إلى معلولا .. وكنت سعيدة جدا لولا مصارحة أحدهم لي بحبه ، وبأنه يريد الزواج والهجرة إلى أستراليا .. هو طبيب أسنان وشقيق صديقتي ، وأنا أحبه أيضا ، لكنني قلت له : لا .. فغضب الجميع مني ، وأنا مصرّة ألا أترك ندى لتعيش في غير بيتها ( عند أخوالي مثلا ) ..

إحدى صديقاتي قالت لي : ممَّ تخافين وأنت بلا أم ولا أب ؟!

قلت : أخاف من نفسي ، وأخاف على نفسي .. وأنا لن أخون واجبي وثقة أختي رندة ولو على حساب قلبي ..

لست متشائمة إطلاقا .. ولكنني دائما أتذكر همسات الموت ، وخوفي من الشيخوخة ، وأتمنى أن أموت وأنا في قوتي ..

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

إبرة في كومة قش ـ 1

كتبها y m ، في 3 فبراير 2012 الساعة: 11:57 ص

 إبرة في كومة قش ـ 1

 

قصة : 


 كان إلحاح عصام ، وطلبه أن يسافر معي إلى دمشق ، سببا رئيسيا ، جعلني أسافر بسيارتي ، قاطعا مسافة طويلة في الذهاب والإياب .. وكان من الممكن أن أوفر ذاك العناء ، لو سافرنا بالقطار أو بالحافلة ، أو بالطائرة ، حتى ..

فليس لي من العمل الكثير في دمشق ، وتكفيني سويعات أقضيها في اجتماع عمل قبل الظهر ، وسأعود بعدها فورا ..

وقد أفضى لي عصام ، بأنه يريد أن نسافر بسيارتي ، كي تساعدنا على البحث عن " لبنى " ..

سألته : من تكون لبنى هذه يا عصام ؟

لم يجبني وقتها عن سؤالي ، لكنه قال : سيكون لنا متسع من الوقت ونحن في الطريق ، وسأحكي لك بالتفصيل الممل ..

قلت : لا أريد مفاجآت يا عصام .. خبرني شيئا الآن ..

 

قال : انقطعت أخبارها عني بعد عاشر رسالة منها .. ولا أعرف سوى اسمها ونسبتها وعنوان المراسلة ..

وبعد أن قرأ ملامح وجهي ، أضاف : أتكفي هذه المعلومات للسؤال عنها في الجامعة ؟؟ أو ، لعلنا نتمكن من الحصول على عنوان سكنها من ملفها الشخصي في شؤون الطلاب ..

قلت وأنا أستدير عنه : لأن دمشق أكبر من قريتنا بقليل ، فإننا ـ وبسهولة فائقة ـ نستطيع أن نعثر على الإبرة في كومة القش الكبرى !!

استاء من سخريتي ، وأرغى وأزبد ، وغادر المكان ..

ولم أرغب في مزيد من استفزازه ، لكني ـ أمام حماسه واهتمامه وعصبيته ـ لم أضع العصي في عجلات المركبة ، كي لا يتهمني سلفا بتسفيه آرائه ، أو الاستخفاف بمشاعره ، للتهرب وتجنب مساعدته ..

وكنت حريصا أن أستمع منه لدواعي اهتمامه بـ " لبنى " ، مادام ليس بينهما سوى المراسلات البريدية .. وهو لم يحدثني عنها مسبقا على غير المألوف بيننا ..

ضحكت في سري وأنا أتذكر قول بشار بن برد ، الشاعر الكفيف :

" والأذن تعشق قبل العين أحيانا " ..

ومنذ أن ركبنا طريق الشام ، لم يكن يفعل شيئا سوى التدخين ، والاسترخاء على كرسيه إلى الوراء ، واستحضار حواراته معها ، كأنه في عيادة طبيب نفسي ..

وقد أذهلني بمقدرته على التسلسل السردي واستعراض الأحداث ، وإن كان يستعين أحيانا بقراءة مقاطع محددة من الرسائل ، حين يريد أن يكون دقيقا في إيصال الفكرة إلي .. وكأنه يوثق شيئا ما للتاريخ ..

في الحقيقة ، أسعدني ذلك ، وإن وجدتُ في طريقته شيئا من المبالغة في الاحتراس والتوثيق .. فالأمر بالنسبة لي واطئ السقف ، كون الحكاية مسدودة الأفق حتى الآن ، ولا أريد أن تكون أكثر من مجرد حكاية نتسلى بها ونحن في الطريق إلى الشام ..

وطالما سافرنا كثيرا معا .. وقطعنا مسافات ومسافات .. لكني لم أره على هذه الهيئة من الترقب والقلق والحيرة ، حتى كدت أتركه في إحدى استراحات الطريق وأمضي لشأني ..

فهو في كلامه عنها ، يوحي لك وكأنهما ( شرَقـَا صحن الزليطة معًا ) كما يقولون .. لكن الوقائع التي سمعتها تنفي ذلك .. وهيهات !! ..

 …………

 

قال عصام بعد أن اتخذ وضعيته المناسبة على المقعد بجانبي :

خذ مني ما سأرويه ، ولك أن تفعل به ما تشاء .. لكن ، وبالنتيجة : أريد أن أجد لبنى اليوم .. فأنا أعرف نواياك ، وجهدك في البحث عن سيناريوهات حياتية ، تجعل منها أساسا للتندر والقص .. ولك علي ألا أخفي عنك شيئا ، لا من الخوافي ولا من القوادم ..

صمتَ قليلا كأنه غصّ بدخان سيكارته ، ثم اعتدل ، وقال :

رغم أني لم أكن أنتظر وصول رسالة لي من أحد ، لكن سعادتي كانت كبيرة جدا بالرسالة الأولى التي وجدتها في صندوق بريدي الجديد ، ولم ينتقص من فرحتي أنها ليست موجهة لي ، وبدا ـ فيما بعد ـ أن مرسلتها " لبنى " لا تعلم بتخلي أختها عن صندوقها منذ فترة .. وهنا بداية حكايتي معها ..

أخذتُ الرسالة مدفوعا بفضول ساذج لقراءتها .. كانت عادية ، من أخت لأختها ، تطمئنها وتطمئن عنها .. ثم أعدت إرسالها إلى عنوان المرسِلة : كلية الاقتصاد والتجارة في جامعة دمشق ، معتذرا لصاحبتها عن قراءتي لها ..

 فأرسلتْ لي بتاريخ 13/06/1986 ، شاكرة صنيعي ، ومعتذرة عن جهلها بتخلي أختها عن الصندوق ..

وفي التفاتةٍ لبقةٍ منها ، ولكي تخفف عني عبء فضولي ، قالت : إنها في حالة مشابهة ، كانت ستفعل بالرسالة مثلما فعلت أنا .. وعلقتْ على عبارتي : ( كوننا شرقيين ) ، التي سوغتُ بها فضولي ، مستنكرة لصق تـُهَمِنا بالشرق ، وألا نجعل شرقيتنا مسوِّغا لتصرفاتنا الخارجة عن إرادتنا ، كالفضول مثلا ..

وقالت : إن العلم والعقل كفيلان بمساعدتنا على محاكمة مشاكلنا محاكمة عقلية ، ومحاولة حلها ، وبالتالي التغلب على ظروفنا الاجتماعية القاسية ، وإلا ، فالنسيان عزاؤنا ، لا الخضوع والاستسلام ..

في الحقيقة ، لم أكن أتوقع ردا كهذا ، بل ، لم أكن أتوقع ردا على الإطلاق .. أما أن يأتيني مثل هذا الرد الدسم ، فذاك ما دفعني للكتابة إليها من جديد ، لشعوري أنها حشرتني بين المطرقة والسندان ، وهو مكان لا يعجبني ، ولا أحسد نفسي عليه ..

 

ووصلتني رسالتها الثانية مؤرخة في 12/07/1986 ..

وقالت : إنها قررت الكتابة إلي ، رغم اعتراض صديقاتها ، لأنها وجدت مني تشجيعا غير مباشر لاستمرار تبادل الرسائل ، ولم تذكر لي شيئا عن اعتراضات صديقاتها .. ( لكني سألتها عن ذلك فيما بعد ، في ردي عليها ) ..

وأضافت شارحة سبب قرارها بمراسلتي قائلة : من الممتع بالنسبة لها أن تكتب ما يجول في خاطرها وتناقشه مع رجل على درجة من كذا وكذا وكذا والاحترام ..

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

هَيْبة الغياب

كتبها y m ، في 28 يناير 2012 الساعة: 11:16 ص

 هَيْبة الغياب 

 

 لعل أغلب الكتابات والتعليقات التي وقعت عليها هنا وهناك ، تتفق على ضرورة وأهمية تكريم المبدعين في حياتهم ، وليس بعد رحيلهم ، كون تكريم المبدع قبل رحيله ، يعني اعترافا صريحا من المجتمع بأهمية مساهماته وإبداعه ، ويمنحه مزيدا من الإصرار على التجلي والعطاء ، ويُشعره بأنه ساهم في وضع لبنة في الصرح ..

وهذا ـ ربما ـ أغلى ما يناله المُكرَّمون الأحياء من مجتمعهم ..

ومن حيث المبدأ ، أنا من دعاة ومؤيدي ذاك الرأي ..

( لكن الخشية أن يقوم المبدع بالتكويع بعد تكريمه ، كما حصل مع توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ، مثلا ) ..

 

وهنا سأناقشه من زاوية أخرى ، وتحديدا ، فيما يختص بـ ( شخصية المكرَّم في الكتابات التكريمية ) ..

 

لا شك أن لتكريم المبدعين آثارا هامة ، حين يُكرَّم المبدع وهو في أوج حياته وعطائه ..

فذاك له متعته وأهدافه الإنسانية النبيلة المطبوعة بالتقدير الرسمي والاجتماعي والثقافي ، من جهة ، وله نتائجه الإيجابية على المكرَّمين وأحوالهم بمختلف وجوهها ، من جهة ثانية .. 

 

وبعيدا عن تلك الآثار ، فإنه إذا حضرنا حفل تكريم مبدع على قيد الحياة ، لوجدنا حفل التكريم كـ "حفل التأبين " ..

إذ تتخذ الكلمات طابع " الرثاء المسبق " الذي يستدر دموع المستمعين ، لكثرة ما يُدعى له بدوام الصحة وطول العمر ، حتى تتكأكأ الآهات والأوجاع ، فيشعر المُكرَّم بدنو الأجل ، وبأنه " قاب قوسين أو أدنى " من حافة قبره ..

ونراه يعبر عن سعادته بقوله : " لو مت الآن سأكون مرتاحا بعد تكريمكم هذا " ..

 

وإذا كان المكرَّم راحلا ، صار حفل التكريم أقرب إلى احتفالية تحوّل المكرّم إلى شخصية أخرى لا يعرفها أقرانه ولا أصحابه ولا أهله ..

 

ويمكن وصف بعض كلمات التكريم عامة ، بأنها موضوعية ، لكنها لا تخلو من التحيز الشخصي أو العاطفي ، فيما بعضها الآخر ، يكون ذا طابع شخصي أو عاطفي ، لكنه أيضا ، ليس بعي

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

حلب ـ مطارحات العشاق

كتبها y m ، في 19 يناير 2012 الساعة: 20:32 م

 حلب ـ مطارحات العشاق  

 

 كتبتْ لي صديقة عزيزة ، تصبّحُ عليَّ بصباح ، تعرف أني أتشهّاه : 


( صباح الخير ، وصباح جميل من حلب .. كيف حالك ؟

كنت أقرأ للأستاذ وليد إخلاصي ، فوجدت له كلمات يتحدث فيها عن حلب ، أحببت أن أشاركك إياها .. يقول :

" كلما اقتربت منها اشتقت إليها ، أفارقها لكنها لا تفارقني ، وإذ أعود إليها أحبها أكثر ..

وكلما عرفتها أكثر وأكثر ، تبين لي ، أن جهلي بمن أحب يدفعني إلى اكتشافها من جديد ..

والكشف كالفراق .. فيهما ألم ممتع ، ومتعة ليس لها حدود " ..

أدامكِ الله يا حلب ، أدامك رمزاً تاريخيا عظيما بأبنائه وبحضارته ..

تحيتي إليكَ من حلب وصباحك سعيد دائما ) .. 

 

كتبت رادًّا :


يا صباحووو ..

 

في البدء : " كلما " الأستاذ وليد إخلاصي ، ذكرتني بـ " كلما " الشاعر محمود درويش :

( كلما مرّتْ خطايَ على طريق ،

فرّتِ الطرقُ البعيدة والقريبة

كلما آخَيْتُ عاصمة ،

رَمَتـْنِي بالحقيبة ) ..

وبعد ..

كلما اقتربتُ منها ازددتُ عشقا لها .. نعم ..

أفارقها على كرهٍ مني .. ولم تفارقني أبداااا .. نعم ..

أحببتها ، وأحبها ، وأحب من يحبها ، ولن يهدأ حبي ، ولن يمل ، ولن يتقاعد .. نعم ..

لكني أخشى ـ بعد طول الفراق ـ أن تتزيا بما لا يناسب عشقنا ، ولا يحلو به سَهَرُ وسَمَرُ العشاق .. 

أخشى أن تغيّر جلدها ولون عينيها ، وتستعير شَعرا وجدائل ، وتتزين بمساحيق مزيفةٍ ، تشوِّهُ بها خلقتها الربانية البديعة ..

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الرأس .. الشوندرة .. قصة قصيرة

كتبها y m ، في 17 يناير 2012 الساعة: 18:16 م

 الرأس .. الشوندرة ..

 

 قف .. جاء صوت صلب : لِمَ تمشي على قدميك ؟!

قلت : لأني لا أستطيع أن أمشي على رأسي ..

قال بغضب : ولِمَ المشي ؟

قلت ببرود : لا أملك جوادا .. ثم ، ألا تراني أعزل إلا من سروالي المدمى ؟

ـ ألم تسمع بالأمر الذي ينهى عن الفحشاء والمنكر والمشي ؟!

قلت بغيظ مكتوم : يسرني لو تمشي على أربعتك وأمتطي ظهرك ..

ـ ووقح أيضا يا ابن الثعالب !!

كزّ على فكيه وهو يهز رأسه ، ثم أومأ إلى رجل بجانبه ، فناوله لفافة ، فتحها ، ودفعها في وجهي : اقرأ ..

قلت : نسيت الأبجدية بعدما علموني طريقة جديدة للتناسل البشري ..

كـأن كفَّ عفريتٍ صفعَتْ وجهي ..

بصقتُ بعضَ أسناني ..

قال : تتحداني أيها الأرنب ؟!

قلت : إني عاجز حتى عن ذبِّ الذباب عن قفاي ..

تجاهل كلامي ، والتفت إلى الآخر :

أسرعْ إلى مولانا ، وأبلغه ببوادر التمرد التي نلمسها في رعيته ، ولا تعدْ إلا بأمر مبرم .. ثم أشار إلى رقبتي ..

ارتفعت يدي تلقائيا تتحسس موضع إشارته .. هزتني ضحكة سرية ، لعنتُ فيها ما لعنت ، أو ، هكذا خُيِّلَ إلي .. لكن اللكمات قطعت الشك باليقين ، حتى صار رأسي مفلطحا كضفدع نهري خامل ..

 

2

 

في قضية هامة ومصيرية كهذه ، ليس ثمة تأخير أو تعقيد في الإجراءات القانونية والدستورية ..

فاستصدروا أمرا يقضي بتقسيم رأسي إلى أربعة أقسام ، كشوندرة مسلوقة ، على أن يُرمى كل جزء في أحد اتجاهات الأرض ، وتترك جثتي للكلاب الضالة المسعورة ..

ضجَّ مجلس الأعيان لهذا التنكيل البشع ، الذي تأباه مواثيق حقوق الإنسان ، وعدّوا ذلك انتهاكا سافرا يجب أم يُحال إلى محكمة العدل الدولية .. لكن أمرا آخر صدر ، فحلّ المشكلة ، وقضى بتقسيم رأسي إلى قسميْن فقط ..

عندئذ ، هللت الحكومة والوجهاء ومجلس الأعيان ، وأرسِلت برقيات تأييد وتبريك ، إلا أن الأمر السامي كان غامضا ككل التشريعات التي يلزمها مذكرات تفسيرية توضيحية ، لأنه لم يُشرْ إلى طريقة التقسيم وشكلها ، فسَرَتْ تكهنات مفادها : أن للسياف حرية انتقاء شكل التقسيم المناسب ، طولانيا ، أو عرضانيا ، أو مائلا ..

وصدر أمر لاحق ، يقضي بتعطيل الدوائر والمؤسسات وجهات الدولة كافة يوم تنفيذ الحكم ، حيث سيحضره المسؤولون والشخصيات الوطنية ، كما سيدعى إليه بعض الضيوف من الدول الشقيقة والصديقة ، ممن يرى المسؤولون ضرورة حضورهم ، تنفيذا لمعاهدات المعاملة بالمثل ..

وستتولى وسائل الإعلام كلها ، بث الوقائع مباشرة على كافة الأقنية العاملة ، إلى بقاع العالم المتخلفة تحديدا ، كي يستفيدوا من خبراتنا وتجاربنا ..

وللحقيقة ، لم أرَ أكثر منهم دقة وانضباطا في مواقيتهم ، والتزامهم الشديد بها .. إذ انتظم الحفل في الموعد المضروب بلا تقديم ولا تأخير ولا اضطراب ..

صُمَّت الآذان بالنشيد الوطني ، ثم بنشيد العدالة ، الذي وُضَع خصيصا لهذه المناسبة ..

ثم قدِّمَت برامج وفقرات فنية منوعة ، ومسابقات تحفيزية ، وسالت أنهار المشروبات ، وتلوّت القامات الرشيقة والكروش المنتفخة على وقع الأنغام الصاخبة والهادئة ..

وعُطّر المكان بأريج الياسمين ..

 

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

الحلاق

كتبها y m ، في 15 يناير 2012 الساعة: 18:20 م

 الحلاق

 

( ما كنت راغبا في نشر هذه القصة ، لولا بقية من ذكرى ماثلة لدى بعض من حضروا إلقاءها في حينه .. فلهم التحية . ) ..

 

قد لا يتصور أحد منكم كم جهدت حتى اهتديت إلى هذا الحلاق ، الذي دأب على قص شعري منذ دخلت دكانه للمرة الأولى قبل سنين ..

ولا بد من أن يخطر ببالكم سؤال : من قصّ لكَ شعرك قبله ؟

في الواقع ، يحق لكم أن تتساءلوا .. لكني ، وقبل أن أجيب ، أحب أن أؤكد لكم أنني لست مسؤولا عن هذه العملية بقدر مسؤولية حلاقي الأول ، ذاك الذي كانت دكانه قريبة من بيتنا ، وفيها كرسي وحيد ، وكنت تعرفت عليه عندما كان أجيرا في دكان أوسع وأكبر وأفضل من دكانه هذه ، وهي أقرب لبيتنا أيضا ..

ثم ، وكما قال : مَنَّ الله عليه ، فاكتراها ووضع فيها مستلزمات المصلحة وأدواتها ..

ولأن " حج غسان " بارع في فن الحلاقة " الشبابية " ، فقد انتقل إليه معظم زبائن معلمه .. وبالطبع ، كنت واحدا من هؤلاء ، وعلاقتي به مميزة عن زبائنه الآخرين ..

فثمة أمور مشتركة كثيرة بيننا ، تشدني لدكانه ، لنتبادل الأحاديث ريثما يأتي دوري .. وأحيانا أزوره قبل أن يطول شعري ، فيعرف أنني قادم لأسمع حكاياته وقصصه الجديدة ..

كانت يداه تحركان المقص والمشط ببهلوانية فريدة ، تذكـّر بالسّوّاس الذي يرقـّص طاسات السوس بين يديه وفي الهواء ..

أما حديثه الدائم والمتصل والمتجدد ، فهو عن جلسات السحر والسحرة والأحجبة وشيوخ الصنعة ومريديهم وتابعيهم ، مرورا بالأبخرة المستعملة في تلك الجلسات ، وأنواعها ومصادرها الهندية واليمنية والحجازية والمغربية …

إضافة إلى طرق وأوقات استعمالها وفوائدها ، وما يتصل منها بالحالات الخاصة التي رآها أو سمع عنها ، وغالبا ما تكون ذات منشأ أنثوي ماجن ، رغم كونه حاجّا للديار المقدسة منذ أن كان في الثانية والعشرين ..

وقد زار تلك الديار ـ كما أفصح لي هامسا ـ بغية الاجتماع بسَحَرةٍ من الهند والمغرب ليتتلمذ عليهم ..

ولا أكتمكم سرًّا ، أني كنت أوقّـّت زيارتي له بين صلاتي الظهر والعصر ، حيث يندر وجود الزبائن ، فنأخذ راحتنا بالحديث ، وتطول مدة حلاقة شعري أكثر من ساعة ، فيما لا تتجاوز ربع هذه المدة في أوقات أخرى ..

وقد اصطحبني مرة إلى بيت أحد شيوخه في حي المغاير ، حيث تركت أعمال فتح الشارع الجديد من بيته غرفة واحدة .. وكان الغبار الأبيض يغلف كل الأشياء والمخلوقات الأخرى ، وبدا الشيخ هيكلا عظميا مرعبا ، كمن خرج للتو من قبره ، وجلس بين أكوام من القمامة الرثة .. وكان حج غسان يضع فمه في أذنه ليسمعه ، وبمبادرة لم أطلبها ، طلب من الشيخ ـ بإجلال واحترام كبيرين ـ أن يكتب لي حجابا " لأغدو وجيها أينما ذهبت ، وليساعدني على قضاء حاجات الناس " .. ودون أن يلتفت إلي ، مد حج غسان يده تحت الوسادة ، فأخذ قلما وبقية من دفتر ، وبدأ بكتابة ما يمليه شيخه عليه ..

 

وطيلة السنوات الست التي ترددت خلالها على دكانه ، كان حج غسان دائم الكلام عن طموحات تفوق حجمه وإمكانياته ، لأنه يرى أن : المشط والمقص لا يطعمان إلا الخبز الحاف .. لذا فهو بصدد اختراع نوع جديد من العطور ، وسيسجله كماركة يحظر تقليدها ، وسيبيعها في الجملة بليرتين كاملتين ، مما سيحقق له ربحا وفيرا .. وسيعتمد في توزيعها على وكلاء في جميع المحافظات ..

وحين نظر في وجهي قائلا : نعيما ، رأى ضحكتي الساخرة وأن

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

المجند خَلـَف حمدي ـ قصة ليست قصيرة

كتبها y m ، في 11 ديسمبر 2011 الساعة: 16:23 م

 المجند خَلـَف حمدي

 

 تعتلي الشمس كبد الأفق الشرقي ، تستحم بالندى ، وبهمسات العصافير ، التي تطغى عليها أصوات السيارات المسرعة ..

ثمة مارة ، عمال وفلاحون وتلاميذ وعسكريون ونسوة ..

يلفظني " باص المبيت " المزدحم .. تتلقاني نسمات ضبابية ، أقشعر ، وأتفل باتجاه الريح ، ثم أتهيأ لقطع ثلاثة كيلومترات مشيا ، في طريق كان ترابيا ، فطار التراب ، وبقيت الأحجار ، بنتوءاتها الحادة ومسنناتها ، تفري أقسى النعال ..

الكل متجه جنوبا ، ووحدي أتجه شمالا .. أسير ببطء في البداية ، لعل سيارة عابرة ، أو دراجة نارية ، توفر عليّ ساعة من المشي المضني ..

وعندما أجتاز جلّ المسافة ، يكون المشي البطيء قد نال مني ، فأحث خطاي حتى إذا ما لحقت بي سيارة أو دراجة أرفض إكمال الطريق بها ، " احتجاجا على حظي العاثر " ..

كنت أقطع المشوار مرتين أو ثلاثا أسبوعيا ، حسب رضا النقيب محمد جميل عني .. وإلا ، فالإقامة في الخيمة ثلاث ليال ، والمغادرة عقب دوام اليوم الرابع ..

فإذا كان راضيا ، يسمح لأحدهم أن يوصلني على دراجته للطريق العام ، أو تحملني إليه سيارة الطعام إذا تصادفنا ..

وحين يغادر النقيب في إجازة ، أبقى أنا وزميلي الملازم محمد هندي ، فنتبادل المبيت يوما بيوم خلافا للتعليمات ، مغامرين بما يمكن أن يحصل ، أو بأن يتفقدنا الضابط القيادي المناوب ، أو قائد الفوج نفسه ..

لذلك ، فإن هذه الهواجس تأكلني طيلة الطريق ، ولا أتحلل منها إلا بعد وصولي للمربض ، فيكون وقوع الشر ـ لا سمح الله ـ أهون من انتظاره ..

ويظل مشهد التلاميذ الذاهبين إلى مدارسهم خير عزاء لي .. فهم يسيرون جماعات ، منتشرين في عرض الطريق .. فإذا شاهدوني ، يتصنع أحدهم الوقوف باستعداد ، منتصبا مشدودا يكاد يقع خلفا ، ويكتسي وجهُه بملامحَ جادةٍ ، تخفي تحتها ظلالَ ابتسامةٍ بريئةٍ .. وإذ أردُّ له التحية ، يطير إلى أقرانه : أرأيتم كيف ردَّ التحية ؟ ألم أقل لكم لن يضربني؟! .

وثمة تلميذة تمشي مع أخيها ، تلتهب وجنتاها وهي تنطق بأحرف بالكاد أسمعها ، حين قالت لي أول مرة : صباح الخير يا آنسة ..

ضحكت من قلبي ، بينما يحاول أخوها أن يصحح لها ..

ومن بعيد ، كنت أعرف التلميذ الذي سيبادرني بالتحية ، لأنه ينتحي من بين زملائه بعد أن يتهامس معهم ، وكأنه يأخذ تفويضا منهم بذلك ، ثم يسوّي سيدارته ويشد مشيته وقامته ، ناقلا المحفظة من يمناه إذا كانت فيها ، وقد يؤدي التحية باليسرى أحيانا …

 

 1 ـ

 

عِربيد ، قرية صغيرة كأنها امرأة جاثمة في المخاض ..

أغادرها وأعود إليها ، فأجد الهواء جامدا في مكانه لا يتزحزح ..

تقع غرب الطريق الترابي ، إلا بعض بيوتها ، ودكان " أبو الشيخ " شرق الطريق ..

وهنا السوق الكبرى للمنطقة وللعسكر ، وهو بيت عائلة " أبو الشيخ " ، ينامون داخله شتاء ، وأمام بابه وحوله صيفا ..

ويقصدهم في الليل أهالي القرية وبعض الجنود ، يقضون السهرة على ضوء مصباح كهربائي خافت ، منصتين ، ومنشدّين بأبصارهم إلى شاشة تلفاز بحجم أربع عشرة بوصة ، يتماوج ويتمازج عليها لوناها الكالحان ، فيما تشكل سحب دخان سجائرهم ضبابا يحرق العيون والصدور ..

وبين الدكان ومربض السرية بضع مئات من الأمتار ، فيبدو مسترها الترابي واضحا ، ووراءه عامل النظارة المناوب ، وقد ترك الفضاء وسدّدَ منظارَه باتجاهي ، وهو يلوّح حتى أرد عليه ..

والنظارة هذه ، كعصا موسى عليه السلام .. لها أكثر من وظيفة ، وليس أهمها تفتيش الفضاء عن " أهداف معادية " ، لأن هذه الطريقة أكل الدهر عليها وشرب ، ولم تعد مجدية أبدا ..

لكن الوظيفة الأهم لها : التعرف على القادمين إلى السرية ..

فإذا كان القادم قائد الفوج أو رئيس أركانه ، سرت داخل المربض حركة غير اعتيادية تأهبا وتحضيرا ، ونضطرب نحن إذا لم يكن قائد السرية موجودا ، وكان ثمة نقص غير مشروع في عدد العناصر ، ولم نقم بالتبليغ عنه مسبقا .. وكثيرا ما كان يحصل ذلك ..

 

حين وصلتُ المربض ، حيّاني الحَرَس ، وقال :

الحمد لله على السلامة .. وهمس وهو يتبعني : استعذ بالله من الشيطان قبل دخولك يا سيدي ..

استدرتُ إليه غير عابئ ، وقلت : أعوذ بالله منك ..

ألِفَ العساكر مني مثل ذلك ، لكن إلحاحه جعلني أتوقف لأسمعَه ، قال جادّا :

الله يوفقك يا سيدي أنا لا أمزح .. الأرض مسكونة ..

قلت ساخرا من اهتمامه الشديد : طبعا مسكونة .. ألسنا ساكنيها؟! .

تمتم مستعيذا ، وقال بخوف : الأرض مسكونة بهم ، وأشار إلى الأرض ..

لم أكترث .. هززت برأسي ، ومضيت إلى الحفرة ـ الخيمة ..

وكعادته الملازم محمد ، يبادرني بأهم الأحداث قبل أن يسلم علي .. قال من خلال ضحكته الناعمة فعلا :

كانت ليلة الأمس ليلة ليلاء ..

وحين تصافحنا ، بدا لي وجهُه النحيفُ أشدَّ نحافة ، وبدت لحيته سوداء وأطول من المعتاد .. ثم تابع :

أما سمعتَ عن الجن الذين ظهروا الليلة الماضية في السرية ؟! ..

استلقيت على سريري منهكا ، وقلت :

لا أعتقد .. فهم يقيمون بيننا ، وليست بهم حاجة للظهور ليلا فقط ..

بيني وبين نفسي ، تذكرت كلاما من الملازم أحمد الذي سُرِّح قبل مدة ، حين قال لي : إن العساكر نقلوا إليَّ كثيرًا من حَكايا الجن الذين ظهروا على الحراس في الليل ، ليدبّوا الرعبَ في قلبي ، كي لا أتفقدهم أثناء نوبات حراستهم ..

أما الملازم محمد ، فقد كرّر ضحكته الناعمة الهادئة ، واتجه إلى باب الخيمة ، وقال قبل أن يغادر : اسأل خلف حمدي .. هو سيروي لك كل شيء بالتفصيل الممل ..

 

تضاريس خلف حمدي :

 

قوي كثور فتي .. خشن البنية والملامح .. سمرته داكنة .. كثيف الشعر .. مطيع دوما ، وانضباطي بالطبع .. مظهره الخارجي ينم عن هدوء واتزان .. لكنه سطحي التفكير إلى درجة السذاجة . أخفق أكثر من مرة في امتحان الشهادة الإعدادية .. ينتمي إلى البادية الشرقية الشمالية ، ولهجته أصلية مطبوعة بطابع بيئته ..

عَدّاء ، ورياضي ممتاز ، ونموذجي في أداء التمرينات الرياضية حسب أصولها .. لذا ، فهو المكلف بالذهاب يوميا صباحا إلى " جديدة عربيد " ، حاملا كيس بقايا الخبز الفائض عن الاستهلاك اليومي في السرية ، ليبادله بكمية من الحليب ، نتناولها مع وجبة الفطور ..

 

كنت الضابط المناوب الوحيد في السرية ..  

سقف الخيمة يرشح لهيبا لاسعا ..

تناولت طعام الغداء ، ثم حملت النرجيلة ولذت بظل خيمة مفتوحة على كل الجهات ..

تهب نسمات حارة تحرك الغبار والأتربة ، فيما يلتمع السراب حولنا ، فيبدو بحرا من ماء هائج .. قلت :

ـ هات حدّثني يا خلف ..

ترك الأواني التي كان يغسلها ، وهُرع إلي : حاضر سيدي ..

تلفت حوله ، ثم دنا مستظلا بالخيمة ، وقال :

أيقظني " عريف الحرس جنيد " .. كانت نوبتي من الواحدة ليلا حتى الثالثة ، هناك في المحرس الثالث ، ( وأشار بيده إلى الجهة الشرقية الشمالية من السرية ) ..

استلمت البارودة والجعبة من الحرس النازل ، وتجولت بين الحاسب والرادار وقائس المسافات ، ثم التجأت إلى عربة الحاسب لأشعل سيكارة ، فأحسست بحجر يصيبني في ساقي الأيسر .. التفت إلى مصدرها محترسا ، لكني كنت موقنا أن أحد زملائي قد جافاه النوم ، فخرج يشاغلني ، لنتسلى معا .. واختلف الأمر كثيرا حين لمحت خيالا يعتلي مستر السرية ، ثم يعبره داخلا باتجاهي ..

صَمَتَ .. تنفس بعمق ، ونقل عينيه من زجاجة النرجيلة إلى الأفق الغربي كأنه يستعيد لحظات الرعب التي انتابته ..

كنت أتابع ملامح وجهه وتغير لونه ، والرهبة التي شعت من عينيه ..

ناداني عامل المقسم لأرد على مكالمة من الضابط القائد المناوب ، أجبته على تساؤلاته ، وعدت ..

خلف ، كأنه أحد أعمدة الخيمة .. لم يتحرك ..

تابع كلامه وكأن شيئا لم يكن : كان القمر غائبا يا سيدي ، وليس في السماء سوى نجوم تلتمع وتتوهج .. ارتعشت ، وانبطحت وصحت به بخوف : قف .. مَن هناك ؟

لم يتوقف القادم ، وقال : أنا عريف الحرس ..

اقتربَ أكثر مني ، صحت ثانية بصوت تردد صداه بعيدا ، فاقتربَ أكثر .. هيأت البارودة وقلت : أعطني كلمة السر .. كلمة التعارف .. قالهما ولم يتوقف .. هددته بإطلاق النار فلم يرضخ ..

وقتها تذكرت يا سيدي أنك قلت لنا : الهجوم خير وسيلة للدفاع .. اندفعت صوبه قاتلا أو مقتولا .. فلم أره إلا هاربا فوق المستر ، وهناك ، بدا لي حجمه أكبر بكثير من جنيد عريف الحرس ..

لم يكن بوطي مشدودا على قدمي .. خلعته بسرعة ، وركضت خلفه إلى ما وراء المستر .. لكن العتمة ابتلعته وأخفته عني ، فأطلقت صلية باتجاهه ، وانبطحت على الأرض لأسترد أنفاسي ..

كل ذلك جرى في لمح البصر .. فاستنفرت السرية ، وأنيرت مصابيح الخيام والساحة ، وتجمع الشباب حولي ، ولم أستطع الرد على كل استفساراتهم الملحة ، فاستلم عصام نوبة الحراسة عني ، وذهبت إلى الخيمة أرتعد وأرتجف ..

سألته ضاحكا : كنت ترتجف من البرد أم من الخوف ؟! ثم ، هل كنتَ متأكدا أن عريف الحرس أيقظك ، وأنك تسلمت نوبة حراستك ؟!..

ـ السرية كلها شاهدة يا سيدي .. والله أنا ما أزلّ عليك ..

غمزني سامح عامل المقسم ، وقال من ورائه : ليست هذه المرة الأولى التي يطلعون فيها عليه ..

لم ينتظر خلف دعوة مني ، فقال : كنت يا سيدي يومها حرس مدخل السرية ، وكانت نوبتي بين الثالثة والخامسة فجرا ، لمحت شخصا يسير فوق المستر متجها إلي ..

صحت : قف من أنت ؟

فقال : أنا النقيب يا خلف .. طبعا لم أصدقه ، فقد لا يكون هو ، وكان ما يزال يتقدم ، صحت به : قف .. أعطني كلمة السر ..

قاطعته : ألا تميز صوت النقيب ولهجته من غيره ؟!

ـ أقسم لك يا سيدي أنه صوته ولهجته .. أنا أميزهما من بين كل العالم ..

تجمع عدد من العناصر حول المكان ، نظر في الوجوه المحملقة فيه ، مدّ له أحدهم يده بسيجارة ، فاعتذر وتابع :

اقترب النقيب مني حتى حاذاني ، وقال :

أكنت نائما يا خلف ؟!

قلت : وأنا أحييه : أعوذ بالله يا سيدي .. أنا لا أنام أبدا ..

ولم أكد أتم كلامي ، حتى ذاب كفص ملح في الخابور ..

قال أحد العناصر : وبقيتَ حيًّا يا خلف ؟!

أجابه بسذاجة وجدّية : نعم ، أنا حي .. ألا تراني أمامك ؟!

فقال ثان متجها بكلامه إلي : يا سيدي ، نريد أن نعرف من خلف حكاية كيس البحارة ..

لم يكذب خلف خبَرًا . بل تابع بنفس الوتيرة :

فـُقدَ كيس البحارة يا سيدي ليلة داهموني في المحرس الشرقي ، وبحثنا عنه في اليوم التالي أنا وحامد العليوي ، فوجدناه جانب خندق الدفاع الذاتي للمدفع الثاني ، وكانت محتوياته مبعثرة حوله ..

ـ ألم يًسرَقْ منه شيء ؟

ـ سُرقت منه ثيابي المدنية فقط ..

ـ ما معنى أن تسرَقَ ثيابك المدنية فقط ؟ من له مصلحة بذلك ؟ ألم تجدها فيما بعد ؟

ـ لقد ضاع أثرها نهائيا يا سيدي ، ولا أعرف من أخذها ..

 

"" منذ لقائي الأول بخلف ، ارتحت له ، ولحرارة صدقه ، وبراءته التي لا توحي بها أوصافه الجسمية ..

وكنَنْتُ له ودًّا جعله فوق موضع الشك عندي .. لكن ، ليس ثمة مناص فيما يبدو ، لأن تصديقه ههنا مستحيل رغم أيمانه وتأكيداته "" ..

 

وصَف النقيب محمد الحادث بأنه لعبة غبية ، استهدف خلف من ورائها شيئا ما ..

والملازم محمد ، كان بين الشك واليقين ، فهو غير قاطع في أي شيء .. واكتفى بأن ضحك لمجريات الأحداث ، وقال : لا بد أننا سنسمع أغرب مما سمعنا ، ما دمنا هنا في عربيد ..

 

ما جرى قبل تلك الليلة :

 

كنا أنا والملازم محمد جالسيْن تحت المظلة ، عندما انعطفت سيارة أجرة باتجاه مفرق السرية ، وتوقفت قرب المدخل ، وترجل الراكب منها ، فهُرع الحرس إليه ..

تكلما ، ثم جاءنا الحرس راكضا :

إنه العسكري سليمان أخو العسكري حامد العليوي ، ويريد زيارة أخيه ..

قال له الملازم محمد : حامد مغادر ، وسيعود غدا ..

قلت للحرس : أخبرْهُ بغياب أخيه ، فإن رغب بانتظاره ، أدخله ..

 

يرتدي سليمان ثيابا مدنية ، ويعتمر قبعة ذات فرو كثيف ، لا تستدعيها ظروفنا الجوية الحالية ، لكنه قادم من المناطق الثلجية في الجبهة ، ومغادرته قصيرة لا تكفيه للذهاب إلى قريته البعيدة ، ففضل أن يزور أخاه القريب نسبيا ..

رحّبنا به ، وقلت لخلف ـ وهما من قريتين متجاورتين ـ : ليكن ضيفك يا خلف .. هيئ له طعاما ، ودعه ينم ..

كان الإرهاق الشديد باديا عليه كله ، بينما تخفي القبعة بياض رأسه الحليق ..

 

ما جرى بعد تلك الليلة :

 

في الصباح ، وصلت إلى السرية منهكا ، ومنتشيا بنسماته ، فكان وصولي بمثابة نقطة في نهاية السطر ، لما كنت أسترجعه من سهرة الأمس مع الأصدقاء ..

قرب خيمته ، كان النقيب مصغيا لامرأة ، فهمتُ أنها " تدّعي على حامد الذي ذهب إلى بيتها ليلا ، يريد بدلته التي وضعها خلف عندهم ، وهددها بأنه سيفضحهم إذا لم تعطه البدلة " ..

رفعت المرأة يدا معروقة داكنة إلى شعر أبيض في رأسها ، خرج من تحت الغطاء ، فحركه الهواء فوق جبهتها قبل أن تعيده مكانه ، ثم ازورت برأسها جانبا ، وقالت : إننا مستورون والحمد لله .. ماذا رأى منا حتى يفضحنا هذا الخسيس النذل

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

احتفالية أبي العلاء المعري

كتبها y m ، في 1 ديسمبر 2011 الساعة: 08:42 ص

 احتفالية أبي العلاء المعري


 د. عمر الدقاق ـ أ. خليل هنداوي ـ أ. محمد كمال - د. فخري قسطندي ـ كلية الآداب ـ جامعة حلب 03 ـ 05 ـ 1976

 

 

 ربما تكون الصور التي التقطتها ، أثناء الانتقال من جامعة حلب إلى ضريح الشاعر أبي العلاء المعري في مدينة المعرة ، هي الذكرى الوحيدة لاحتفالية كلية الآداب بإطلاق اسم الشاعر على أحد مدرجاتها ، واغتنام الفرصة المتاحة بالإضاءة على بعض جوانب ومميزات شعر أبي العلاء وشخصيته وفكره الفلسفي ..

وقبل أن نصل إلى مكان الضريح ، توقعت أن أرى مكانا يليق بمكانة وعبقرية صاحب " اللزوميات " و " سقط الزند " ، لكن مع الأسف ، لا شيء مما توقعت ..

وعلى مبدأ :

تعَبٌ كلها الحياة فما أعْجَبُ إلا من راغبٍ في ازدياد ..

تذكرت مطلع قصيدةٍ شهيرةٍ للأنباري ، في رثاء محمد بن بقية وزير عز الدولة البويهي :

عُلوٌّ في الحياة وفي الممات  لـَحَقٌّ تلكَ إحدى المعجزاتِ !!

 

 لم يكن عددنا يتجاوز العشرين ، ولم تكن الزيارة منسقة مع أحد في معرة أبي العلاء ـ كما يبدو ـ لأننا لم نلحظ قيامهم بواجب تقديم الماء لنا ، مثلا ..

وذلك لا يعفيهم من التبعات ، بعد أن عرفوا أن ضيوفهم جاؤوا من حلب لزيارة قبر" رهين المحبسين " ..

ولم تكن عمادة الكلية في وارد حساب شيء من ذلك ، ولم يأخذونا حتى إلى استراحة في الطريق ، بذريعة أننا يجب أن نعود سريعا إلى الكلية لاستكمال إجراءات افتتاح أسبوع الاحتفالية ، وهي :

إطلاق اسم " المعري " على مدرج في الكلية ، برعاية رئيس الجامعة د. أحمد يوسف الحسن ..

وبالفعل ، أزاح د. أحمد يوسف الحسن رئيس الجامعة الستارة " الصغيرة " عن لوحة " صغيرة " ثبتت إلى يسار باب المدرج ، كتب عليها " مدرج المعري " ..

وإذ دخل الحاضرون إلى المدرج ، ألقى د. عمر الدقاق عميد الكلية كلمة حول المناسبة ، ثم رُفعت الجلسة قليلا ريثما غادر المكانَ رئيسُ الجامعة ..

ثم ارتجل المرحوم الدكتور محمد حموية حديثا مختصرًا عن " شاعر الفلاسفة ، وفيلسوف الشعراء " ..

ووزعت مطبوعة خاصة بالمناسبة ، فيها مواعيد الاحتفالية لأسبوع قادم كامل ، يتضمن عددا من المحاضرات والنشاطات الأخرى ..

وبانتهاء اليوم الأول من الاحتفالية ، توارت فعاليات الأيام التالية وراء انهماك الجميع بدوامة العمل اليومي ..

وبعد أن تلاشى الاهتمام والبريق ، اقتصر الحضور في الأيام التالية ، على عدد محدود جدا من الطلبة وبعض المهتمين من الأساتذة ..

 

الخميس ـ 01/12/2011

 

 

رئيس جامعة حلب الدكتور أحمد يوسف الحسن يزيح الستار عن لوحة تحمل اسم  مدرج المعري  في كلية الآداب ـ 03 ـ 05 ـ 1976

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي